انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

التفويض ونطاق تطبيق قواعد الاسناد

الكلية كلية القانون     القسم قسم القانون الخاص     المرحلة 4
أستاذ المادة عبد الرسول عبد الرضا جابر شوكة       5/30/2011 5:41:28 AM

ثالثا:-التـــــفـــــويــــض

 

 

ان التشريعات التي لم تعتمد الاحالة او تلك التي اعتمدتها ،بعضها اخذ بالية يصطلح عليها بالاحالة الداخلية (التفويض) وهي تقابل الاحالة الدولية الخارجية بالمعنى المتقدم وهذه الاحالة تحصل بمناسبة اسناد قواعد اسناد قاضي النزاع الاختصاص الى قانون دولة مركبة تتعدد فيها الشرائع تعددا شخصيا او اقليميا، وتتعدد الشرائع تعددا شخصيا في قوانين الدول التي تتعدد فيها الطوائف مثل القانون اللبناني والمصري .اما القوانين التي تتعدد فيها الشرائع تعدد اقليميا فهي التي تتعدد بعدد اقاليم الدولة ،ومثال ذلك الولايات المتحدة الامريكية وسويسرا . وقواعد حل التنازع الداخلي في  قانون الدولة التي  تتعدد فيها الشرائع تتولى تعيين الشريعة الواجبة التطبيق في ذلك القانون ،وقد اشار المشرع العراقي الى ذلك في المادة (31/2) مدني التي نصت (اذا كان هذا القانون الاجنبي هو قانون دولة تتعدد فيها الشرائع فان قانون هذه الدولة هو الذي يقرر اية شريعة من هذه يجب تطبيقها) كما اشارت الى ذلك باقي التشريعات العربية.

 

وفي ضوء ما تقدم سنعرض للموضوع من خلال التعريف بالتفويض ومن ثم التطبيقات العملية للتفويض وذلك من خلال محورين:

 

1 : التعريف بالتفويض

 

اذا كانت الاحالة معناها تخلي القانون المسند له الاختصاص بموجب قواعد اسناد قانون قاضي النزاع لحساب الاخير او  لحساب قانون اخر مع قبول الاخير للاختصاص المتخلى عنه من الاول فان التفويض لا يعني تخلي القانون المسند له الاختصاص انما قيامه بتركيز الاختصاص في احد الشرائع المتعددة فيه بموجب قواعد اسناده الداخلية (قواعد حل التنازع الداخلي) ،وفي حدود هذا يعني التفويض هو تخويل او توكيل قانون قاضي النزاع القانون الواجب التطبيق لتعيين أي شريعة هي الواجبة التطبيق فيه ،وهذا يعني ايضا ان قواعد اسناد قاضي النزاع تسند الاختصاص، وتفوض امر تخصيصه للقانون المسند اليه في نفس الوقت والتفويض  يقوم على مبررات منها عدم كفاية قواعد الاسناد في دولة قاضي النزاع على  حصر الاختصاص بالشريعة الواجبة التطبيق لذا فان التفويض يساعد قاضي النزاع على الاستدلال عليها عبر قواعد الاسناد الداخلي  في القانون المسند له الاختصاص.

 

 ونستنتج مما تقدم ان الاسناد و التفويض يبدا بموجب قواعد اسناد دولية في قانون قاضي النزاع الى قواعد اسناد داخلية في القانون المسند له الاختصاص وفي ضوء ذلك  يعرف التفويض بانه تخويل قاضي النزاع قواعد الاسناد الداخلية في القانون المسند له الاختصاص بتركيز الاختصاص المسند اليه في احد شرائعه المتعددة تعددا شخصيا او اقليميا.

 

2- آلتطبيقات العملية للتفويض

 

يحصل  التفويض عندما يتم الاسناد الى قانون دولة مركبة تتعدد فيها الشرائع تعددا اقليميا او دولة بسيطة تتعدد فيها الشرائع تعددا شخصيا وهذا يعني ان التفويض لا يظهر اذا تم الاسناد الى دولة لا تتعدد فيها الشرائع على النحو المتقدم، فالتفويض يبدا مع الاسناد في وقت واحد وقاضي النزاع يجري ثلاثة عمليات في وقت واحد وهي الاسناد و التفويض و التركيز ، اسناد وتفويض بموجب قواعد اسناده وتركيز بموجب قواعد اسناد القانون المسند اليه الاختصاص وبذلك يبدا التفويض عبر قواعد اسناد دولية في قانون قاضي النزاع لينتهي عبر قواعد اسناد داخلية في القانون المسند له الاختصاص الاول يقوم بالاسناد و التفويض و الثاني يقوم بتركيز الاختصاص في احد شرائعه الداخلية.

 

وفي ضوء ذلك اثار الفقه عدة تساؤلات وخاصة في ضوء موقف التشريع العراقي وباقي التشريعات العربية تتمثل بالاتي:

 

ا:- هل يعمل بالتفويض في ظل التعدد الشخصي ام الاقليمي.

 

ب :- هل يتحتم الرجوع لقواعد الاسناد الداخلية في القانون المسند اليه الاختصاص ايا كان ضابط الاسناد الذي تم بموجبه الاسناد أي سواء كان ضابط شخصي (الجنسية) ام ضابط اقليمي الموطن موقع المال ام ضابط معنوي (الارادة).

 

ج: -اذا لم توجد قواعد اسناد داخلية في القانون المسند له الاختصاص او وجدت الا انها تتخلى عن الاختصاص خارج محيط قانونها الى قانون اجنبي.

 

اجاب الفقه عن السؤال الاول بالعمل بالتفويض سواء اكان الاسناد الى دولة تتعدد فيها الشرائع تعددا شخصيا ام اقليميا ذلك لان موقف المشرع العراقي وباقي التشريعات العربية نصت على العمل بالتفويض بشكل مطلق من خلال عبارة قانون دولة تتعدد فيها الشرائع فهو لم يحدد طبيعة التعدد مما يقتضي ان يصار الى اعمال النص على طلاقه (لان المطلق يجري على اطلاقه)

 

اما السؤال الثاني

 

فقد اتجه الفقه في متجهين ، الاول يذهب الى التفرقة في الحكم بحسب نوع ضابط الاسناد  الذي تم بواسطته اسناد العلاقة لقانون الدولة المتعددة الشرائع فاذا تم الاسناد عن طريق ضابط الجنسية فقاضي النزاع ملزم بمراجعة قواعد الاسناد الداخلية في قانون الجنسية وذلك لعدم كفاية هذا الضابط في تحديد وحصر وتركيز الاختصاص في احد الشرائع فهذا الضابط يصلح لمهمة الاسناد الاجمالي للاختصاص وقواعد الاسناد الداخلية في القانون المسند اليه تقوم بتخصيص الاختصاص وحصره وتركيزه في احد شرائع قانون الجنسية مثال ذلك زواج مواطنين امريكيين في العراق ، امام قاضي عراقي ، فحسب قواعد الاسناد العرقية يكون الاختصاص في شروط الموضوعية لهذا الزواج لقانون جنسية الزوجين المادة (19/1) مدني  وهو هنا القانون الامريكي وحيث ان القانون الاخير موزع بين عدة قوانين ولايات، فهذا يعني ان الجنسية لا تفيد بتحديد احد هذه القوانين، مما يكشف ذلك عن عدم كفايتها الذاتية للحل وحاجتها لمعاونة قواعد اخرى وهذا ما  نجده في قواعد الاسناد الداخلية في القانون الامريكي الذي بواسطتها القاضي العراقي سيستدل على قانون احد الولايات في داخل القانون الامريكي وكما هو موضح في المخطط ادناه أي ان ضابط الجنسية الذي تم بموجبه الاسناد عبر قواعد الاسناد العراقية وترشده بحصر الاختصاص في احد الشرائع الامريكية قواعد الاسناد الداخلية في القانون الامريكي.

 

زواج مواطنين من الجنسية الامريكية امام القاضي العراقي

 

 

اذا كانا مقيما على اراضي واشنطن فيتركز الاختصاص في قانونها وينسحب نفس الحكم اذا كانا مقيما في ولاية اخرى.

 

القانون العراقي

 

قاضي عراقي

 

التكييف

 

قواعد الاسناد

 

القواعد الموضوعية

 

      

القانون الامريكي

 

قواعد اسناد داخلية

 

تركيز الاختصاص

 

القواعد الموضوعية

 

قانون ولاية نيويورك

 

قانون ولاية واشنطن

 

قانون ولاية شكاغو

 

 
 

 

 

اما اذا تم الاسناد بواسطة احد الضوابط المكانية (الموطن) محل الابرام محل التنفيذ موقع المال او بواسطة ضابط معنوي (الارادة الصريحة) فيجد هذا الاتجاه الكفاية الذاتية لهذا الضابط على حصر وتركيز الاختصاص في احد الشرائع في القانون المسند له الاختصاص، ومن ثم لا يلزم هنا القاضي و لا يحتاج للعودة لقواعد الاسناد الداخلية في القانون المسند له الاختصاص ذلك لان الضابط ذاته يستدل من خلاله على الشريعة الواجبة التطبيق ومثال ذلك عقد ابرام بين المانيين في العراق موطنهما المشترك في مقاطعة بون اثير النزاع بمناسبة الاخلال بالتزامات العقدية الناشئة عن العقد امام القاضي العراقي هنا يقوم القاضي باسناد الاختصاص لقانون مقاطعة بون مباشرة لان موطن المتعاقدين في هذا المكان بحسب قاعدة الاسناد العراقية المادة (25/1)  مدني كذلك يكون نفس الحكم اذا كان موقع المال في احد المقاطعات الالمانية حيث يطبق القاضي العراقي قانون المقاطعة التي يكون فيها موقع المال وكذلك اذا كانت الشريعة متفق عليها بين المتعاقدين هي شريعة مقاطعة معينة.

 

الاتجاه الثاني يذهب الى وحدة الحل والزام قاضي النزاع بالرجوع لقواعد الاسناد الداخلية في القانون المسند له الاختصاص ايا كان ضابط الاسناد و الذي تم بموجبه الاسناد أي سواء تم الاسناد بواسطة الجنسية ام الموطن ام موقع المال ام محل الابرام ام الارادة فالية التفويض تكون واحدة وهي الرجوع لقواعد الاسناد الداخلية في قانون الجنسية او قانون الموطن او قانون موقع المال ذلك لان مهمة قواعد الاسناد الدولية الواردة في قانون القاضي هي الاسناد الاجمالي بين قانون دولة وقانون دولة اخرى وليس من مهمتها حصر وتركيز الاختصاص في احد الشرائع انما هذه هي مهمة قواعد الاسناد الداخلية في القانون المسند له الاختصاص، وان تجاهلها  من قبل قاضي النزاع فيه تجاوز على القانون المسند له الاختصاص وخروج عن وظيفة قواعد الاسناد الدولية واهمال وظيفة قواعد الاسناد الداخلية([1])

 

اما السؤال الثالث اذا لم توجد قواعد اسناد داخلية في القانون المسند له الاختصاص او وجدت ولكنها تعطي الحكم خارج قانونها ففي ظل وجودها يعتمد ضوابط تكميلية فاذا تم الاسناد بواسطة الجنسية فتطبق هنا شريعة العاصمة او الشريعة الغالبة او المهيمنة اما اذا تم الاسناد بواسطة ضابط مكاني فيعتمد الضابط ذاته في تركيز الاختصاص كضابط موقع المال بواسطته نطبق قانون موقع المال اما اذا كان الاسناد عير الارادة فعن طريقها نستدل عن قانون الارادة وهو القانون المتفق عليه بين الاطراف.

 

اما اذا كانت قواعد الاسناد الداخلية ترفض الاختصاص المسند قانونها لحساب قانون اخر فهنا تحصل  احالة وهي مرفوض العمل بها في ظل موقف المشرع العراقي وباقي التشريعات العربية . ([2])

 


المبحث الثالث

 

نطاق تطبيق قواعد تنازع القوانين

 

 

تعمل قواعد تنازع القوانين (قواعد الاسناد) في العلاقات ذات البعد الدولي و الواقعة في محيط القانون الخاص في الغالب  وهذه العلاقات تظهر باوضاع متنوعة يمكن تصنيفها الى خمسة فئات هي :

 

1-     علاقات مسائل الاحوال الشخصية.

 

2-     علاقات مسائل الاحوال العينية.

 

3-     علاقات مسائل الالتزامات العقدية

 

4-     علاقات مسائل الالتزامات الغير عقدية.

 

5-     علاقات مسائل الشكل.

 

وكل  مجموعة من هذه العلاقات تتضمن فئات من العلاقات الفرعية فالعلاقات المتعلقة بالاشخاص تصنف لحساب مسائل الاحوال الشخصية و العلاقات التي موضوعها الاموال تصنف لحساب مسائل الاحوال العينية و العلاقات التي موضوعها العقود تصنف لحساب مسائل الالتزامات العقدية و العلاقات التي موضوعها افعال وتصرفات مادية تصنف لحساب مسائل الالتزامات الغير عقدية اما العلاقات التي ترتبط بالشكل تصنف على اساس انها من مسائل الشكل.

 

ويختلف عمل قواعد الاسناد بين هذه المسائل كما يختلف عمل تلك القواعد بين العلاقات التي تنتمي الى كل نوع داخل كل مسالة من هذه المسائل، و لبيان عمل قواعد الاسناد كان لابد من استعراض كل مسالة من المسائل المتقدمة والتي تشكل علاقتها موضوع لتنازع القوانين من خلال خمسة مطالب:-

 

 

 

المطلب الأول

 

مسائل الأحوال الشخصية

 

 

هذه المسائل تتعلق بالحالة القانونية للشخص وهي مجموعة العناصر القانونية الواقعية التي تميز الإنسان عن غيره وتحدد علاقته باسرته ودولته ويرتب عليها القانون اثراً في حياته القانونية ([3]) فهي تحدد المركز القانوني للشخص في المجتمع

 

وتقصر بعض القوانين مسائل الاحوال الشخصية على الحالة والاهلية والزواج بينما قوانين اخرى توسع من هذا الأحوال وتجعلها تمتد على الحالة و الاهلية والزواج والطلاق و البنوة والنسب والوصية و الميراث وهذا هو موقف المشرع العراقي في قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 وتعديلاته النافذ وكذلك باقي التشريعات العربية([4]).

 

وتختلف دول العالم حول القانون الواجب التطبيق في هذه المسائل بين اتجاهين الاول تمثله الاقلية من الدول والتي تاخذ بالنظام الانكلوسكسوني ومنها بريطانيا وامريكا وايرلندا و الدنمارك وبعض دول امريكا اللاتينية التي تقرر الاختصاص في هذه المسائل لحساب قانون الموطن أي قانون الدولة التي يتخذها الشخص موطنا له وهو مقر الاعمال بحسب التصوير الحكمي ومحل الاقامة بحسب التصوير الحقيقي ويبرر هذا الاتجاه وجهة نظره على ان التقليد التاريخي و العرف استقر على تقديس علاقة الانسان بالارض، والموطن يجعل للانسان  الصلة الاقوى بالدولة من أي صلة اخرى ،اضافة الى ان تطبيق قانون الموطن فيه مصلحة للفرد و الغير و الدولة. فمن ناحية الفرد سيعلم مسبقا ان الذي يحكمه هو قانون المكان الذي يقيم فيه  اويمارس اعماله، اضافة الى سهولة العلم به من ناحية الغير ذلك لان الموطن قائم على واقعة مادية يسهل التعرف عليها، كما ان اعتماد قانون الموطن فيه وحدة القانون الواجب التطبيق على علاقات الاحوال الشخصية التي اطرافها وطنيين ام اجانب ام علاقات مختلطة من وطنيين واجانب .فقاضي  النزاع سيطبق قانون واحد عليهم في الغالب الا وهو قانون الموطن وغالبا ما يكون قانونه الوطني وهذا ما يوفر عليه الجهد والوقت في البحث و التحري عن قانون اخر مثل قانون الجنسية  تجنباً  لاختلاف القانون الواجب التطبيق على العلاقة بختلاف جنسية الاطراف حيث سيطبق قانون الموطن سواء اتحدت ام اختلفت جنسية الاطراف([5]).

 

اما الاتجاه الثاني وهم الاكثرية وتمثله الدول التي تاخذ بالنظام اللاتيني ومنها فرنسا والمانيا وايطاليا وجميع الدول العربية ومنها العراق . حيث يخضع علاقات الاحوال الشخصية لقانون الجنسية ويقوم هذا الاتجاه على مبررات منها ان قانون الجنسية قانون الوسط الاجتماعي للشخص الذي يعكس اخلاقة وعاداته وثقافته وطبائعه وقيمه ومن ثم هذا القانون سيكون اقرب قانون للشخص من اي قانون اخر فضلا عن ان الشخص بموجب هذا الاتجاه واحد لا يتعدد ولا  ينعدم فيقتضي ان ياخذ نفس  الحكم القانون الذي يحكمه وبذلك سوف لا تتغير حالة الانسان باختلاف مكان اقامته وموطنه ذلك لان قانون الجنسية سيحكم احواله الشخصية في داخل الدولة وخارجها لصفة الاستمرار التي يتصف بها قانون الجنسية والتي تتغلب على صفة  العموم مما يجعله قانون متحرك مع الشخص يخضع له  بالنسبة لعلاقات احواله الشخصية ،اضافة الى ان الجنسية رابطة تمتاز بالاستقرار من خلال صعوبة تغييرها لانها تحتاج التي اجراءات  فنية وسهولة اثباتها لانها تقوم على وثائق مادية، في حين الموطن يسهل تغييره بمجرد تغيير الاقامة كما يصعب اثباته ،وللاعتبارات اعلاه يرجح هذا الاتجاه اعتماد قانون الجنسية بوصفه القانون الواجب التطبيق في مسائل الاحوال الشخصية ومنها الاهلية والزواج و الطلاق وغيرها وعليه سنبحث الموضوع من خلال خمسة فروع:-

 

الفرع الأول

 

اشكاليات تطبيق قانون الجنسية

 

 

رغم الاعتبارات  التي يقوم عليها الاتجاه الثاني ،الا ان قاضي النزاع قد يواجه في ظل تطبيقه بعض الصعوبات التي تتعلق بضابط الجنسية ذاته لا بالقانون المسند اليه الاختصاص ، وهي تتمثل بتعدد الجنسية وانعدامها وتغيرها . الا ان الفقه ومن ثم التشريع وضع حلول لكل منها وعليه سنبحث الموضوع  من خلال ثلاثة محاور .

 

 

 

 

اولا:-تعدد الجنسية

 

 

بغض النظر عن اسباب التعدد التي ذكرناها في موضوع الجنسية ومسائل معالجتها السالفة الذكر فان اعتماد الجنسية ضابطا لتحديد الاختصاص التشريعي في مسائل الاحوال الشخصية وتقرر اختصاص قانون الجنسية لحكمها يثير التساؤل حول الجنسية المعتمدة من بين الجنسيات المتعددة للشخص هل هي جنسية قاضي النزاع ام جنسية اخرى.

 

تختلف الاجابة عن هذا التساؤل بين فرضين الاول اذا كان الشخص المتعدد الجنسيات طرف لنزاع في علاقة مسائل الاحوال الشخصية امام قاضي عراقي ،ويحمل من بين الجنسيات المتعددة الجنسية العراقية. فعلى القاضي ان يعتمد جنسيته ويطبق قانونه الوطني في كل مسالة من مسائل الاحوال الشخصية ومنها الاهلية والزواج وقد اكدت هذا الحكم جميع التشريعات العربية ومنها التشريع العراقي في المادة (33/2)مدني  التي نصت على (في حالة الاشخاص الذين تثبت لهم بالنسبة للعراق الجنسية العراقية وبالنسبة للدول اجنبية جنسية تلك الدول فالمحكمة تطبق القانون العراقي وحده )كما اشارت الى ذلك المادة(10/3) من قانون الجنسية العراقية النافذ وهذا الحكم يقوم على اعتبار ان الجنسية مسالة ترتبط بالسيادة وعلى قاضي النزاع اذا كانت جنسيته من بين الجنسيات المتعددة ان يختارها ويطبق قانونها بوصفها المرجحة على باقي الجنسية لانها اقرب جنسية اليه.

 

اما الفرض الثاني اذا لم تكون جنسية قاضي النزاع من بين الجنسيات المتعددة بالنسبة لشخص طرف في علاقة من مسائل الاحوال الشخصية فهنا لا يملك القاضي حق ترجيح جنسيته، ومن ثم قانونه كونها لم تكن حاضرة من بين الجنسيات، واستنادا لمبدا تكافؤ السيادات لا يملك ترجيح احداها على الاخرى الا اذا كانت تلك الجنسية يرتبط بها الشخص اكثر من غيرها وتشير الوقائع و الظروف السياسية و الاجتماعية والاقتصادية الى هذا الارتباط كزواجه في دولتها او اشتراكه في الانتخابات فيها او ممارسته لبعض الوظائف واداء الضرائب والخدمة العسكرية وغيرها من الظروف التي تكشف عن ذلك الارتباط والجنسية التي تفيد هذه الدلائل تاخذ وصف يصطلح عليه بالجنسية الفعلية او الواقعية يكون لها التفوق و الهيمنة على باقي الجنسيات وعلى قاضي النزاع ان يطبق قانونها للاعتبارات اعلاه ويدعو بعض الفقهاء الى اعتماد قانون الجنسية الفعلية حتى في ظل الفرض الاول نظرا لما يحققه هذا المبدا من فوائد عملية اهمها تحقيق العدالة والكشف عن القانون الاكثر صلة بالعلاقة والملائم لها كما يحقق حل عالمي للمسالة وقد اخذت بحكم الفرض الثاني جميع التشريعات العربية ومنها التشريع العراقي في المادة (33/1) مدني  التي نصت على (تعين المحكمة القانون الذي يجب تطبيقه في حالة الاشخاص الذين لا تعرف لهم جنسية او تثبت لهم جنسيات متعددة في وقت واحد)

 

 

 

 

 

ثانيا:-انعدام الجنسية

 

 

ان انعدام الجنسية يفضي إلى غياب لاي رابطة معلومة للشخص بدولة معينة ،ويشبه البعض كما ذكرنا هذا الشخص كسفينة تمضي في عرض البحر بلا علم   فهو شخص بلا وطن، وعليه فان نظامه القانوني مجهول وتاخذ نفس الحكم الاثار المترتبة على الانعدام وعليه فان المسائل المتعلقة بالحالة الشخصية لعديم الجنسية مجهولة النظام القانوني ابتداءا الا ان الفقه و القضاء والتشريع يميل الى حل هذه الاشكالية عبر اعتماد ضابط اسناد احتياطي بديل عن ضابط الاسناد الاصلي الجنسية الا وهو الموطن . أي ان الضابط البديل عند انعدام جنسية الانسان هو الموطن واذا لم يكن للشخص موطن معلوم فيصار الى اعتماد محل اقامته وفي ظل انعدام الاخير يطبق القاضي قانونه الوطني بوصفة صاحب الاختصاص الاحتياطي وهذا يعني مثلما تحل اشكالية تعدد الجنسية عبر الية جنسية قاضي النزاع او الجنسية الفعلية فان اشكالية انعدام جنسيته تحل عبر الية جنسية الدولة المفترضة التي تاخذ ثلاثة صيغ هي اما دولة الموطن او دولة محل الاقامة او دولة قاضي النزاع وهذه الصيغ تطبق على سبيل التدرج لا الاختيار، أي اذا حضر الموطن لا يصار الى محل الاقامة ،وهكذا واعتمدت هذا الحل جميع التشريعات العربية ومنها التشريع العراقي في المادة (33/1) من القانون المدني التي اكدت على  (تعيين المحكمة القانون الذي يجب تطبيقه في حالة الاشخاص الذين لاتعرف لهم جنسية...) وهذا يعني مثلما منح القاضي العراقي سلطة تعيين القانون الذي يجب تطبيقه في ظل تعدد الجنسية في الفرض الثاني السالف الذكر باعتماد الجنسية الفعلية بوصفه مبدا تمليه المبادئ العامة في القانون الدولي الخاص الاكثر شيوعا بحسب المادة (30) من القانون المدني العراقي ،فكذلك يكون للمحكمة نفس السلطة في تعيين القانون الذي يجب تطبيقه في ظل انعدام جنسية الشخص، وهذا يعني ان كل شخص في ظل تعدد جنسيته ام انعدامها تفترض ان له جنسية واحدة هي اما جنسية قاضي النزاع، او الجنسية الفعلية ،او الجنسية المفترضة بحسب كل حالة وعلى ضوء ما تقدم.

 

 

 

 

 

 

ثالثا:-تغيير الجنسية

 

 

مثلما يحصل تعدد الجنسيات وانعدامها كذلك يمكن ان يحصل تغييرها بفعل فقدانها او على اثر اكتساب غيرها والتخلي عنها مما يؤثر ذلك على العلاقات المتعلقة بحالة الشخص خاصة تلك التي تمتاز بالاستمرار مثل الزواج فقد يحصل ان يتزوج عراقي من عراقية في العراق ثم يسافر الزوج الى بريطانيا وهناك يكتسب الجنسية البريطانية ويتخلى عن الجنسية العراقية وهنا فستتغير الجنسية الأخيرة بفقدانها بحسب المادة (10/1) من قانون الجنسية النافذ فاذا أراد ان يطلق زوجته امام القضاء العراقي فهل تعتمد جنسية السابقة وقت الزواج ام جنسيته اللاحقة عند الطلاق يصطلح على هذه الحالة بالتنازع المتحرك وبالرجوع الى احكام تنازع القوانين وبشكل خاص قواعد الاسناد في القانون المدني العراقي وبالتحديد قاعدة الاسناد الخاصة بالطلاق الواردة في المادة (19/3) التي تنص على (يسري على الطلاق و التطليق الانفصال قانون الزوج وقت الطلاق او وقت رفع الدعوى) يتبين ان على القاضي العراقي تطبيق القانون البريطاني بحسب المثال اعلاه الا ان بعض التشريعات لم تحدد وقت العمل بقانون الجنسية كما سنلاحظ في حينها  ،الا ان التشريع العراقي وكذلك التشريعات العربية التي اعتمدت الجنسية ضابطا في تحديد القانون الواجب التطبيق في مسائل الاحوال الشخصية حددت وقت العمل بقانون الجنسية في بعض مسائل الاحوال الشخصية ومنها الزواج واثار الزواج و الوصية والميراث ففي اطار الزواج وخاصة الشروط الموضوعية اعتمد قانون جنسية الزوجين وقت الزواج فلا يتغير اختصاص هذا القانون بفعل تغيير جنسية الزوجين لاحقا المادة (19/1)مدني  كما اعتمد قانون جنسية الزوج وقت الزواج في اثار الزواج المادة (19/2)مدني  واعتمد في الطلاق قانون جنسية الزوج وقت الطلاق المادة (19/3)مدني  اما في موضوع الوصية حيث اعتمد بالنسبة لنفاذ الوصية قانون جنسية الموصي وقت الوفاة المادة (23)مدني ولانتقال ملكية التركة وترتب اثار الميراث قانون جنسية المورث وقت وفاته المادة (22) مدني .

 

في حين لم يضبط المشرع العراقي وباقي التشريعات العربية وقت العمل بقانون الجنسية لحكم الاهلية والفقه الغالب يرى اعتماد قانون الجنسية يختلف بين فرضين الفرض الاول اذا كانت الاهلية شرط من شروط اجراء التصرف او وجوب الحق  فيطبق قانون الجنسية وقت اجراء التصرف او وجوب الحق، وان أي تغيير في الجنسية  بعد ذلك لا يؤثر في صحة التصرف طالما تم اجرائه شخص كامل الاهلية بموجب قانون يقر له ذلك. اما الفرض الثاني اذا تم التعامل  مع الاهلية كصفة في الشخص فتخضع هنا لقانون جنسيته وقت الاحتجاج بتلك الصفة([6]). في حين لم يوضح المشرع العراقي في المادة (18/1)  مدني هذه التفاصيل وكذلك التشريعات العربية كما لم يحدد المشرع العراقي وقت العمل بقانون جنسية الاب بالنسبة لاثار البنوة في المادة (19/4) مدني  وكذلك لم يحدد المشرع العراقي وقت العمل بقانون جنسية من تجب حمايته عن طريق الولاية والوصاية و القوامة في المادة (20) مدني  كما لم يحدد وقت الاعتداد بقانون جنسية المدين بالنسبة للنفقة في المادة (21)مدني   الا ان الفقه فرق  بين النفقة التي تترتب على الطلاق حيث تعامل معها كاثر من اثار الطلاق ،وبالتالي تخضع لقانون جنسية الزوج وقت الطلاق وبين النفقة التي تكون للابناء على الاب حيث تخضع لقانون جنسية الاب وفي هذه الحالة لم يحدد كما ذكرنا وقت الاعتداد بقانون جنسية الاب الا ان الراي الراجح يذهب الى اعتماد وقت الميلاد اما اذا كانت النفقة مترتبة على الابن اتجاه الاب فهنا المدين بالنفقة وهو الابن فيسرى قانون جسنية الابن وقت وجوب النفقة، ولم يحدد المشرع العراقي هذه التفاصيل انما تركها لتقدير الفقه القضائي عن طريق تقدير المحكمة في ظروف كل حالة.

 

 

 



[1] .دعزالدين عبد الله _القانون الدولي الخاص _تنازع القوانين ,تنازع الاختصاص القضائي الدولي _الجزءالثاني _الطبعة السادسة _دار النهضة العربية _القاهرة _1969_185_186

 

.المادة (27) مدني مصر  ي والمادة(28)مدني اردني والمادة(72)من قانون تنظيم العلاقات ذات العنصر الاجنبي رقم (5)الكويتي [2]

 

[3] .د.حسن الهداوي ودغالب الداوي _مصدر  السابق _ص

 

[4]- حيث جاء  في المذكرة الايضاحية للقانون المدني الاردني تفسير الاحوال الشخصية في المادة (12) تعين الفقرة الاولى من هذه المادة القانون الواجب تطبيقه فيما يتعلق بحالتم واهليتهم وتعني بالحالة جملة الصفات التي تحدد مركز الشخص من الواقع كالسن و الجنس او على اساس القانون كالزواج   و اشار الى ذلك د. غالب الداودي ، القانون الدولي الخاص ، ط1، ، عمان ، الاردن ، 1996 ، ص131.

[5] .د.عبدالرسول عبدالرضا  _الجنسية والعلاقات الدولية _الطبعة الاولى _منشورات زين الحقوقية _بيروت _لبنان_2010_ص24

 

[6].دمنصور مصطفى منصور _القانون الدولي الخاص_تنازع القوانين _دار المعارف بمصر _1956_90


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .