ثانيا – اساس حق الدم
ويقصد بحق الدم (Jue sanguine) ثبوت جنسية الدولة لكل من يولد لوطنيها بغض النظر عن مكان الميلاد فهذا الحق يجعل جنسية الدولة تنتقل عبر الاجيال بشكل متتابع يحفظ استمرارها من الاصول الى الفروع لوحدة الاصل() ويصطلح البعض على الجنسية التي تثبت بهذا الحق بجنسية النسب() و البعض الاخر بجنسية الدم او البنوة() ويذهب البعض الى ان الجنسية الاصلية على هذا الاساس تنتقل بشكل آلي ويعارض البعض الاخر ذلك ويذهب الى القول ان هذه الجنسية تنتقل بحسب استمرار شعور الفرد بها() وهذا يعني ان انتقال الشخص خارج حدود دولته وانقطاع اتصاله بها روحيا وفعليا لا يؤهله لوضع استمرار انتقال جنسية الدول الى ابنائه ذلك لفقدانه الارتباط الروحي بالدولة وقد اخذ المشرع العراقي في قانون الجنسية الملغى و الجديد بحق الدم ولم ينص على تاثير انقطاع اتصال الوطني بالدولة على جنسيته العراقية كما ذهب الى ذلك المشرع اللبناني و المصري.
واذا كانت الجنسية وفقا لهذا الاساس او السبب تثبت لكل من يولد لوطنين الدولة فالسؤال هنا من ينقل الجنسية من هؤلاء الوطنيين الاب ام الام ام كلاهما . للاجابة عن ذلك يتطلب بحث الموضوع من خلال بندين نبحث في الاول حق الدم الابوي وفي الثاني حق الدم الاموي.
1- حق الدم الابوي
وينطوي انتقال الجنسية وفق هذا السبب على مبررات منها ثبوت نسب الابناء الى الاب بدرجة رئيسة والى الام بدرجة ثانوية() لقوله تعالى (ادعوهم لابائهم هو اقسط عند الله)() فضلا عن انتقال الجنسية عن طريق الاب يفيد وجود صلات شرعية تربط الابناء بالاباء وهذا ما يفضي الى تحقيق استقرار في العلاقات العائلية و النظام القانوني للعائلة وتقوية الاواصر بين افرادها() .
وقد اخذت اغلب التشريعات العربية بهذا الاساس ويعزوا البعض هذا الموقف الى رغبة المشرع العربي في المحافظة على التقاليد و العادات العربية لتحقيق الوحدة القومية() ويرى البعض ان ذلك يتنافى مع التوجه الحديث حيث لم تعد الجنسية وسيلة للمحافظة على وحدة الجنس و العرق() .
وقد كان موقف المشرع العراقي ضمن هذا الاتجاه في قانون الجنسية رقم 42 لسنة 1924 واستمر على هذا الموقف في قانون الجنسية رقم 43 لسنة 1963 حيث نصت المادة (4/1) على ( عراقيا من ولد في العراق او خارجه لاب متمتع بالجنسية العراقية) وعلى نفس الاتجاه كان موقف قانون الجنسية رقم 46 لسنة 1990 الذي لم ينفذ رغم نشره في الجريدة الرسمية() وقد اصاب هذا الموقف بعض التغير تحت تاثير واحترام المبادئ العالمية المتعلقة بحقوق الانسان كما سنلاحظ.
2- حق الدم الاموي
من الثابت ان نسب الابناء لا يقتصر على الاب فقط انما يمتد ايضا الى الام ورغم ذلك فقد اتجه الفقهاء وكذلك المشرعين الى اتجاهين الاول يجعل للام دور استثنائي في نقل الجنسية للابناء فلا يتحرك دم الام في هذا النقل الا اذا كان دم الاب معطل. وهو يتعطل في ظل كونه مجهول او لا جنسية له ومقابل ذلك يكون للام دور فاعل في نقل الجنسية للابناء().
ففي هذا الوضع يحتاج الطفل ان يعيش بجنسيه تحميه وتوفر له الضمانات التي يتطلبها ويعد حق الدم الاموي البديل الامثل وفق هذا الاتجاه الذي يضمن الجنسية للابناء مقابل ذلك ذهب اتجاه اخر ويمثل التوجه الحديث في الفقه و التشريع نحو الاعتراف للام بدور مساو للاب في نقل الجنسية للابناء وقد عبرت عن ذلك بعض الاتفاقيات و المواثيق الدولية منها الاعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1948 في المادة (7) التي نصت على ( الناس جميعا سواء امام القانون ، وهم متساوون في حق التمتع بحماية القانون دونما تمييز .........) وكذلك اتفاقية الامم المتحدة في شان القضاء على كل انواع التمييز ضد المراة الموقعة عام 1979 حيث اكدت في المادة (9/2) تمنح الدول الاطراف المراة حقا مساويا لحق الرجل فيما يتعلق بجنسية اطفالها كما اكدت على مبدا المساواة اغلب الدساتير في العالم ومنها الدستور العراقي لعام 2005 في المادة (14).
وقد استجابت اغلب التشريعات الاجنبية() وبعض التشريعات العربية() للاتجاه الثاني الذي يمثل التوجه الفقهي و التشريعي الحديث في العالم لانه يحقق الارتباط الواقعي للانسان بدولة الاب او الام().
وقد استجاب المشرع العراقي لهذا الاتجاه في قانون الجنسية الجديد فحقق للاب و الام نفس الدرجة من التاثير في نقل الجنسية للابناء حيث نصت المادة (3/1) على يعتبر عراقيا ( من ولد لاب عراقي او/ ام عراقية) ولم يفرق المشرع العراقي بهذا النص في الحكم بين حصول الولادة في داخل العراق عن حكم الولادة في خارج العراق() حيث تكون جنسية المولود لام عراقية داخل العراق او خارجه اصلية تفرض عليه فور الميلاد طالما كان والده معلوما ونستنتج ذلك لان مجهول الاب او عديم الجنسية المولود خارج العراق لا تفرض عليه الجنسية العراقية هنا انما له حق اختيارها خلال سنة من تاريخ بلوغه سن الرشد بشرط ان يكون مقيما في العراق وقت تقديمه طلب الحصول على الجنسية العراقية وهو ما اكدته المادة (4) من قانون الجنسية الجديد.
هذا يعني ان المولود من ام عراقية في العراق من اب مجهول او لا جنسية له ياخذ نفس حكم المادة (3/1) وبذلك يكون المشرع العراقي قد حقق مساوئ نسبية بين الاب و الام فالمولود لاب عراقي في داخل العراق او خارجه يعتبر عراقي بحكم القانون بينما المولود لام عراقية في داخل العراق فقط يعتبر عراقي بحكم القانون فاذا حصلت ولادته في الخارج فلا يعتبر عراقيا بحكم القانون فور الميلاد انما بعد بلوغه خلال سنة اذا اختارها وكان يقيم في العراق في هذا الوقت وكان مجهول الاب او عديم الجنسية() . وهذا يعني اذا كان الاب معلوم تكون جنسيته عراقية فور الميلاد في الخارج.
شروط النص هي :
1- ان يولد مولود لاب عراقي او لام عراقية سواء اكانت جنسيتهم اصلية ام مكتسبة.
2- ان يكون مكان الميلاد في داخل العراق او خارجه بالنسبة للاب اما بالنسبة للام فيشترط لنقل جنسيتها الى وليدها ان يكون الاب معلوم أي تكون البنوة شرعية اما اذا كانت غير شرعية فلا تنقل الجنسية العراقية من الام الى الولد اذا تمت الولادة في الخارج و بالمقابل تنتقل اذا تمت الولادة في داخل العراق وان كان والده مجهول.
ورغم استجابة المشرع العراقي لما استقر عليه التوجه العالمي في تحقيق المساواة بين الاب و الام في موضوع جنسية الابناء الا اننا نعتقد ان في ذلك توسيع لاسباب واسس فرض الجنسية الاصلية الذي يطرح بالمقابل توسيع المساحة البشرية للعراق على حساب مساحته الجغرافية وموارده الاقتصادية وما يحمل ذلك من تاثير سلبي على الجانب الثقافي و الاقتصادي للمجتمع و الدولة ، سيما وان العراق يعد من الدول المصدرة للسكان فثبات مساحة الاقليم نسبيا وموارده مقابل ازدياد تعداد السكان بفعل مبدا المساواة بين الاب و الام يطرح مشاكل عديدة على الفرد و الدولة حاليا ومستقبليا ويحذر بعض الفقهاء اعتماد مبدا المساواة بدون شروط وقيود()وندعوا الى تقييد فرض الجنسية العراقية هنا على شرط وهو ان يتعذر على المولود الحصول على جنسية الاب او مكان الميلاد فور الولادة وهذا الحل يتطابق مع ما سجلته اتفاقة لاهاي لعام 1930 من مبادئ ولاسيما في المادة(2) منها حيث منحت الطفل جنسية مكان الميلاد اذا تعذر عليه الحصول على جنسية والديه. كما انه يستجيب للمادة (15) من الاعلان العالمي لحقوق الانسان التي تفترض ان لكل انسان جنسية فضلا عن ان هذا يمنع اللاجنسية حيث يفترض ان يولد الانسان بجنسية واحدة هي اما جنسية الاب او جنسية الام او مكان الميلاد وبالمقابل يمنع هذا الحل ازدواج الجنسية لانه يفترض للمولود احد الجنسيات اعلاه وبذلك سيكون هذا الحل ممتثلا لمقصود الاتفاقيات الدولية التي تحث الدول على توقي حالتي انعدام الجنسية و ازدواجها ولاسيما اتفاقية تقليل حالات الا جنسية لعام 1961.
ثالثا - حق الاقليم
ويقصد بحق الاقليم (Jussoli) ان الدولة تفرض جنسيتها على كل من ولد داخل حدودها الاقليمية الوطنية بغض النظر عن صفه والديه فهذا الاساس يطبع جنسية الانسان بطبيعة مكان ميلاده ، فاذا كان هذا المكان وطنيا بالنسبة للدولة فالمولود وطني وان كانت اصوله اجنبية واذا كان المكان اجنبي فان المولود اجنبي وان كانت اصوله وطنية() وبهذا الاساس تتمكن الدولة من احتواء المولودين على اراضيها في جنسيتها محققة بذلك وحدة الولاء و الانتماء لهؤلاء رغم الاختلافات العرقية و القومية للاصول. فتغلب الاعتبارات الاقليمية على الاعتبارات الشخصية التي يطرحها حق الدم() . ويختلف اعتماد الدول لهذا الاساس بين مجموعتين الاولى تعتمده بشكل مطلق (كاصل) و الثانية تعتمده بشكل نسبي(كاستثناء) ولبيان ذلك كان لابد من بحث الموضوع من خلال بندين نبحث في الاول حق الاقليم المجرد (المطلق) وفي الثاني حق الاقليم المقيد( النسبي) .
1- حق الاقليم المجرد ( المطلق)()
وبحسب هذا الاساس تكون لحق الاقليم كفاية ذاتية للحصول على جنسية الدولة وقد اخذت بهذا الاساس بصفة اصلية اغلب دول البلاد الانكلوسكسونية،فهذه القوانيين تمنح جنسيتها بموجب حق الاقليم كبريطانيا بمقتضى قانون جنسيتها الصادر في 30/10/1981 وكذلك في الولايات المتحدة الامريكية بموجب قانون الجنسية الصادر سنة 1952 في المادة(301) منه وهذا الموقف ذاته في كل من قانون الجنسية الاسترالي والكندي،وكذلك فأن تشريعات دول امريكا اللاتينية كالارجنتين تمنح جنسيتها بموجب حق الاقليم بحسب المادة(3) من قانون الجنسية الارجنتيني الصادر في 18/5/1971 وكذلك المادة(129) من الدستور البرازيلي الصادر عام 1946 ويستثنى من حكم هذا الاساس ابناء الدبلوماسيين المولودين في دول تاخذ بحق الاقليم المطلق وهو ما اكدته اتفاقية لاهاي لعام 1930().
ولم تاخذ بهذا الاساس التشريعات العربية ومنها التشريع العراقي لا في قانون الجنسية رقم 43 لسنة 1963 ولا في قانون الجنسية الجديد النافذ الا بطريق استثنائي. كما سنلاحظ و السبب في ذلك غياب استحقاقات هذا الاساس في الدول العربية ومنها المساحات الجغرافية الواسعة وسياسة الانفتاح و الخوف من التفاعل مع الثقافات الاخرى وعدم الرغبة في توسيع المساحات البشرية() وتعد هذه عوامل ازدهار اساس حق الاقليم لدى الدول التي اعتمدته كاصل وبالمقابل كانت عوامل ضعف نشاط اساس حق الدم لديها والذي اعتمدته كاستثناء.