انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الفصل الرابع تنازع القوانين المبحث الاول ( التعريف بالتنازع مقومات التنازع )

الكلية كلية القانون     القسم قسم القانون الخاص     المرحلة 4
أستاذ المادة عبد الرسول عبد الرضا جابر شوكة       5/25/2011 9:06:26 AM

 

 

 

الفصل الرابع

 

التنازع الدولي للقوانين

 

 

                                  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 تمهيد

 

 

       يتوزع الافراد على شكل وحدات سياسية قانونية يصطلح عليها بالدول والاخيرة  بدورها تفترض وجود القوانين، فيكون لكل دولة قانون له نفوذ يتحدد سريانه بحدود الدولة الاقليمية ويملك اختصاص في مواجهة اشخاص معينيين وهم الوطنيين، وبذلك تتعدد القوانين بتعدد الدول، وكل قانون يملك مساحة من النفوذ و الاختصاص تنتهي حيث تبدا مساحة نفوذ واختصاص قانون اخر ، ومقابل ذلك يمكن ان يتجاوز القانون في نفوذه واختصاصه مساحته فيمتد على مساحة قانون اخر في مناسبات تتمثل بحركة الاشخاص و الاموال بين منطقة نفوذ قانونين او اكثر فيحتفظ كل منهما بصلة  بالعلاقات القانونية التي تنشا  باثر تلك الحركة، وهو ما يفضي الى تداخل اختصاص ونفوذ هذه القوانين  بمناسبة تلك العلاقات ، ويترتب عن ذلك  مايصطلح عليها في فقه القانون الدولي الخاص (بتنازع القوانين) وهو من اهم موضوعات القانون الدولي الخاص، ويثير هذا الموضوع  تزاحم وتداخل عدة قوانين تتجاذب حكم العلاقة  ، لتعدد انتماءات العلاقة بهذه القوانين  ،ويعتمد في حل هذا التنازع قواعد ذات مصدر عرفي او قضائي  تحولت فيما بعد الى قواعد تشريعية تختلف الية تطبيقها بحسب موضوعها ، كما ان بعضها يحل النزاع بشكل غير مباشر والبعض الاخر بشكل مباشر ،وقد نظمت اغلب التشريعات العربية بعض هذه القواعد ومنها التشريع العراقي في القانون المدني، في حين  نظمتها الكثير من  التشريعات الاجنبية في  مجموعة تشريعة مستقلة  تقع تحت عنوان القانون الدولي الخاص ومنها سوسراوالمانياوالمجر  ,علما ان تطبيق هذه القواعد  من قبل قاضي النزاع تعترضه  عدة مشكلات.

 

في ضوء ما تقدم يمكن ان نطرح عدة تساؤلات وهي على النحو الاتي :-

 

 اولا:- ماهو  المقصود بتنازع القوانين وشروطه ، نطاقه؟ وثانيا:-  وما هي قواعد حل تنازع القوانين والية عملها ؟ وثالثا:- ماهي المشكلات التي تصادف اعمال قواعد تنازع القوانين. هذه التساؤلات وغيرها  سنحاول الاجابة عليها من خلال خمسة مباحث سنبحث في الاول التعريف بتنازع القوانين .. وفي الثاني قواعد حل تنازع القوانين وفي الثالث نطاق تطبيق قواعد تنازع القوانين وفي الرابع حالات تعطيل قواعد تنازع القوانين  اما المبحث الخامس فسنخصصه لبحث  تطبيق القاضي الوطني  للقانون الاجنبي.

 


المبحث الاول

 

التعريف بتنازع القوانين

 

ان التعريف  بتنازع القوانين يقتضي الوقوف على معنى  التنازع ومقوماته  وهو ما سنعرضه من خلال مطلبين :-

 

المطلب الاول

 

معنى تنازع القوانين

 

لقد طرح مصطلح تنازع القوانين الفقيه الهولندي هوبر وتعود بدايات هذا الموضوع الى منتصف القرن الثالث عشرالميلادي ، وذلك في مدن شمال ايطاليا حيث تظافرت ثلاثة عوامل، وهي العامل السياسي حيث كانت هذه المدن تتمتع باستقلال نسبي، وعامل قانوني وجود اختلاف بين قوانين هذه المدن، وعامل اقتصادي يتمثل بازدهار التجارة بين افراد هذه المدن مما افضى ذلك الى نشوء علاقات قانونية متنوعة اثير جدل بشان القانون الذي يحكمها  مما طرح باثر ذلك التداخل بين ولايات هذه القوانين بمناسبة علاقات تخص اشخاص تابعين لمدنها. ويذهب البعض الى ان مصطلح تنازع القوانين لا يفيد المعنى المقصود فليس هناك ثمة تنازع بين القوانين لان التنازع يفترض المساواة في السيادة وهي منتفية حيث تكون السيادة للقانون الوطني في الاراضي الوطنية على حساب القانون الاجنبي وبذلك يكون التنازع عبارة عن مفاضلة يجيرها المشرع الوطني عبر قواعد التنازع لاختيار افضل القوانين لحكم العلاقة وهذه المفاضلة تقضي التضحية باحد القوانين لحساب قوانين اخرى هي اكثر ملائمة لحكم العلاقة ،و تحقيقا للعدالة  ،وتتوافق مع توقعات الافراد فتنازع القوانين هو مصطلح مجازي افتراضي.

 

لذا ظهرت في ضوء ذلك عدة اصطلاحات بديلة عن التنازع فالفقهاء الانكليز طرحوا مصطلح اختيار القوانين أي المفاضلة بين القوانين لاختيارافضلها لحكم العلاقة و الفقهاء الهولنديون طرحوا مصطلح تسابق القوانين وهناك من اطلق اصطلاح تنازع الاختصاص تشريعي وتنازع القوانين من حيث المكان تميزا له عن تنازع القوانين من حيث الزمان[1] وهناك من اطلق مصطلح تلاقي القوانين([2]) الا ان التسمية الغالبة في الاستعمال و التداول هي تنازع القوانين ، بل ان الفقه الانكلوسكسوني يجد في هذا المصطلح رديف لمصطلح القانون الدولي الخاص.

 

 

      ووفقا لما تقدم يعني التنازع  ,تزاحم واختلاف قانون دولتين او اكثر بمناسبة علاقة قانونية تنتمي بعنصر او اكثر من عناصرها بهذه الدول وعلى نحو ينتهي التنازع الى اما ان يتوزع الاختصاص التشريعي بين القوانين المتنازعة او ينحصر باحدها بحسب طبيعة العلاقة المثار  بشانها التنازع وعلى نحو ما سنلاحظ.

 

ونعتقد ان الاصطلاح الاوفق للموضوع  هو تناسق القوانين لان النتيجة النهائية لتراكم اكثر من قانون لحكم علاقة ما بفعل اتصالهاماهي الا تحديد نسبة او حصة اختصاص كل منها،اي تحديد نطاق تطبيق كل قانون في العلاقة نسبة لباقي القوانين فاذا كان الوضع يقضي بتطبيق قانونين مثلا فهذا يعني ان الحل يحقق تناسق تطبيق كل منها، وبالتالي يملك كل منهم مساحة من التطبيق لا يتجاوز فيها مساحة تطبيق القانون الاخر، ويتولى المشرع الوطني مع مراعاة مبدا المعاملة بالمثل واحترام مبدا التعايش بين الانظمة القانونية رسم حدود مساحة اختصاصه القانوني نسبة لباقي القوانين .

 

     وقد فضل المشرع العراقي استعمال مصطلح تنازع القوانين وذلك في المادة (30) من القانون المدني رقم 40لسنة1951 والتي نصت على ( يتبع في كل ما لم يرد بشانه نص خاص من احوال تنازع القوانين السابقة مبادئ القانون الدولي الخاص الاكثر شيوعا) كما كان هذا موقف جميع التشريعات العربية.

 


المطلب الثاني

 

مقومات تنازع القوانين

 

      لما كان  تنازع اوتناسق القوانين يقوم بمقومات بعضها تتعلق بالعلاقة موضوع التنازع و الاخرى تتعلق بالقوانين المتنازعة فيمكن ان نوضحها من خلال خمسة  فروع .

 

الفرع الاول

 

الصفة الاجنبية للعلاقة القانونية

 

ان اتصال العلاقة القانونية بقانون دولتين كحد ادنى هو العامل الاول في تحريك التنازع وتحصل الية الاتصال بعد ان نعرف ان أي علاقة([3]) تتكون من ثلاثة عناصر هي :

 

1- عنصر الاشخاص وهم اطراف العلاقة وهؤلاء تتغير صفتهم حسب طبيعة العلاقة، ففي عقد البيع البائع و المشتري، وفي الدين الدائن و المدين ،وفي الميراث الوارث و الموروث وهكذا في باقي العلاقات.

 

2- عنصر الموضوع وهو محل العلاقة  و يختلف بحسب طبيعة العلاقة فيكون  المبيع في عقد البيع، و التركة في الميراث ،و الماجور في عقد الايجار.

 

3- عنصر السبب وهو مصدر نشوء العلاقة فالسبب في  الميراث يتمثل في الوفاة، وفي الدين يمكن ان يكون العقد اوالواقعة كالفعل النافع او الضار.

 

فاذا اتصلت العلاقة القانونية بجميع هذه العناصر بدولة واحدة فانها تكون وطنية وبالتالي تخضع بشكل خالص لحكم القانون الوطني مثال ذلك كما لو باع عراقي الى عراقي اخر عقار كائن في العراق وابرام العقد في العراق فان عقد البيع سيخضع هنا لحكم القانون العراقي في جميع عناصرها  اما اذا اتصلت العلاقة بدولتين او اكثر عن طريق عناصرها فسيتوزع على حكمها اكثر من قانون وتكون هي موضوع التنازع ،ويكفي وفقا للمعيار القانوني([4])ان تتصف العلاقة بالصفة الاجنبية من خلال عنصر واحد كما لو باع عراقي الى فرنسي عقار كائن في العراق وابرام العقد في العراق فهنا تكون الصفة الاجنبية للبيع دخلت من خلال عنصر الاشخاص متمثل بجنسية  المشتري دون عنصر الموضوع و السبب كما يمكن ان تتخلل العلاقة الصفة الاجنبية من جميع عناصرها كما لو تزوج عراقي من فرنسية في المانيا واثير نزاع بشأنه و الطلاق امام قاضي مصري فهنا دخلت الصفة الاجنبية للعلاقة وفقا لقانون القاضي (المصري) من خلال ثلاثة منافذ هو عنصر الاشخاص(اختلاف جنسية الزوج و الزوجة)،وعنصرالموضوع الصفة الاجنبية للزوجة الفرنسية بالنسبة للقانون المصري ،وعنصر السبب ابرام العقد في دولة اجنبية وهي المانيا، وبذلك سوف توصف العلاقة في الوضع الاخير سواء دخلت الصفة الاجنبية من خلال عنصر واحد او ثلاثة عناصر بانها علاقة ممتدة دوليا أي علاقة ذات عنصر اجنبي،يصطلح البعض عليها بالعلاقة المختلط أي التي يختلط في حكمها مجموعة قوانين ويمكن تشبيه العلاقة الوطنية و الدولية بان الاولى تشبه الملكية المفرزة حيث تكون عائديتها لمالك واحد يتمثل بالقانون الوطني اما الثانية تشبه الملكية الشائعة و الموزعة ملكيتها بين عدة شركاء كل منهم يملك نصيب فيها وتتفاوت حقوقهم بحسب نسبة حصة كل منهم فيها وهذا هو وضع العلاقة الدولية حيث  تتداخل عدة قوانين لحكمها طالما كانت متصل بكل منها ،وتتفاوت ولاية كل قانون بحسب درجة اتصال العلاقة فكلما  احتفظت العلاقة بعدد اكثر من عناصر  الاتصال بقانون كلما كان ذلك القانون هو الاكثر مساحة في حكمها من غيره مثال ذلك كما لو تزوج عراقي من فرنسية في العراق واثير النزاع المتعلق بالطلاق امام قاضي عراقي فهنا تتصل العلاقة بالقانون العراقي بعناصر اتصال (الاشخاص و السبب) اكثر من اتصالها بالقانون الفرنسي عنصر (الموضوع) فيكون الاول هو الاكثراتصالا بالعلاقة ومن ثم اكثر مساحة في الحكم من القوانين الاخرى([5])

 


الفرع الثاني

 

الصفة الخاصة للعلاقة القانونية

 

   لا تكفي الصفة الدولية للعلاقة  لتحريك التنازع او التناسق انما لابد من ان تتصف العلاقة بالصفة الخاصة أي ان تكون متعلقة بالقانون الخاص لا بالقانون العام و تتمثل  علاقات القانون الخاص بالعلاقات ذات الصلة بالقانون المدني او بالقانون التجاري او بقانون الاحوال الشخصية ،كما يمكن ان تكون ذات صلة بالقانون الجنائي طالما كانت اثارها تنصرف الى موضوع يتعلق  بالقانون الخاص مثل التعويض في المسائل الجزائية وهذا يعني ان التنازع و التناسق يحصل بين القوانين الخاصة لا القوانين العامة وهذا هو الاصل ذلك لان القوانين الخاصة موضوعة لحماية الحقوق و المصالح الشخصية المتعلقة بالافراد فيفترض استمرار حمايتهم سواء كانوا داخل الدولة ام خارجها. ذلك لان حركة الاشخاص عبر الحدود تفترض حركة القوانين الخاصة بهم لاستمرار حمايتها لهم وبذلك يتحقق الغرض منها عن طريق تغليب  صفة الاستمرار على العموم على حد تعبير الفقيه الفرنسي بيلية لذا فزواج عراقي من عراقية امام القاضي الاردني يكون محكوم بالقانون العراقي لان العلاقة متصفة بالصفة الخاصة وهي من مسائل الاحوال الشخصية كما ياخذ القانون الحاكم لها نفس الصفة فيكون خاص وتستمر  تتحرك القوانين مع اطرافها طالما انهم على الجنسية العراقية عند ابرام الزواج وهذا الحكم ينسحب على العلاقات التي تدخل في محيط القانونين المدني والتجاري كما ان اغلب قواعدها غير متعلقة بالنظام العام ومقابل ذلك لا يحصل التنازع بين القوانين العامة وذلك لانها تهدف الى حماية سيادة الدولة و الحقوق المتعلقة بها فهي قوانين تغادر الوطنين عند الحدود ولا تتجاوزها ويكون تطبيقها محدود بالحدود الاقليمية للدولة لانها تتعلق  بسيادة الدولة التي اصدارتها فلا يمكن ان تطبق على اراضي غير الاراضي الوطنية لان في ذلك تجاوز على سيادة القوانين العامة الاجنبية اضافة الى ذلك انها متعلقة بالاقليم فتكون ثابتة ومحدودة التطبيق وفيها تتفوق صفة العموم على الاستمرار فتكون عامة أي تسري على جميع الاشخاص في الاقليم سواء اكانوا وطنيين ام اجانب في جميع العلاقات التي يكونوا طرفا فيها فهي  قوانين غير ممتدة عبر الحدود عكس القوانين الخاصة التي  تمتاز بالامتداد وتوصف بانها محمولة مع الوطنيين اينما وجدوا فقانون العقوبات يسري على جميع الافعال التي تاخذ وصف الجريمة سواء وقعت من وطنيين ام اجانب طالما انها تؤثر على النظام الاجتماعي فهي قوانين تستهدف حماية المجتمع وتاخذ نفس الحكم القوانين المالية و الادارية و القواعد الدستورية كما ان اغلب قواعد  القانون العام متعلقة بالنظام العام، وتاخذ وصف القواعد الامره بعكس قواعد القانون الخاص التي هي في الغالب قواعد مفسرة ،وفي ضوء ماتقدم  تثار ثلاثة فروض الاول ،هو ان تطبيق القوانين العامة يمكن ان يحرك تنازع القوانين الخاصة كما لو كان قانون الدولة يعاقب على تعدد الزوجات كما هو حال القانون الفرنسي ،وادين عراقي على هذا الاساس ودفع بعدم صحة الزواج الثاني فان تطبيق قانون العقوبات الفرنسي سيحرك تنازع  قوانين خاصة معنية بشؤون الاحوال الشخصية القانونين الفرنسي و العراقي، فاذا نجح الشخص باثبات عدم صحة الزواج الثاني وهي مسالة متعلقة بالقانون الخاص  فلا يطبق قانون العقوبات الفرنسي وهوقانون عام اما اذا ثبت صحة زواجه الثاني أي لم ينجح في نفي التهمة عنه  فيعاقب.

 

اما الفرض الثاني هو امتداد بعض احكام القوانين العامة الوطنية عبر الحدود، ومنها  على سبيل المثال قانون العقوبات العراقي حيث يعاقب على الاحتيال وان ارتكب الفعل في الخارج طالما ترتب عليه ضرر في داخل العراق ، كما تمتد بعض احكام قانون العقوبات على جرائم تزوير العملة الوطنية والجرائم الماسة بامن الدولة الداخلي او الخارجي، فضلا عن ذلك يمكن ان  يجد قانون الضريبة العراقي له تطبيق عبر الحدود بمناسبة نشاط تجاري يمارس في الاردن وينجم عنه دخل في العراق ،وهو حكم باقي التشريعات العربية  اضافة الى ذلك يمكن ان تمتد بعض القوانين الاخرى مثل قانون  الانتخاب رقم 16 لسنة 2005 لتنظيم الية انتخاب العراقيين في الخارج لاعضاء مجلس النوا ب كما هو الحال عليه في ظل الانتخابات العامة لعام 2010 حيث فتحت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات مراكز اقتراع في عدة دول اجنبية وعربية.

 

اما الفرض الثالث ،وهو عكس الفرض الثاني ويتمثل  بتطبيق القوانين العامة الاجنبية على الاراضي الوطنية بسبب الصفة الوطنية التي يتمتع بها صاحب الحق كما لواكتسب  مواطن عراقي  الجنسية الفرنسية لمورث فرنسي، وعندما طالب الوارث امام القضاء العراقي بحقه في الارث دفع احد الورثة بان الوارث الاخير لم يستكمل اجراءات اكتساب الجنسية الفرنسية، فالقاضي العراقي حتى يتمكن من  تقرير استحقاق الوارث عليه التثبت  من اكتساب الوارث  الجنسية الفرنسية بوصفها مساءلة اولية ،وهو مايقتضي من القاضي العراقي  مراجعة قانون الجنسية الفرنسية وبهذا سيطبق القاضي  قانون عام اجنبي على اراضي وطنية وينسحب الحال نفسه على تنفيذ حكم اجنبي في العراق مثلا، فاذا طعن المحكوم عليه بالحكم، فما على المحكمة المختصة باصدار الامر بالتنفيذ الا ان تراجع الشروط الواجب توافرها لتتاكد من صحة  الحكم بحسب قواعد الاختصاص القضائي الدولي  في قانون  الدولة الاجنبية وهذه من قواعد القانون العام ،وكذلك الحال اذا تم الطعن بعدم دستورية قانون اجنبي امام قاضي عراقي فعلى الاخير ان يتحرى عن ذلك بحسب دستور دولة القانون الاجنبي وهذه مرة اخرى سيطبق فيها القاضي العراقي قانون عام اجنبي على ارض وطنية، ففي الحالات المتقدمة تحقق امتداد قانون عام اجنبي خارج حدوده الاقليمة من خلال تطبيقه  على اراضي دولة اخرى.

 


الفرع الثالث

 

مرونة المشرع الوطني ازاء القانون الاجنبي

 

ان التنازع او التناسق يفترض حدا ادنى وجود قانونين صادرين عن دولتين مستقلتين وهذا يعني ان التنازع الدولي لا ينصرف الى تنازع شرائع تابعة لقانون دولة  واحدة،ويمكن ان يكون القانونين اجنبيين او احدهما وطني و الاخر اجنبي وفي الحالتين فان المشرع الوطني عليه ان يبدي درجة من المرونة في التعامل مع القانون الاجنبي وذلك بالسماح للقاضي بتطبيق القانون الاجنبي ،وهذا السماح يظهر من خلال النص عليه عبر قواعد يصطلح عليها فقهً بقواعد الاسناد (قواعد تنازع القوانين) فالقواعد الاخيرة تحمل معنى الاجازة او السماح التشريعي للقاضي الوطني بتطبيق القانون الاجنبي و المفهوم المخالف لذلك ان عدم وجود هذه القواعد يعني غياب التنازع بغياب التسامح او الاجازة بتطبيق قوانين اجنبية الى جانب القوانين الوطنية على الاراضي الوطنية ، كما ان السماح التشريعي بتطبيق قوانين اجنبية يعني الانفصال او عدم التلازم ما بين المحكمة (الاختصاص القضائي) و القانون الواجب التطبيق (الاختصاص التشريعي) فيمكن ان تكون محكمة وطنية تطبق قانون اجنبي ،و هذا الحال  احد اهم اسباب ظهور التنازع الدولي للقوانين ، حيث لم يكن في السابق هذا الفصل فكانت كل محكمة وطنية تطبق قانونها الوطني ولا يمكنها ان تطبق غيره([6])
، أي كان كل من الاختصاص التشريعي و الاختصاص القضائي متلازمين لدولة واحدة ،وقد كان ذلك عندما كانت السيادة  لإقليمية القوانين المطلقة حيث يملك كل قانون مساحة نفوذ تحدد بحدود الدولة وليس له نفاذ خارج ذلك سواء كان قانون عام ام خاص ،وبذلك لم يكن هناك تسامح بين المشرعين بتطبيق قوانين غير قوانينهم الوطنية كما وان كل قانون يحكم جميع الاوضاع ،و العلاقات سواء اكان اطرافها وطنيين ام اجانب، وبالمقابل فان سيادة مبدا شخصية القوانين المطلقة هو الاخر يختفي عنده التسامح و الجواز بتطبيق القوانين الاجنبية حيث يطبق كل قانون بحسب هذا المبدا على الوطنيين في داخل الدولة وخارجها وهذا يعني ان مساحة نفوذ كل قانون هم الاشخاص الوطنيين ،وهذا يمنع خضوعهم لقوانين اخرى، وان كانوا داخل  مساحة نفوذها، وعليه  نخلص  الى ان اعتماد أي من المبداين الاقليمية او الشخصية بشكل مطلق يمنع تنازع القوانين ، ومن ثم  تناسق القوانين وهو يبين ايضا امتناع اجتماع أي من المبداين مع التنازع ،وهو من الاعتبارات التي اعتمدها القائلين بعدم وجود فكرة التنازع في اطار الشريعة الاسلامية ،ذلك لانها شريعة عالمية تطبق تطبيقا اقليميا على جميع القاطنين في حدود الدولة الاسلامية من مسلمين وغير مسلمين، كما تطبق تطبقا شخصيا على جميع المسلمين في داخل حدود الدولة الاسلامية وخارجها، فالشريعة لا تقبل مزاحمة  لها في داخل الدولة الاسلامية وخارجها، ومقابل ذلك ذهب البعض الى ان الشريعة عرفت فكرة التنازع ذلك لانها وان كانت شريعة عالمية الا انها تقر من الناحية العملية بوجود الدول(1) ،كما اقرت حكم غير المسلمين بشرائعهم في ظل اتحاد الدين و الملة، وتطبيق الشريعة  الاسلامية على غير المسلمين في ظل اختلاف دياناتهم ومللهم كما هو الحال بالنسبة لزواج مسيحي من يهودية امام قاضي مسلم حيث سيطبق الشريعة الاسلامية في حين يطبق الشريعة المسيحية اذا كان كلاهما مسيحيا من مذهب الكاثوليك([7]).

 

ومن الجدير بالذكر ان التشريعات الوطنية اعتمدت كلا المبداين الشخصية و الاقليمية بشكل نسبي أي انها اقرت بجعل السيادة للقانون الوطني في الاراضي الوطنية مع تطبيق القانون الاجنبي في العلاقات التي تتصل بالقانون الاجنبي باحد عناصرها فاعتماد مبدا الاقليمية النسبية ومبدا الشخصية النسبية من عوامل ازدهار تنازع القوانين([8]).

 


الفرع الرابع

 

اختلاف القوانين في المسائل الثانوية

 

لما كان التنازع و التناسق يتولد عن الاختلاف بين قانونين او اكثر بمناسبة علاقة متصلة بكل منهما بعنصر او اكثر، فهذا   يعني غياب الاختلاف بين القوانين غياب التنازع من الناحية العملية ذلك لوحدة الحلول ،   ويقتضي ان يكون الاختلاف في المسائل الثانوية كسن البلوغ وشروط الزواج و اسباب الطلاق و الية انتقال الملكية وبعض شروط الميراث و الوصية ويقتضي  ان لا يبلغ الاختلاف بين القوانين حد المسائل الجوهرية،ومنها التعامل في تركة انسان على قيد و موانع الزواج واسباب الدين ومثال ذلك الاختلاف بين القانون العراقي و السويسري بشان التصرف بالتركات المستقبلية وهي مسالة جوهرية كذلك الخسارة في لعبة القمار يمكن ان يترتب عليها مديونه ، وزواج مسيحي من مسلمة فيكون هناك  مانع من موانع الزواج بحسب قانون قاضي النزاع اذا كان قانون دولة تعتد بمثل هكذا مانع  ، فهذه المسائل تعد جوهرية فالاختلاف في الحكم فيها بين القانون العراقي و الاجنبي لا يترتب عليه نتيجة التنازع انما التنافر وهي تحصل عندما يتقاطع القانون الواجب التطبيق في الحكم مع قانون قاضي النزاع. حيث ينفر الاخير الاول عبر الية استبعاده باسم فكرة يصطلح عليها بالنظام العام وهذا يعني ان الاختلاف في المسائل الثانوية هو اختلاف في مسائل متعلقة بقواعد مفسرة تحرك التنازع بينما الاختلاف في المسائل الجوهرية اختلاف في مسائل متعلقة بقواعد امره لا تقبل التنازع([9])  بل التنافر و الاستبعاد فالتنازع. يحصل في المسائل الثانوية اما الاختلاف في المسائل الجوهرية لا يفضي الى التنازع انما الى التنافر.

 


الفرع الخامس

 

الصفة الدولية للتنا زع

 

ينهض التنازع بين قوانين دول مستقلة بعضها عن البعض الاخر، أي ان يمثل كل قانون سيادة تشريعية وهذا يعني ان القوانين المتنازعة يقتضي ان تكون صادرة بين دول تتمتع بالشخصية الدولية وفق قواعد القانون الدولي أي يتوافر فيها اركان الدولة من شعب واقليم وسلطة نظامية تصدر القانون وتحرص على تطبيقه وبذلك ياخذ التنازع وصف التنازع الدولي فالصفة الدولية تاتي من خلال القوانين الصادرة عن دول مستقلة بعضها عن البعض وبذلك يخرج عن هذا المفهوم التنازع بين قوانين دويلات تابعة لدولة واحدة تتعدد فيها القوانين تعددا اقليميا مثل الولايات المتحدة او تعدد تعددا شخصيا مثل لبنان ومصر فهذا التنازع ياخذ وصف التنازع الداخلي ومن الجدير بالذكر ان الفقه الانكلوسكسوني متمثلا في بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية ساوى بين التنازع الداخلي والتنازع الدولي في الحلول. كما لا يتصف التنازع بالصفة الدولية التنازع بين قانون دولة وقانون احد مستعمراتها و الذي يصطلح عليه بالتنازع الاستعماري كما كان عليه حال القانون الفرنسي و القانون الجزائري ابان خضوع الجزائر للاحتلال الفرنسي وياخذ نفس الحكم التنازع بسبب الضم الذي يثار بين قانون الدولة الضامة وقانون الدولة المضمومة كالتنازع بين القانون الالماني وقانون الالزاس و اللورين بعد ضمها الى المانيا. 

 

ويمكن ان تتوافر الصفة الدولية في نوع من التنازع يصطلح عليه بالتنازع المشترك كالتنازع بين قوانين الاتحاد الاوربي فهو يقف وسط بين التنازع الدولي لانه يقوم بين قوانين دول مستقلة و التنازع الداخلي لانه يقوم بين قوانين دولة في مسائل مشتركة بينها.

 

واذا كان التنازع مقصود الدراسة هو التنازع الدولي بين قوانين دول مستقلة بعضها عن البعض الاخر فهل يقتضي ذلك ان تكون هذه الدول معترف بها حتى يقبل تنازع قوانينها مثال ذلك هل يمكن ان يتنازع القانون الاسرائيلي مع القانون السوري في حين لم تعترف سوريا باسرائيل اجاب الفقه عن ذلك باتجاهين الاول يذهب الى القول ان التنازع يقوم بين قوانين دول معترف بها أي حتى يطبق قاضي النزاع قانون دولة يقتضي ان تكون الاخيرة  معترف بها من قبل دولة قاضي النزاع ويستند هذا الاتجاه الى احد السوابق القضائية التي تتمثل بحكم محكمة ايكس ان بروفس في 23 كانون ثاني عام 1925 الذي قضى برفض تطبيق القانون الروسي وذلك لعدم اعتراف فرنسا بالحكومة السوفتية انذاك([10]).

 

ومقابل ذلك ذهب اتجاه اخر الى ان عدم الاعتراف بقانون دولة ما غير مانع  من التنازع، فيمكن ان تطبق المحكمة قانون دولة لم تعترف بها دولتها
، لان حل تنازع القوانين يستهدف تنظيم تطبيق قانون الدول الاطراف في النزاع لا تنظيم العلاقة فيما بينها ، فالاعتراف اجراء سياسي لا تاثير له في هذا المجال، ونعتقد ان الاتجاه الثاني هو الاقرب للصواب طالما امكن التسلم ببعض الاعراف و العادات القبلية من قبل جانب من  الفقه، فمن باب اولى التسليم بالقواعد التي تاخذ وصف القانون طالما انها صادرة عن سلطة اقليمية نظاميه على حد تعبير الفقيه بارتن([11])، اضافة الى ان تطبيق قانون دولة لم يعترف بها من قبل قاضي النزاع فيه حماية للحقوق المكتسبة التي حصل عليها الافراد في ذلك القانون وبعكس ذلك ستفوت منفعتهم من تلك الحقوق وتحقيق مصلحة المدين بسب تلك الحقوق .

 




[1] - دحسن الهداوي ود.غالب الداودي – القانون الدولي الخاص – تنازع القوانين وتنازع الاختصاص القضائي الدولي وتنفيذ الاحكام الاجنبية -  القسم الثاني – مطابع مديرية دار الكتب للنشر والتوزيع  - الموصل  – 1988 – ص 12

 

[2] - انظر في ذلك ،د. جابر جاد عبد الرحمن.القانون الدولي الخاص تنازع القوانين ,تنازع الهيئات ,تنازع الاختصاص _مجموعة محاضرات القيت على طلبة الصف الرابع _ط1_مطبعة الهلال _بغداد_1949_ص6هامش(1)

 

[3]- وهو اصطلاح طلع به الفقيه الالماني سافيني.

 

[4]- توجد هناك ثلاثة معايير لتحديد دولية العلاقة وهي المعيار القانوني و المعيار الاقتصادي و المعيار المختلط للمزيد انظر د.منير عبدالمجيد _تنازع القوانين في علاقات العمل الفردية  منشاة المعارف الاسكندرية _1992_ص20ومابعدها

[5]- د. سامي بديع منصور و د. عكاشة محمد عبد العال ، القانون الدولي الخاص._طرق حل المنازعات الدولية الخاصة _الحلول الوضعية لتنازع القوانين _الجنسية _الاجراءات المدنية والتجارية الدولية _الدار الجامعية بيروت 1995_ص66ومابعدها

 

[6] د. سعيد يوسف البستاني _القانون الدولي الخاص _تطور وتعدد طرق حل النزاعات الدولية الخاصة_ الطبعة الاولى _ منشورات الحلبي الحقوقية_بيروت لبنان _ص52 

 

[7]- د.حسن الهداوي _تنازع القوانين واحكامه في القانون الدولي الخاص العراقي _مطبعة الرشاد _بغداد _1967_ص30

 

[8]- د.حسن الهداوي ود.غالب الداودي _القانون الدولي الخاص _ القسم الثاني – المصدر السابق  _ص20 ومابعدها

 

[9] د.سامي بديع منصور ود.عكاشة محمد عبد العال_مصدر سابق _179ومابعدها

 

[10]- د. حسن الهداوي و د. غالب الداودي ، القانون الدولي الخاص ، القسم  الثاني _مصدر سابق_ص25

 

[11] .المصدر نفسه _ص26


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .