المبحث الرابع
حالات تعطيل قواعد تنازع القوانين
بعد ان استعرضنا نطاق تطبيق قواعد الاسناد ومن ثم تطبيق القانون المسند اليه قد تقع حالات يتعطل فيها اعمال قواعد الاسناد ومن ثم يمتنع معها تطبيق القانون المسند اليه الاختصاص مما يطرح ذلك التساؤل عن طبيعة وآلية ظهور هذه الحالات، ومن ثم اثارها ان الاجابة عن ذلك تتطلب استعراض كل حالة من الحالات التي تتعطل معها قاعدة الاسناد والتي تتمثل بالنظام العام و الغش نحو القانون و المصلحة الوطنية وسنعرض لتعريف ونطاق كل منهما و الاثر المترتب من خلال ثلاثة مطالب سنبحث في الاول النظام العام وفي الثاني للغش نحو القانون وفي الثالث المصلحة الوطنية .
المطلب الاول
النظام العام
النظام العام فكرة مرنة قابلة للتغير و التطور باختلاف الزمان و المكان فما يعد من النظام العام في العراق اليوم لايعد كذلك في المستقبل ،وما يعد من النظام العام في فرنسا لايعد كذلك في العراق ، وتظهر فرص الاحتجاج بالنظام العام على درجة كبيرة بين الدول المتباعدة حضاريا ويخف ظهوره بين الدول المتقاربة حضاريا ويعود سبب ذلك الى اختلاف الموروث الثقافي و القانوني بين الدول المتباعدة حضاريا ويعبر عن ذلك الفقيه سافيني بما يصطلح عليه بغياب الاشتراك القانوني بين هذه الدول وهو ما يسمح بفرص ظهور النظام العام، وبحسب هذا التفسير هناك حد ادنى من الاشتراك القانوني بين الدول متى ما تصدع هذا الحد سيسمح ذلك بالتنافر بين القوانين رغم ان مسالة الاختلاف بين القوانين تسمح بالتنازع طالما كان الاختلاف بين القوانين في المسائل الثانوية اما اذا بلغ مبلغ الاختلاف في المسائل الجوهرية فان ذلك يعني التنافر، ومن ثم ظهور فكرة النظام العام أي حصول فجوة بين القانون الاجنبي وقانون قاضي النزاع ولم تضع تشريعات اغلب الدول تعريف محدد للمقصود بالنظام العام وذلك لانه فكرة مرنة كما ذكرنا في حين وضع الفقه تعريفات متعددة اهمها ان النظام العام مجموعة من القيم و العادات و التقاليد التي تشكل النظام الاجتماعي الاقتصادي و السياسي للدولة ويعد من الاصول التي يرتكز عليها المجتمع.
وتقف وراء الدفع بالنظام العام من قبل قاضي النزاع قبل القانون الاجنبي الذي اشارت الى تطبيقه قواعد الاسناد الوطنية في دولة قاضي النزاع اسباب فنية واقتصادية واجتماعية ودينية فمن ناحية الاسباب الفنية (التقنية) قد يشترط قانون قاضي النزاع لنفاذ الرهن الحيازي قبل الراهن للاحتجاج به من قبل المرتهن نزع حيازته من يد الراهن كما هو عليه موقف القانون العراقي في حين لا يشترط ذلك قانون موقع المال الذي اشارت الى تطبيقه قواعد اسناد قاضي النزاع كما هو عليه الحال في موقف القانون الامريكي اما من ناحية الاسباب الاقتصادية فتتمثل في اعتماد القانون الواجب التطبيق اسباب للدين لا يجوزها قانون قاضي النزاع كما لو كان القانون الاجنبي يعترف بالديون المترتبة على القمار و الرهان في حين تعد هذه الاسباب مخالفة للنظام العام لقانون قاضي النزاع كما هو عليه الحال في المادة(132/1) من القانون المدني العراقي التي نصت على (يكون العقد باطلا اذا التزم المتعاقدون بدون سبب او لسبب ممنوع قانونا اومخالف لنظام العام او الاداب) واوردت المادة (130/2)مدني مايعد من النظام العام على سبيل المثال كما كان هذا موقف المشرع الاردني في المادة(163)مدني ,و لم تحدد المادة (31)من القانون المدني العراقي ايضا المقصود من النظام العام حيث نصت على (لايجوز تطبيق احكام قانون اجنبي قررته النصوص السابقة اذا كانت هذه الاحكام مخالفة للنظام العام اوالادا ب في العراق ) والى نفس المعنى ذهبت المادة (28)مدني مصري والمادة (29)مدني اردني والمادة (28)مدني ليبي.
اما من ناحية الاسباب الاجتماعية فتتمثل في وجود حضر في القانون الاجنبي الواجب التطبيق يجعل اختلاف اللون مثلا مانع من الزواج او الميراث علما ان مثل هكذا حضر غير موجود من الناحية الفعلية في أي قانون لوجود اتفاقيات ومواثيق تؤكد المساواة بين الناس بغض النظر عن اعتبارات الجنس او اللون ) المادة (2) من الاعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1948.
اما من الناحية الدينية فقد يبيح القانون الاجنبي الواجب التطبيق الزواج بين مختلفي الدين كما لو سمح بزواج المسيحي من المسلمة في حين يحضر مثل هكذا زواج في دولة قاضي النزاع وهو موقف اغلب الدول التي تسود مبادئ الشريعة الاسلامية الاحكام المتعلقة بالزواج ومنها العراق.
ومن الجدير بالذكر ان النظام العام وسيلة للدفاع عن المجتمع وهذا هو الدور الحمائي للنظام العام وهو لذلك يوصف بانه صمام الامان الذي من خلاله يسيطر على القوانين الاجنبية فيسمح بمرور الصالحة والملائمة للنظام العام لدولة قاضي النزاع ويطرح ما دون ذلك، وفي هذه الاطار ظهر للنظام العام مفهومان هما النظام العام الداخلي والنظام العام الدولي يعمل الاول على الحد من اجراء تصرفات تمثل خروج على القواعد الامرة في اطار العلاقات الوطنية اما الثاني يمنع تطبيق القانون الاجنبي الواجب التطبيق عن طريق استبعاده في اطار العلاقات ذات البعد الدولي ويذهب البعض الى عدم الاعتراف بهذه التفرقة ويرى ان النظام العام واحد مع اختلاف دوره في محيط القانون الداخلي عنه في محيط تنازع القوانين على التفاصيل اعلاه ولا يوجد نظام عام دولي لان ذلك يعني وجود سلطة عليا فوق الدول تقرر ما يعتبر ضمن هذا المعنى فالحال ان لكل دولة نظام قانوني من خلاله يمكن ان يستشف عن وجد النظام العام الان دوره يختلف كما قلنا حسب طبيعه العلاقة ففي اطار العلاقات الوطنية يكون دور النظام العام اشد .اما في اطار العلاقات ذات البعد الدولي يكون اخف لتشجيع حركة الاشخاص و الاموال عبر الحدود، وهو مايطرح نشوء علاقات ممتدة العناصر بين اكثر من دولة وحصول التنازع ما بين هذه القوانين فالمرونة في تطبيق مفاهيم النظام العام في ظل التنازع تحقق حالة من التعايش بين الانظمة القانونية فالاتفاق بين الاطراف على سن بلوغ اقل او اكثر مما هو عليه قانونيا يعد باطل طالما انه يخالف قاعدة امرة في القانون الداخلي الا ان تقرير القانون الاجنبي سن اقل او اكثر مما هو مقرر في دولة قاضي النزاع لايعد مخالف للنظام العام فهذا يكشف عن اختلاف دور النظام العام في الوضعين.
كما ان دور النظام العام كمانع لتطبيق القانون الاجنبي يظهر وقت تطبيق الاخير لان في هذا الوقت سيعرف القاضي مدى انسجام القانون الاجنبي مع االنظام العام في دولته.
واذا كان النظام العام يمنع تطبيق القوانين الاجنبية على العلاقات ذات البعد الدولي لمخالفة هذه القوانين للنظام العام في دولة قاضي النزاع .فالسؤال هل يكون للنظام العام نفس الدور في القوانين الحاكمة في علاقات تنشا خارج محيط دولة قاضي النزاع مثال ذلك اذا كان القانون الفرنسي يمنع تطبيق قانون جنسية الزوجين الذي يبيح تعدد الزوجات فهل يعترف القانون اعلاه بالزواج باكثر من واحدة اذا تم خارج فرنسا واريد الاحتجاج باثاره في فرنسا.
اجاب الفقه الغالب عن ذلك بالتفرقة بين نشوء الحق واثاره فاذا كان النظام العام لقانون القاضي يمنع نشوء الحق على اراضيه فليس هناك ما يمنع من الاعتراف باثاره اذا ما نشا خارج دولة قاضي النزاع فبحسب المثال السابق سيعترف القضاء الفرنسي باثار الزواج الثاني والتي تتمثل بالبنوة والتوارث رغم انه لايعترف بها ابتداءا اذا نشات في فرنسا وهو مايصطلح عليه بتلطيف مفعول النظام العام او الاثر المخفف للنظام العام رغم انه لا يعترف للزوج بوحدة السكن مع الزوجة الثانية ،ومقابل ذلك هناك بعض الحقوق لا يعترف لا بنشؤوها ولا باثارها ان تمت خارج محيط دولة قاضي النزاع مثال ذلك عدم اعتراف القضاء الفرنسي مثلا بحق ملكية منقول اكتسب عن طريق المصادرة بدون تعويض اذا كان قد اكتسب في دولة تجيز نشوءه فلا يعترف بمثل هذا الحق في فرنسا ولا باثاره رغم انه نشا خارج فرنسا .
كما لا يمنع تطبيق النظام العام بوصفه مانع من موانع تطبيق القانون الاجنبي وان كانت تشير الى تطبيقه اتفاقية دولية ما بين دولة القاضي ودولة القانون الاجنبي لان عقد الاتفاقية ما بين الدولتين ليس معناه ان دولة القاضي تقر جميع قوانين الدولة الاجنبية انما يكون لها تحتفظ ضمني على القوانين المخالفة لنظامها العام.
ومن خلال متابعة اعمال النظام العام يظهر ان هناك اثران يترتبان على اعماله الاول سلبي و الثاني ايجابي سنعرض لهما من خلال فرعين:-
الفرع الاول
الاثر السلبي
ويتمثل باستبعاد القانون الاجنبي وعلى وجه التحديد منع تطبيق القواعد الموضوعية التي تتعارض مع النظام العام لدولة قاضي النزاع واستبقاء ما دون ذلك، ويصطلح على ذلك بالاثر الاستبعادي للنظام العام لانه يعبر عن استبعاد تطبيق القانون الاجنبي وهذا الاستبعاد اما ان يكون جزئي او كلي. فالاستبعاد الجزئي يتمثل في الحالة التي يقر فيها القانون الواجب التطبيق بالدين مع فوائده في حين ان الفوائد الربوية تتعارض مع النظام العام لدولة قاضي النزاع فالقاضي سوف يستبعد احكام الفائدة في القانون الاجنبي دون الاحكام المتعلقة بالدين هذا يعني ان القاضي قد استبعد جزئيا القانون الاجنبي.
اما الاستبعاد الكلي فيتمثل في الحالة التي تكون فيها نصوص القانون الاجنبي في العلاقة موضوع النزاع لا تقبل التجزئة كما لو كان القانون الاجنبي الواجب التطبيق يجوز الزواج بين رجل مسيحي وامراة مسلمة في حين يعد ذلك مخالف للنظام العام لدولة قاضي النزاع فالقاضي هنا سوف يستبعد كليا القانون الاجنبي فلا يعترف بالاخير لا بما يقر للزواج من شروط وليس هناك من اعتراف بعد ذلك بقواعد تقر بالاثار.
ويذهب جانب من الفقه الالماني الى عدم اقرار الاستبعاد الجزئي ولا الكلي انما الامتناع عن تطبيق القواعد الموضوعية المخالفة للنظام العام لدولة قاضي النزاع و القيام بتحويرها على نحو يجعلها اكثر انسجاما وملائمة مع النظام العام واذا لم تكون تلك القواعد قابلة للتحوير فيصار الى اعتماد ما يقترب منها في الحكم وقد انتقد ذلك الراي لانه يجعل القاضي الوطني بمنزلة مشرع القانون الاجنبي بل انه يوسع صلاحيته على نحو يجعل له سلطة تحكمية . في حين يذهب راي اخر الى القول ايضا بعدم الاستبعاد و البقاء في اطار القانون الاجنبي عن طريق ما يسمى بوجود قواعد احتياطية تعمل مكان القواعد الاصلية فاذا تم اسناد الاختصاص بواسطة الجنسية الى القانون الاجنبي اذا كان ذلك مخالف للنظام العام لدولة القاضي فيصار الى اعتماد ضابط الموطن من ثم قانون الموطن كقاعدة احتياطية بدلا من قانون الجنسية القاعدة الاصلية.
الفرع الثاني
الاثر الايجابي
ويتمثل بحلول قواعد قاضي النزاع محل القواعد المستبعدة من القانون الاجنبي وهذا الاثر يصطلح عليه بالاثر الحلول ،أي ان يعبر عن حلول قانون محل قانون اخر سدا للفراغ التشريعي الذي يخلفه الاثر السلبي (الاستبعادي)
يتمثل باحلال قانون القاضي محل القانون الاجنبي وتعتمد طبيعة هذا الاثر على طبيعة الاثر الاستبعادي فاذا حصل الاثر الثاني بصورة كلية سينسحب على الاثر الحلولي بصورة كلية واذا تم بصورة جزئية يكون الاثر الحلول بصورة جزئية أي ان الاستبعاد الكلي لاحكام القانون الاجنبي يقابله حلول كلي لاحكام قانون القاضي و الاستبعاد الجزئي لاحكام القانون الاجنبي يقابله حلول جزئي لاحكام قانون القاضي ، مثال الحلول الكلي اذا كان القانون الواجب التطبيق يقر بيع التركات المستقبليةاو الزواج بين المحارم يستبعد هنا كليا اذا كان مخالف للنظام العام للدولة قاضي النزاع ويحل قاضي النزاع محل القانون المستبعد كليا قانونه الوطني ، اما الحلول الجزئي فيتحقق عندما يقرر القانون الواجب التطبيق بعض شروط للزواج تتعارض مع النظام العام لدولة قاضي النزاع كما لو كان يبيح للزوجة بان تشترط على الزوج بعدم الزواج الثاني فهنا سوف يستبعد القانون الاول جزئيا فيطبق القانون الاجنبي على الشروط الموافقة لقانونةالقاضي ويستبعد الشرط المتقدم ويحل القاضي محله احكام قانونه وهنا سوف يطبق القانون الاجنبي جزئيا في شروط كما يطبق قانون القاضي جزئيا في عدم الاعتراف بشروط اخرى أي ان القانونين سيطبقان جزئيا.
المطلب الثاني
الغش نحو القانون
اذا كان النظام العام يمنع تطبيق القانون الاجنبي الواجب التطبيق بحسب قواعد اسناد قانون قاضي النزاع وذلك لغياب الحد الادنى من الاشتراك القانوني ما بين قانون القاضي والقانون الاجنبي فان الغش نحو القانون يسمح بتطبيق القانون الاجنبي المختص اصلا ويمنع تطبيق القانون المصطنع له الاختصاص، ولاجل بيان هذا المانع من موانع تطبيق القانون الاجنبي فلابد من بيان معنى الغش نحو القانون ثم نطاقه وشروط تطبيقه واخيرا اثره وذلك من خلال اربعة فروع:-
الفرع الاول
معنى الغش نحو القانون
لا يقتصر الغش نحو القانون على محيط القانون الدولي الخاص بل له امتداد على مستوى القانون الداخلي، ويحصل عندما يعمد اطراف العلاقة الى تبديل الوصف القانوني للعلاقة فينقلوا احكامها من نطاق قانون الى نطاق قانون اخر ضمن السيادة التشريعية للدولة الواحدة كما لو كان قانون الدولة يمنع بيع مال معين فيعمد الاطراف الى تبديل العلاقة من وصف البيع الى الايجار الطويل. اما الغش نحو القانون في اطار القانون الدولي الخاص فيحصل عندما يعمد اطراف علاقة ما الى تغيير ارادي لضابط من ضوابط الاسناد القابلة للتغير على نحو ينقل الاختصاص في العلاقة من محيط قانون دولة الى محيط قانون دولة اخرى للخروج من احكام القانون الاول والاستفادة من التسهيل في احكام القانون الثاني كما لو اراد شخص الطلاق وكان قانون جنسيته يحضر الطلاق فيلجا الزوج لتغيير جنسيته عن طريق اكتساب جنسية دولة تسمح له بالطلاق فيكون بذلك قد قام بتغير ضابط الجنسية بارادته بقصد نقل الاختصاص في الطلاق من قانون يحضره الى قانون يبيحه أي انه تخلص من قانون يتشدد بشان الطلاق ودخل في نطاق قانون يخفف من اجراءات الطلاق فهو بذلك لم يغير الجنسية لذات التغيير أي لتغير بيئته الاجتماعية انما لتبديل الاختصاص في العلاقة وقد نشات فكرة الغش نحو القانون بمناسبة قضية (دي بفرمونت) التي تتلخص وقائعها في ان امراة من الجنسية البلجيكية تزوجت برجل من الجنسية الفرنسية واكتسبت بفعل الزواج جنسية الزوج الفرنسية وعندما ارادت الطلاق لم تستطيع لان قانون الزوج يمنع الطلاق في ذلك الوقت مما اضطرت الى اكتساب الجنسية الالمانية بقصد الاستفادة من اباحة الطلاق الواردة في القانون الالماني و الافلات من الحضر الموجود في القانون الفرنسي.
الفرع الثاني
نطاق تطبيق الغش نحو القانون
ذهب جانب من الفقه الى قصر اعمال هذا المانع ضمن نطاق مسائل الاحوال الشخصية وهي الطلاق و الزواج ذلك لان اغلب ضوابط هذه المسائل قابلة للتغير بينما ذهب جانب اخر الى اعمال هذا المانع في جميع مسائل تنازع القوانين أي في مجال الزوج و العقود والفعل الضار و النافع ونعتقد ان الغش نحو القانون يعتمد كمانع في نطاق المسائل التي تكون ضوابط الاسناد قابلة للتغير فيها مثل الجنسية والموطن وموقع المنقول اما اذا كانت الضوابط غير قابلة للتغير مثل موقع العقار محل الابرام فلا تعمل فكرة الغش في هذا النطاق.
وهناك فرض يثير تساؤل الفقه يتمثل حول العمل بالغش كمانع ، و هل يكون اذا وجه نحو قانون قاضي النزاع فقط ام يمكن ان يعمل به سواء كان موجه نحو قانون قاضي النزاع ام القانون الاجنبي؟ الاتجاه الراجح يذهب الى التوسيع من نطاق العمل بهذا المانع سواء كان الغش مرتكب اتجاه قانون القاضي ام قانون دولة اخرى ذلك لان قاضي النزاع لا يحمي فقط قوانينه من الغش انما هو مكلف بحماية كل قانون ترتكب في مواجهته حالة الغش، ويقوم هذا الاتجاه على مبرر وهو تحقيق التعاون الدولي بين الدول في المجال التشريعي و القضائي اضافة الى ان ذلك يضمن تحقيق العدالة ومحاربة الغش اينما كان لان الغش يفسد كل شيء وعدم تمكين مرتكب الغش للاستفادة منه، ومحاربة التطبيق الانتقائي للقانون.
ومن الجدير بالذكر ان فكرة الغش نحو القانون لم تكن محل اتفاق الفقه فقد توزع الفقه بين مؤيد ومعارض لها.
فالاتجاه الاول يذهب الى تاييد الفكرة مبرر ذلك بعدة مبررات تتمثل:
1- ان الفكرة تقوم على القصد وحيث ان الاخير يتعلق بالنية لهذا فهي مسالة وجدانية يصعب على القاضي ان يستدل على وجودها لانها مسالة داخلية اضافة الى ان ذلك يسمح بوجود سلطة تحكمية للقاضي في الاستدلال على وجود قصد الغش.
2- ان المشرع في جميع دول العالم يسمح للافراد بتغيير ضوابط الاسناد وهذا يعني ان تغيير الضوابط مسالة مشروعة فكيف يؤخذ الافراد عن افعال اباح المشرع ممارستها.
اما الاتجاه الثاني فيذهب الى معارضة هذه الفكرة مستند في ذلك على عدة مبررات هي :
أ- ان القول بان الغش يقوم على القصد والنية وهي مسالة وان كانت صعب التحري عنها الا انها ليست بالمستحيلة فالقاضي في المسائل الجزائية يتحرى عن القصد الجنائي فلا يمنع ذلك من تحريه عن قصد الغش في مسائل القانون الدولي الخاص و القول باستعمال القاضي سلطة تحكمية للوصول للقصد يرد عليه لان تحري النية مسالة قانون تخضع لرقابة المحاكم العليا.
ب- ان عدم محاربة الغش نحو القانون يعد مكافاة للاغنياء على حساب الفقراء لانهم يستطيعون الانتقال بانفسهم واموالهم بين الدول فتكون فرص ممارسة الغش بالنسبة لهم اوفر .
ج- ان اباحة المشرع للافراد حق تغيير ضوابط الاسناد مقيد بشرط ان تكون موجه لغرض مشروع والحال ان الغش نحو القانون فيه استعمال وسيلة مشروعية لتحقيق نتيجة او غاية غير مشروعة وبذلك تطبع عدم مشروعية الغاية الوسيلة.
رغم ما تقدم من حجج المعارضين فقد نالت حجج المؤيدين القبول حيث اخذ بالغش نحو القانون القضاء الفرنسي و الانكليزي والقانون الدولي الخاص السويسري لعام 1987.
كما يمكن اعتمادها على مستوى التشريعات العربية ومنها التشريع العراقي استنادا الى المادة (30) من القانون المدني التي نصت على( يتبع في كل مالم يرد بشانه نص خاص من احوال تنازع القوانين السابقة مبادئ القانون الدولي الخاص الاكثر شيوعا)والى نفس المعنى ذهبت باقي التشريعات العربية ونذكر منها على سبيل المثال المادة(25)مدني اردني .
الفرع الثالث
اركان الغش نحو القانون
تتمثل هذه الاركان بالركن المادي والمعنوي و القانوني وسنعرض لهما من خلال ثلاثة محاور .
اولا :-الركن المادي
ويتمثل بالتغيير الارادي الفعلي لضابط من ضوابط الاسناد القابلة للتغيير مثل الجنسية والموطن وموقع المنقول فتغيير الجنسية يكون عن طريق فقدان الجنسية السابقة واكتسابه الجنسية اللاحقة أي يقتضي ان يتخلى عن الاولى اذا كان قانونها يشترط ذلك عند اكتسابه للثانية كما هو الحال بالنسبة لموقف المشرع العراقي في المادة (10/1) من قانون الجنسية النافذ وكذلك الحال اذا اراد الشخص ان يغير الموطن فيفترض ان ينقل محل اقامته من دولة الى اخرى مع انصراف نيته الى البقاء في الثانية لاجل غير محدود وينسحب نفس الحال بالنسبة للمنقول وهذا يعني بحسب تعبير البعض ان تكون وسيلة الغش فعالة أي تكون منتجة لاثارها فمجرد تقديم طلب لاكتساب الجنسية لا يفيد تغييرها وكذلك الحال في ظل اكتسابها مع الاحتفاظ بالجنسية السابقة عليها.
ثانيا :-الركن المعنوي
ويتمثل بقصد الغش وهذا يستنتجه القاضي من خلال الظروف المحيطة باطراف العلاقة ففي حالة الطلاق مثلا اذا كان الزوجين في حالة خلافات مستمرة اذا اكتسب الزوج جنسية دولة تبيح الطلاق وباشر بالطلاق فنكون هنا امام قرينة وجود خلافات سابقة على الطلاق نستدل منها على وجود نية الغش ،أي اذا كان تغيير الجنسية وكذلك الموطن وموقع المنقول غير مقصود لذاته وانما القصد الرئيس هو تغيير الاختصاص القانوني على نحو يفضي الى انتقاله من نطاق قانون دولة الى نطاق قانون دولة اخرى وما تغيير ضابط الاسناد الا وسيلة فهنا يتحقق قصد الغش كما هو الحال في المثال المتقدم اما اذا كان تغيير ضابط الاسناد الجنسية بحسب المثال المتقدم قصد لذاته وذلك اذا كان الزوج يرغب بتغيير بيئته الاجتماعية وما نقل الاختصاص القانوني الا نتيجة له فلا تكون هنا امام قرينة وجود قصد الغش.
ثالثا:- الركن القانوني
ان يكون التغيير الارادي لضوابط الاسناد بقصد نقل الاختصاص من احكام القواعد الامرة لقانون دولة الى قانون دولة اخرى أي ان يكون التحايل والغش موجه للقواعد الامرة في القانون المختص اصلا اما اذا كانت هذه القواعد مفسرة فلا نكون امام حالة غش ذلك لان القواعد الاخيرة تسمح بالاتفاق على ما يخالفها وبذلك يتحقق الغش عند ملاحظة خروج ارادي للافراد من محيط قانون اكثر تشددا بقواعده الامرة بقصد الدخول في محيط قانون اكثر تساهلا في حكم العلاقة.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .