المقدمة
من الثابت ان الافراد تتوزع على شكل وحدات سياسية قانونية يصطلح عليها بالدول ،وباثر تعدد الاخيرة تتعدد الانظمة القانونية، وهذه الانظمة تتوزع على عوائل قانونية تتمثل بالانظمة ضمن الاتجاه الانكلوسسكوني والاتجاه اللاتيني، وهكذا بالنسبة للانظمة التي تقع ضمن الاتجاه الجرماني و الاشتراكي وباثر ذلك تختلف انظمة كل مجموعة عن المجموعات الاخرى، واذا افترضنا بقاء افراد كل دولة ضمن محيطها الاقليمي فان كل دولة ستستاثر بحكم هؤلاء الافراد عن طريق قوانينها الداخلية دون ان تحتاج الى قوانين تنظم اوضاع الاجانب ، ولكن هذا الافتراض لا يستقيم امام ضرورات الحياة المعاصرة الذي تفترضه حركة وانتقال الاشخاص و الاموال عبر الحدود الدولية مما يطرح اختلاف الحالة القانونية بفعل تغير المكان (الموطن) (مركز الاجانب) وظهور علاقات وعقود باثر ذلك بين اطراف تابعين لدول مختلفة او لدولة واحدة (الجنسية) حول علاقة موضوعها اموال تقع في دولة اخرى او بين اطراف تابعين لدولة واحدة تكونت بينهما علاقة تعاقدية عن موضوع موجود في نفس الدولة ولكن ابرام العقد تم في الخارج (تنازع القوانين) .ان مثل تلك العلاقات في مختلف الفروض اعلاه لا يمكن ان تعامل بنفس معاملة العلاقات الوطنية وهذا يعني انها علاقات غير وطنية يصطلح عليها حديثا بالعلاقات ذات الابعاد الدولية الخاصة. فاختلاف المعاملة بين العلاقتين اعلاه يفترض اختلاف القوانين الحاكمة لكل منها ،واختلاف المحاكم التي تنظر في المنازعات الناشئة عنها( تنازع الاختصاص القضائي). فالعلاقات الوطنية التي تحصل بين الافراد التابعين لدولة واحدة على موضوع كائن فيها وعن سبب نشا على اراضيها تخضع بدون خلاف للقانون الوطني لتلك الدولة ولكن العلاقات ذات الابعاد الدولية المتصلة بعنصر او اكثر من عناصرها (الاشخاص ، الموضوع ، السبب) بدولة او اكثر تخضع لقواعد قانون اخر يصطلح عليه بالقانون الدولي الخاص ،وهنا لنا ان نتسال هل ان هذا القانون يحكم فقط العلاقات اعلاه ام انه يحكم مسائل اخرى؟ للاجابة عن ذلك يستدعي البحث في الطبيعة القانونية للقانون الدولي الخاص و المصادر التي يستقي منها احكامه وهذا يتطلب بدوره البحث اولا في التعريف به ثم بيان العلاقة بين موضوعاته
اولا : التعريف بالقانون الدولي الخاص
لم يظهر مفهوم هذا القانون الى حيزالوجود الا في بداية القرن السابع عشر ويرجح ظهوره الى عام 1834 .
ونظرا لاختلاف طبيعة المواضيع التي يتضمنها القانون الدولي الخاص ومن ثم اختلاف نطاق كل منها فضلا عن اختلاف المصادر التي يستقي منها احكامه فلم يكن هناك اتفاق على تعريف القانون الدولي الخاص وباثر ذلك ظهرت ثلاثة اتجاهات قانونية في هذا السياق،الاتجاه الاول يضيق من تعريف القانون الدولي الخاص فيقصره على تنازع القوانين بمعناه الضيق لذا يعرف وفقا لهذا الاتجاه بانه ذلك الفرع من القانون الذي يعنى ببيان القانون الواجب التطبيق في العلاقات القانونية ذات الابعاد الدولية الخاصة،ويمثل هذا الاتجاه ايطاليا والمانيا،الاتجاه الثاني يذهب الى ضم تنازع الاختصاص القضائي الى جانب تنازع القوانين أي انه يجعل القانون الدولي الخاص قائم على تنازع القوانين بمعناه الواسع ويعرفه بانه ذلك الفرع من القانون الذي يعنى ببيان القانون الواجب التطبيق و المحكمة المختصة في العلاقات ذات الابعاد الدولية الخاصة،ويمثل هذا الاتجاه الفقه الانكلوسكسوني،اما الاتجاه الثالث فهو يعرف القانون الدولي الخاص بمعنى اوسع من الاتجاهين الاول و الثاني فيلحق بتنازع القوانين (تنازع الاختصاص التشريعي و تنازع المحاكم تنازع الاختصاص القضائي) كل من الجنسية و الموطن ومركز الاجانب ويعرفه بانه ذلك الفرع من القانون الذي يعنى ببيان جنسية الاشخاص بالنسبة للدول وموطنهم وحالتهم القانونية عبر الحدود(التمتع بالحقوق) مع بيان القانون الواجب التطبيق (استعمال الحقوق) و المحكمة المختصة (حماية الحقوق) في العلاقات الدولية الخاصة التي يكونوا اطرافا فيها ويمثل هذا الاتجاه الفقه اللاتيني وقد اخذت الدول العربية بهذا التوجه كما كان العراق ضمن هذا الاتجاه لذا تدرس تحت مادة القانون الدولي الخاص في كليات القانون في العراق خمسة موضوعات وهي كل من الجنسية و المواطن ومركز الاجانب وتنازع القوانين وتنازع الاختصاص القضائي ويلحق بالموضوع الاخير تنفيذ الاحكام الاجنبية.
ثانيا : العلاقة بين موضوعات القانون الدولي الخاص.
يذهب البعض الى التقليل من العلاقة ما بين تلك الموضوعات لاختلاف القواعد التي تحكم كل منها فالقواعد التي تحكم الجنسية و المواطن ومركز الاجانب وتنازع الاختصاص القضائي تتصل بالقانون العام وتوصف بانها قواعد موضوعية تضع حلول فورية ومباشرة لكل موضوع من هذه الموضوعات بينما قواعد تنازع القوانين تتصل بشكل رئيس بموضوعات هي من صميم القانون الخاص كما توصف بانها قواعد اسناد لا تقدم حلول فورية ومباشرة وانما تقدم احكام توجيهية ارشادية ويفضل هذا الاتجاه دراسة البعض من هذه الموضوعات ضمن القانون الدولي الخاص كما لاحظنا .
ومقابل هذا الاتجاه هناك من يذهب الى الاعتراف بوجود علاقة مباشرة وقوية ما بين تلك الموضوعات فكل موضوع يمهد للاخر كما ان جميع القواعد التي تحكم الموضوعات تنتمي الى فصيلة واحدة من القوانين وهو القانون العام فالجنسية مثلا تعد السبب الاول لوجود باقي موضوعات القانون الدولي الخاص ولولا وجود الجنسية لكنا نعيش تحت مظلة كيان واحد ويحكمنا نظام قانوني واحد وهذا يعني اختفاء الجنسية.
يؤدي الى غياب القانون الدولي الخاص، فوجود الجنسية يميز بصورة مباشرة بين الوطني و الاجنبي كما ان ذلك يفتح الطريق امام ظهور موضوع الموطن حيث ستميز الجنسية عن طريق الموطن بين الاجنبي المتوطن وغير المتوطن. وبالمقابل وجود الجنسية ومن ثم وجود الموطن يفضي الى طرح موضوع اخر يعنى ببيان الوضع او الحالة القانونية للاجنبي بعد تمييزه عن الوطني بواسطة الجنسية وكذلك وصفه في ظل توطنه وفي ظل عدم حصوله على الموطن فهذا الوضع يكشف عن مقدار ما يتمتع به الاجنبي من حقوق و الاتزامات مما يفتح الطريق امام امكانية الاجنبي لاستعمال ما تمتع به من حقوق وهذا الاستعمال يطرح موضوع اخر وهو تنازع القوانين الذي بدوره يطرح ايضا تنازع المحاكم ومن ثم اليات تنفيذ ما يصدر منها من احكام على المستوى الدولي. نلاحظ ان الموضوع الاول كان سبب ترتبت عليه باقي الموضوعات وغيابه معناه غيابها.
ثالثا : طبيعة القانون الدولي الخاص
تطرح هذه الطبيعة جملة تساؤلات تتمحور حول اولا : هل ان القانون الدولي الخاص قانون بالمعنى الفني للكلمة؟. وثانيا : هل انه قانون دولي ام داخلي؟ وثالثا هل انه قانون عام ام خاص فمن ناحية السؤال الاول يتمتع هذا القانون بصفة الالزام لانه يتضمن قواعد عامة مجردة يترتب على مخالفتها جزاء فياخذ بذلك وصف القانون اما السؤال الثاني فقد ذهب فيه الفقه في مذهبين الاول ينكر الصفة الدولية على هذا القانون ويصفه بالقانون الداخلي وذلك لان نطاق تطبيقه ومصادره تختلف عن نطاق تطبيق ومصادر القانون الدولي فالاول يحكم العلاقات التي يكون اطرافها افراد بينما الثاني يحكم العلاقات التي يكون اطرافها دول او اشخاص القانون الدولي العام الاخرى مثل المنظمات كما ان مصادر الاول داخلية ذللك لغياب مشرع دولي في هذا السياق او وجود قواعد تشريعية مشتركة بين الدول بينما مصادر القانون الدولي قد تكون في الغالب دولية مثل الاتفاقيات الدولية او الاعراف الدولية.
اما المذهب الثاني فيذهب الى الاعتراف للقانون الدولي الخاص بالصفة الدولية من ناحية القواعد التي يتضمنها وان كانت تستقي من مصادر داخلية مثل التشريع و الاعراف الداخلية الا ان نطاق تطبيقها له ابعاد دولية حيث لا تحكم تلك القواعد العلاقات الوطنية انما العلاقات ذات الابعاد الدولية الخاصة فقواعد الجنسية تحكم العلاقة ما بين الفرد و الدولة وعلى اساسها يتحدد انتمائه وبفعلها تتدخل الدولة لحماية الفرد دبلوماسيا اذا اصابه ضرر في الخارج ولم يستطيع الحصول على تعويض كما ان الدولة تكون مسؤولة عن افعاله من الناحية الدولية اذا الحق ضرر بدولة اخرى. بصورة مباشرة او غير مباشرة كما ان قواعد تنازع القوانين وتنازع الاختصاص القضائي الدولي وضعت لحكم العلاقات ما بين افراد تابعين لدولة مختلفة وهذا ما يجعل هذه القواعد حاكمة لمواضيع متعدية الاثار على اكثر من دولة كما يتاثر مركز الاجانب بالعلاقات الدولية فكلما تحسنت العلاقات الدولية ما بين الدول تحسن وضع الاجنبي وهذا يعني ان مركز الاجانب يتاثر بقواعد القانون الدولي وكذلك الحال بالنسبة للموطن.
وما بين هذين الموضعين يذهب البعض بالقول ان قواعد القانون الدولي الخاص قواعد داخلية من حيث المصدر ولكن اثارها دولية من حيث نطاق تطبيقها.
واذا كان القانون الدولي الخاص قانون وطني داخلي المصدر ودولي التطبيق فهل ان هذا القانون من فصيلة القانون العام ام الخاص ، لقد اجاب الفقه عن ذلك في اتجاهين الاول يذهب الى الحاق القانون الدولي الخاص بالقانون الخاص وذلك لان موضوعات القانون الدولي الخاص تتعلق بالعلاقات التي يكون الافراد اطرافا فيها فالجنسية وان كانت علاقة ما بين فرد ودولة الا ان اثارها تنعكس على العلاقات الدولية الخاصة كما انها تبين فضلا عن الحقوق العامة الحقوق الخاصة وكذلك النظام القانوني الواجب التطبيق وهي مسائل من ابحاث القانون الخاص وينسحب هذا الكلام على الموطن وكذلك مركز الاجانب اما تنازع القوانين فهو موضوع ينصرف الى التنازع ما بين القوانين الخاصة في اطار العلاقات التي يكون الافراد طرفا فيها و نفس الوضع بالنسبة لتنازع الاختصاص القضائي الدولي اما الاتجاه الثاني فيلحق موضوعات القانون الدولي الخاص بنظم القانون العام فهو ينظر للجنسية بوصفها علاقة مابين الفرد ودولة ومتعلقة بسيادة الاخيرة وتحدد الحالة السياسية للافراد فضلا عن حالتهم المدنية وهي مسائل من صميم القانون العام وهو نفس الوضع بالنسبة للموطن اما مركز الاجانب فان قواعده يستاثر المشرع الوطني في كل دولة بتنظيمها وهي مسالة متعلقة بسيادة الدولة فينظم حركة الاجانب عبر حدودها بالدخول و الاقامة و الخروج ولحماية امنها وسلامتها وهي امور تخص القانون العام.
اما بالنسبة لموضوع تنازع القوانين فهو يعنى ببيان نطاق تطبيق القوانين الوطنية و الاجنبية أي مدى سلطانها وتطبيقها على العلاقات الدولية الخاصة وهو من ابحاث القانون العام اما تنازع الاختصاص القضائي الدولي فهو يعنى بيان نطاق اختصاص المحاكم الوطنية و الاجنبية في العلاقات الدولية الخاصة لذا يلحق بنظم القانون العام فضلا عن ان كل من الاختصاص القضائي و الاختصاص التشريعي مظهر من مظاهر سيادة الدولة.
وفي الحقيقة يمكن وصف القانون الدولي الخاص بانه مركب من موضوعات بعضها ينتمي للقانون العام مثل الجنسية و الموطن ومركز الاجانب وتنازع الاختصاص القضائي الدولي الا ان اثارها تحرك تطبيق قوانين خاصة و البعض الاخر من هذه الموضوعات تنتمي الى القانون الخاص مثل تنازع القوانين الا ان اثارها يمكن ان تحرك تطبيق قوانين عامة.
رابعا: مصادر القانون الدولي الخاص
المصادر هي المناهل التي يستمد منها القانون الدولي الخاص احكامه ويتفاوت تاثيرها بين موضوعات القانون الدولي الخاص فبعض المصادر تكون درجة تاثيرها عالية في بعض المواضيع دون البعض الاخر علما ان هذه المصادر ليست من طبيعة واحدة فهناك مصادر دولية تتمثل بالمعاهدات و الاعراف الدولية واحكام القضاء الدولي ومصادر وطنية تتمثل بالتشريع و العرف و القضاء وبعض الفقه يقسم هذه المصادر الى مصادر مكتوبة واخرى غير مكتوبة و البعض الاخر يقسم المصادر الى اساسية وتفسيرية ويمكن اجمال المصادر بحسب درجة تاثيرها واهميتها في موضوعات القانون الدولي الخاص على النحو الاتي :
1- التشريع 2- العرف 3- القضاء 4- الاتفاقيـات الــدوليـة 5- مبادئ القانون الدولي الخاص وهناك مصادر ظهرت بفعل علاقات دولية طرحها التعامل الالكتروني عبر شبكة الانترنيت. استقر العمل بها فشكلت مصدر من مصادر حل تنازع القوانين الالكتروني وعليه سنعرض لكل مصدر ودرجة تاثيره في احكام كل موضوع من موضوعات القنون الدولي الخاص وعلى النحو الاتي:
1- التشريع :
يعرف التشريع بانه مجموعة القواعد القانونية المكتوبة و الموضوعة من قبل السلطة المختصة بالتشريع و المتضمنة معنى الانعدام وهذا المصدر حديث بالنسبة لباقي المصادر لذا نجد ان ظهور اضعف تاثير باقي المصادر في موضوعات القانون الدولي الخاص ويلعب هذا المصدر دور حيوي ورئيس في موضوع الجنسية ذلك لانها تحدد ركن من اركان الدولة الا وهو الشعب فهي مسالة تتعلق بسيادة الدولة
لذا نجد ان جميع دول العالم نظمت احكام الجنسية عن طريق التشريع سواء في الدستور او قانون الجنسية وقد نظم المشرع العراقي احكام الجنسية العراقية منذ تاسيس الدولة العراقية في قانون الجنسية رقم 42 لسنة 1924 وبعدها قانون رقم 43 لسنة 1963 وقانون منح الجنسية العراقية للعرب رقم 5 لسنة 1975 واخيرا في قانون الجنسية النافذ رقم 26 لسنة 2006و الذي الغى القوانين السابقة لذا لم يترك التشريع للمصادر الاخرى دور لتنظيم احكام الجنسية بل انه سجل ما استقر عليه العرف و القضاء في مسائل الجنسية فالقواعد العرفية و القضائية نظمت بعض احكام الجنسية ولكن عن طريق التشريع وكذلك بالنسبة للمعاهدات طالما انها لا تكون نافذة الا بعد تصديقها ونشرها ومثال ذلك معاهدة لوزان لعام 1923 التي نظمت بعض احكام الجنسية بالنسبة للاقاليم الخاضعة للنفوذ العثماني ومنها العراق وينسحب هذا الكلام على مبادئ القانون الدولي الخاص حيث لا يمكن العمل بها في مجال الجنسية الا اذا كانت مسجلة تشريعيا.
وياتي دور التشريع حديث نسبيا في موضوع الموطن ومركز الاجانب وتنازع القوانين وتنازع الاختصاص القضائي الدولي فهو يمثل مصدر مساعد للمصادر الاخرى في الموضوعات اعلاه فبعد ان وجد العرف و القضاء القواعد المتعلقة بالموضوعات اعلاه جاء التشريع مساعدة لهما على تسجيل تلك القواعد ، فنجد القوانين المدنية في اغلب الدول العربية نظمت احكام الموطن وتنازع القوانين ومنها القانون المدني المصري رقم 131 لسنة 1948 وكذلك القانون المدني العراقي رقم 41 لسنة 1951 كما نظم الاخير قواعد تنازع االختصاص القضائي الدولي اما تنفيذ الاحكام الاجنبية فقد نظم احكامها قانون رقم 30 لسنة 1928 المعدل . اما مركز الاجانب فقد نظم احكامه قانون اقامة الاجانب رقم 118 لسنة 1978 المعدل.
2- العرف
نلاحظ مما تقدم ان العرف اقدم المصادر ويعرف بانه مجموعة القواعد التي استقر العمل بها باستمرار وشاع الاعتقاد بالزامها من قبل الناس وقد ضعف وتضائل دور العرف في الوقت الحاضر بفعل تعاظم دور التشريع و المعاهدات.
فدور العرف منعدم في مجال الجنسية وبالمقابل كان له دور رئيس ودور مؤثر في بعض موضوعات القانون الدولي الخاص وخاصة تنازع القوانين تنازع الاختصاص القضائي الدولي ودور مكمل للتشريع في موضوع الموطن ومركز الاجانب ويذهب البعض ان هناك اعراف دولية تتعلق بالقانون الدولي الخاص ومنها الحد الادنى لحقوق الاجنبي وضرورة وجود علاقة جدية وحقيقية ما بين الفرد و الدولة المانحة للجنسية وحرية الدولة في مسائل الجنسية الا ان البعض الاخر يذهب الى انكار مثل هذه الاعراف ويوصف هذه القواعد بانها عبارة عن مبادئ توجيهية و الحقيقة ان الاعراف الدولية تؤثر في العلاقات الدولية ويمكن ان يكون لها انعكاس على مستوى علاقات القانون الدولي الخاص. وهذا يعني ان هناك اعراف خاصة بالقانون الدولي الخاص لها خصوصية تتناسب مع طبيعة موضوعاته،وقد اكد القضاء المقارن الدور الفعال الذي يقوم به العرف سيما في قواعد الاختصاص القضائي الدولي
3- القضاء
مجموعة الاحكام القضائية الصادرة عن القضاء الوطني و الدولي التي استقر العمل بها في التعامل مع مسائل القانون الدولي الخاص وينعدم تاثير هذا المصدر في اطار الجنسية للاسباب التي اوردنها سلفا ويكون له تاثير مساعد ومعاون واحتياطي في باقي موضوعات القانون الدولي الخاص.
فهو مصدر تفسيري ومقابل ذلك يعد هذا المصدر في بريطانيا من المصادر الرسمية و الرئيسية للقانون ومن الجدير بالذكر لعب القضاء وعلى مر التاريخ دور متميز في تطوير احكام القانون الدولي الخاص واذا رجعنا الى احكام محكمة العدل الدولية الدائمة او محكمة العدل الدولية ومحاكم التحكيم المختلط ومنها محكمة العدل الدولية عام 1955 في قضية نوتبوم كان له تاثير في موضوع الجنسية عن طريق التشريع وكذلك حكم محكمة العدل الدولية الدائمة في عام 1923 حول مراسيم الجنسية في تونس ومراكش فكان له انعكاس في الية منح الجنسية ايضا وحكم محكمة العدل الدولية الدائمة في عام 1926 ضد بوليفيا بشان نزع ملكية اجنبي بدون تعويض كان له تاثير في موضوع مركز الاجانب.
4- المعاهدات الدولية
المعاهدات بحسب مفهوم القانون الدولي التقليدي عبارة عن اتفاق ما بين شخصين او اكثر من اشخاص القانون الدولي العام تهدف الى ترتيب اثر في العلاقات الدولية اما بحسب مفهوم اتفاقية فينا لقانون المعاهدات لعام 1969 فهي اتفاق مكتوب بين دولتين او اكثر تهدف الى ترتيب او احداث اثر قانوني معين في موضوع دولي المادة (2/أ).
وتمتاز المعاهدات بان لها دور متساو في جميع موضوعات القانون الدولي الخاص نظرا لان الدولة تحتاج للمعاهدات لتنظيم شؤون جميع موضوعات القانون الدولي الخاص ولكن تاثيرها يكون مباشر في بعض الموضوعات مثل تنازع القوانين وتنازع الاختصاص القضائي الدولي والموطن ومركز الاجانب بينما يكون تاثيرها غير مباشر على الجنسية أي الاتفاقيات الدولية تؤثر في احكام الجنسية ولكن عن طريق التشريع فالتشريع يسجل احكام الاتفاقية المتعلقة بالجنسية مثال ذلك اتفاقية القضاء على كافة اشكال التمييز ضد المراة لعام 1979 (سيداو ) كان لها تاثير في احكام الجنسية العراقية المتعلقة بالمراة في قانون الجنسية رقم 26 لسنة 2006 ومقابل ذلك كان لبعض الاتفاقيات تاثير مباشر وقوي في موضوع تنازع الاختصاص القضائي الدولي وتنفيذ الاحكام الاجنبية ومنها اتفاقية الرياض لعام 1983 واتفاقية فينا للعلاقات القنصلية لعام 1963 والتي نظمت بعض الامتيازات والاعفاءات للمبعوث القنصلي وتنظم القانون الاشارة الى وجوب احترام ماجاء في اتفاقية فينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961،وقد ابرم العراق مؤخرا بعض الاتفاقيات مع سوريا لتنظييم شؤون العراقيين المتعلقة بالجانب المالي و الاجتماعي و هذه الاتفاقيات لها تاثير مباشر في موضوع مركز الاجانب.
وعلى مستوى الدولي عقد اتفاق هافانا عام 1958 بين 15 من دول امريكا الجنوبية و الوسطى و الذي نظم احوال تنازع القوانين وسميت قواعده بمجوعة بوستمانتي ومن الجدير بالذكر كلما استكثرت الدولة من عقد المعاهدات الدولية كلما تقلص حجم المشاكل و المنازعات المتعلقة بالقانون الدولي الخاص ففي اطار تنازع القوانين سوف لا يحتاج قاضي النزاع لقواعد الاسناد طالما وجدت قواعد موضوعية نصت عليها الاتفاقيات حيث ستطبق بشكل مباشر وحاسم للنزاع. ونفس الموقف ينطبق على موضوع مركز الاجانب وتنازع الاختصاص القضائي الدولي.
ولما كانت المعاهدة بعد المصادقة عليها من قبل الدولة ونشرها بالجريدة الرسمية تعتبر بمنزلة القانون الداخلي وتكون نافذة والى هذا المعنى اشارت المادة (129) من الدستور العراقي لعام 2005 وملزمة للافراد او الدولة بجميع سلطاتها الا انه يحدث ان يحصل تنازع ما بين نصوصها ونصوص اخرى من قانون داخلي عند تطبيق احكامها من قبل قاضي النزاع فما هو الحل هنا؟
يفرق الفقه هنا بين فيما اذا كانت المعاهدات لاحقة ام سابقة للقانون ففي الفرض الاول اذا كانت المعاهدة لاحقة للقانون فهنا يطبق القاضي احكام المعاهدة لانها تعتبر بمثابة القانون الجديد استنادا الى القاعدة التي تقضي ان القانون الجديد ينسخ القانون القديم بقدر ما يرفع التعارض بينهما.
اما الفرض الثاني اذا كانت الاتفاقية سابقة على القانون فهنا يفرق بين حالتين:
الاولى اذا وجد نص صريح يقضي بافضلية المعاهدة على التشريع فهنا تطبق احكام المعاهدة ويهمل النص التشريعي وقد ذهب قانون اعادة المجرمين رقم 31 لسنة 1923 في العراق الى هذا المعنى حيث جاءت المادة (16) (لا يؤثر هذا القانون في احكام المعاهدات و الاتفاقيات التي تعقد لاعادة المجرمين وتعتبر احكام هذا القانون معدلة على مقتضاه) كما اكدت المادة (29) من القانون المدني على حكم عام يسري في جميع الاحوال التي يتعارض فيها نص مع معاهدة دوليةحيث تنص المادة المذكورة على (لا تطبق احكام المواد السابقة اذا وجد نص على خلافها في قانون خاص او معاهدة دولية نافذة في العراق)
الثانية اذا لم يوجد نص صريح يقضي بافضلية او اولوية المعاهدة على النص التشريعي يذهب البعض الى تطبيق حكم المعاهدة واهمال النص لانها اسمى منه كما تعكس ارادة دولتين او اكثر بينما التشريع يعكس ارادة دولة واحدة اما الاتجاه الثاني فيذهب الى اهمال المعاهدة وتطبيق حكم النص لان القاضي ملزم باوامر مشرعه الواردة في التشريع اما المعاهدة فهي تلزم الدولة.
5- المبادئ العامة للقانون الدولي الخاص
هذه المبادئ مجموعة من القواعد المستقر العمل عليها في محيط علاقات القانون الدولي الخاص والتي اصبحت بفعل ذلك لها شيوع و انتشار عالمي مؤثر على مستوى القوانين الوطنية ونستطيع ان نقول ان هذه المبادئ لها صفة عالمية لانها تتناسب وتتلائم مع الخصوصيات الوطنية لاغلب دول العالم.
وهي على سبيل المثال الجنسية الفعلية التي يعتمد قانونها بالنسبة لمزدوج الجنسية وتعطيل القانون المصطنع له الاختصاص بفعل الغش حيث لم ينظم احكام هذا الحال في العراق واغلب الدول العربية وقد نظم المشرع العراقي احكام العمل بهذه المبادئ في المادة 30 من القانون المدني التي نصت على (يتبع في كل مالم يرد بشانه نص خاص من احوال تنازع القوانين مبادئ القانون الدولي الخاص الاكثر شيوعا) ومن الجدير بالذكر تلعب هذه المادة بوصفها مصدرا دور فعال ومؤثر في جميع موضوعات القانون الدولي الخاص باستثناء الجنسية حيث يستاثر باحكامها التشريع. ووفقا لما تقدم سنعالج مادة القانون الدولي الخاص من خلال خمسة فصول سنخصص الفصل الاول لدراسة الجنسية والفصل الثاني لدراسة الموطن اما الفصل الثالث فسيكون موضوعه مركز الاجانب في حين سيكون تنازع القوانين موضوع الفصل الرابع وتنازع الاختصاص القضائي الدولي موضوع الفصل الخامس والاخير