انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

حدود سلطة الدولة والنظريات التي فسرت أساس خضوعها للقانون

الكلية كلية القانون     القسم قسم القانون العام     المرحلة 2
أستاذ المادة علي هادي حميدي الشكراوي       12/16/2011 12:09:42 PM
حدود سلطة الدولة و النظريات التي فسرت اساس خضوعها للقانون
جامعة بابل – كلية القانون / المرحلة : الثانية / مادة : النظم السياسية
استاذ المادة : الأستاذ الدكتور علي هادي حميدي الشكراوي
يختلط القانون بشخص الحاكم في ظل تمتعه بسلطة مطلقة لسبب او لأخر ، ومن ثم يحرم الافراد من معظم حقوقهم و يتم تقييد حرياتهم الاساسية . وهو الحال الذي ساد في اساليب حكم معظم دول الحضارات القديمة ، و ممالك الدول الأوربية في فترة العصور الوسطى التي استمرت حتى نهاية القرن الخامس عشر . الامر الذي دفع خلال عصر النهضة وخاصة في القرنين السابع عشر والثامن عشر الى ظهور الافكار التي دعت الى الحد من سلطات الحاكم او الملك المطلقة ، من خلال اخضاعه لحكم القانون ، وضرورة الاقرار بالحريات الفردية وتعزيز ضماناتها ( 1 ).
وقد انتشرت هذه الافكار وانتقلت الى مختلف الشعوب ، التي طالب بحقوقها المسلوبة ، ومن ثم ثارت على الحكم المطلق . حيث تعزز هذا التوجه ، باندلاع الثورات العالمية وخاصة : الثورة الانكليزية ضد حكم آل ستيوارت ، والثورة الامريكية اثناء حرب الاستقلال عن بريطانيا ، و الثورة الفرنسية ، التي انتزعت السلطة والسيادة من الحكام المستبدين وحولتها الى الشعب او الامة ، واقامت على انقاضها حكومات ديمقراطية اخضعت الكافة الى احكام القانون سواء اكانوا حكاماً أو محكومين أو مؤسسات . ومن ثم اقرت وصانت وضمنت تلك الثورات حقوق وحريات مواطنيها ( 2 ).
ويتعين التمييز بين السلطة الحاكمة المشروعة التي تستند الى رضا غالبية الشعب او المحكومين وقبولهم بالسلطة الحاكمة . وبين الدولة القانونية التي تخضع جميع هيئاتها الحاكمة للقانون الذي يقيدها ويسمو عليها .
النظريات التي فسرت اساس خضوع الدولة للقانون
يجمع فقهاء القانون والعلوم السياسية عامة في الوقت الحاضر، على أهمية خضوع الدولة للقانون . الا انهم اختلفوا حول اساس ذلك الخضوع ومبرراته ، وهو الامر الذي توضحه النظريات الاتية :
اولا-نظرية القانون الطبيعي :
1-مضمون النظرية :
تؤكد هذه النظرية على ان سيادة الدولة مقيدة بقواعد القانون الطبيعي . ومن مؤيدها الفقيه الفرنسي ( لي فير Le Fur ) و الفقيه ( ميجاود Michoud ) ( 1 ).
وتقضي النظرية بان المشرع الوضعي ليس حرا في التشريع ، وانما يتقيد عند اصداره القوانين بان تكون متفقه مع القانون الطبيعي ، حتى يتمكن من تحقيق التوازن الاجتماعي الذي يؤدي الى تحقيق الاستقرار والعدل والمساواة بين الافراد ( 2 ).
وهكذا فالدولة لا تتصرف بإرادتها المطلقة وانما تخضع في تصرفاتها لقوة خارجة عنها واسبق منها في الوجود هي قوة القانون الطبيعي ( 1 ).
2- نقد النظرية :
تعرضت نظرية القانون الطبيعي للانتقادات الاتية :
-ان هذه النظرية لا تقيد سيادة الدولة بأية قيود قانونية ملزمة ، وانما تفرض عليها قيود ادبية واخلاقية وسياسية غير ملزمة ( 2 ).
-غموض فكرة القانون الطبيعي ، حيث اختلفت الآراء بشأنها بين معترف وبين منكر لها ، لا يصح ان تعتمد كأساس لتحديد غيرها ، كما ان ذلك سيجعل الدولة تمارس سلطانها على النحو الذي تريده ( 3 ).
-ان فكرة القانون الطبيعي التي استندت اليها النظرية ، هي مجرد فكرة مثالية تحدد ما ينبغي ان يكون عليه القانون ( 4 ).




ثانيا -نظرية الحقوق الفردية :
1-مضمون النظرية :
تؤكد هذه النظرية على ان هنالك حقوقا فردية أصلية ، سابقة على نشوء الدولة ، و كل تنظيم سياسي فيها . وان تلك الحقوق تسمو على الدولة ، ولا تخضع لسلطانها . وان الفرد دخل حياة الجماعة المنظمة ( الدولة ) بهدف حمايتها ، حيث كان دخوله في الجماعة لم يفقده تلك الحقوق ( 1 ).
وقد خرجت هذه النظرية من حيز الفلسفة الى حيز التطبيق ، خاصة بعدما دعا اليها الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو ، واعتنقت مبادئها الثورة الفرنسية ، ومن ثم تم تسجيلها في اعلان حقوق الانسان والمواطن الفرنسي الصادر عام 1789 ، حيث جاء في المادة الاولى منه : " يولد الافراد ويعيشون احرارا ويتساوون في الحقوق " ، " والغرض من قيام كل جماعة سياسية هو المحافظة على حقوق الانسان الطبيعية التي لا يمكن التنازل عنها ... " ، " وهذه الحقوق الطبيعية لكل فرد لا تقييد ولا تحدد الا بالقدر الضروري الذي يضمن لأفراد الجماعة الاخرين التمتع بنفس الحقوق " ( 2 ).
2- نقد النظرية :
على الرغم من التأييد الذي لاقته هذه النظرية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر ، الا انها قد تعرضت الى العديد من الانتقادات ، لعل من اهمها ما يأتي :
-افتقارها للأساس العلمي لأنها تنسب للفرد حقوقا سابقة على وجود المجتمع وعلى نشأة القانون ( 1 ). وهذا يشير الى تناقض اجزاء النظرية ، فلا يمكن تصور وجود حقوق للفرد في غير وجود الجماعة ، فقد تكون له سلطة مادية على الاشياء ، اذ يفترض وجود شخصين يفرض احدهما ارادته على الاخر ( 2 ).
-ان هذه النظرية تجاهلت دواعي تحقيق التطور الاجتماعي ، حيث تكون الدولة وفقا لها غير قادرة على تقييد نشاط كل فرد الا بالقدر الذي يحمي نشاط جميع الافراد . اي انها تمنع الفرد من الاعتداء على حرية الاخرين ، ولا يمكنها ان تلزمه بعمل شيء من اجل الاخرين ، وهذا الامر يتعارض مع اهداف الدولة الحديثة ( 3 ).
-ان الحق الفردي لا قيمة له ما لم يحدد مضمونه وتبين وسائل استعماله وفق القانون ، ومن ثم لا يمكن ان تكون الحقوق الفردية قيودا فعالة على نشاط الدولة ، لأنه لا أثر لها قبل تدخل الدولة من اجل تنظيمها ( 4 ). وبذلك عجزت النظرية عن تحقيق اهدافها ( 5 )، وهي لا تقدم قيدا حقيقيا على سلطان الدولة بل تؤدي الى ان يكون هذا السلطان لاحد له ( 6 ).
ورغم تلك الانتقادات ، فان لهذه النظرية قيمة سياسية اكثر مما هي قانونية ، وذلك لان تقرير الحقوق الفردية من خلال تضمينها في وثائق اعلانات الحقوق كوثيقة اعلان حقوق الانسان والمواطن الفرنسي ، ومقدمات الدساتير الفرنسية المتتالية ، ردع المشرع من انتهاكها او اختراقها ، خاصة عندما يدرك قوة الراي العام ومدى تأثيره عليه ( 1 ).
ثالثا -نظرية التحديد الذاتي للسيادة او للإرادة :
1-مضمون النظرية :
جاءت هذه النظرية في سياق جهود جانب من الفقه الالماني امثال : ( أهرنج Ihring ) ، ( جلينيك Jell neck ) ، من اجل التوفيق بين فكرة السيادة وخضوع الدولة للقانون ، وايدهم في ذلك بعض الفقهاء الفرنسيين منهم الفقيه كاريه دي مالبير و الفقيه فالين ( 2 ).
لقد اكدت هذه النظرية على ان القواعد القانونية التي تحكم نشاط السلطات العامة لا يمكن الا ان تكون من صنع الدولة ، ذلك ان الدولة هي صاحبة السيادة . ولا يعني ذلك ان تكون سلطة الدولة مطلقة ، لأنه ليس من مستلزمات السيادة ان تكون السلطة مطلقة دون حدود ، بيد ان من طبيعة الدولة ذات السيادة ان تضع بنفسها القواعد التي تقييد سلطانها . ولن تكون الدولة صاحبة سيادة كاملة اذا كانت تلك القواعد تفرض عليها من سلطة او بإرادة اعلى منها ( 3 ).
ويذهب الفقيه الالماني ( جلينيك Jell neck ) الى انه مالم تخضع الدولة للقانون الذي صنعته ، فان ما يعد قانونا ملزما بالنسبة للأفراد لن يكون قانونا بالنسبة للدولة . وهذا غير ممكن لان القاعدة لا تكون قانونية وغير قانونية في نفس الوقت وداخل نظام قانوني واحد ، الا في الدولة الدينية ( 1 ).
ويمكن القول ان الدولة مقيدة دائما بالقانون رغم استطاعتها الغاؤه ، لأنها عندما تقوم بذلك الفعل فأنها سوف تسن قانونا غيره او بديلا عنه وتلتزم بأحكامه ويكون قيدا على سيادتها بدلا من القيد الملغى ( 2 ).
ووفقا لدعاة هذه النظرية فان القانون ليس غاية في حد ذاته ، وانما هو وسيلة لتحقيق غاية الدولة في حفظ أمنها وضمان استقرارها وتقدمها ، ومن ثم فلا يعقل ان تعمل الدولة على تهديد أمنها واستقرارها اذا ما تعدت حدود القانون ( 3 ).
2- نقد النظرية :
لقد انتقدت هذه النظرية بقوه من قبل الفقه الفرنسي خاصة من قبل ميشو و لوفير وديجي ، فقد اكد الفقيه الفرنسي ( ديجي ) على ان خضوع الدولة للقانون الذي تضعه وتعدله هي وحدها لا يكون خضوعا حقيقيا ، ونكون امام سلطة مطلقة لا حدود لها . ويتساءل ( ديجي ) عن الاسباب التي يمكن ان تدفع الدولة وهي تحتكر استخدام القوة ، الى الخضوع للقانون الذي وضعته ؟ ( 1 ).
ويرد الفقيه ( اهرينج Ihering) على ذلك ، بانه من المنطق ان تخضع الدولة للقانون الذي وضعته لما لها من مصلحة اكيدة في ذلك ، اذ ان الدولة حين تلتزم القانون تكتسب سلطة اقوى على الافراد وتضمن احترامهم لقوانينها . كما يضيف ( جلينيك Jell neck ) ان الدولة لا تخضع للقانون فقط ، بل ايضا لتؤكد التلازم الموجود بين فكرة الدولة و وجود نظام قانوني ، لأنه من تعريفها يظهر انها تفترض وجود ذلك النظام ( 2 ).
كما كان اعتراض انصار نظرية القانون الطبيعي الفقهاء ميشو و لوفير على هذه النظرية يتركز على عدم صحة القول بأن الدولة هي التي تخلق القانون ، لأن فكرة القانون سابقة على نشوء الدولة ، كما إنه اسمى منها ، والدولة لا تخضع لقيد ذاتي من صنعها ، بل تخضع للقانون الطبيعي الذي يسمو عليها ويحد من سلطانها ( 3 ).
وعلى الرغم من هذه الانتقادات ، الا انه يرى الدكتور محمد المشهداني ، ان نظرية التحديد الذاتي تظل اقرب من غيرها من النظريات الى حقيقة الواقع ، وبعد عن التصور والخيال والاعتماد على الفروض الجدلية الوهمية ، وقد تضمنت تحديدا منطقيا سليما لفكرة سيادة الدولة التي تحترم القانون وتخضع له ، واذا كانت هذه النظرية غير كافية لتفسير خضوع الدولة للقانون ، الا انها تساهم و لاشك مع غيرها في حل هذه المشكلة ( 4 ).
رابعا-نظرية التضامن الاجتماعي للفقيه الفرنسي ( ليون ديجي ):
1-مضمون النظرية :
تقوم نظرية ( ديجي ) على اساس ان الفرد كائنا اجتماعيا بطبيعته لا يحيا الا في نطاق الجماعة ، وان اساس الحياة في الجماعة هو التضامن الاجتماعي ( 1 ).
كما قامت هذه النظرية على اساس المصدر غير الارادي للقانون ، اي عدم تدخل ارادة الحاكم في عمل القانون .
فالقاعدة تكتسب الصفة القانونية والالزامية لا بسبب اصدارها بواسطة سلطة عامة ، ولكن بسبب اتفاقها مع مستلزمات التضامن الاجتماعي والعدالة .
ومن ثم تكون لها الصفة القانونية لذاتها وبذاتها ، اذ ان مقتضيات التضامن الاجتماعي صفة ذاتية فيها لا دخل لإرادة الحاكم في وجودها ، وبذلك يظهر الانفصال بين القانون في مصدره وبين الدولة ، الامر الذي من شأنه ان تتقيد الدولة بالقانون ، لان القاعدة القانونية تنشأ بمجرد ان يستقر في ضمير الجماعة ضرورة وجودها ، ومن دون تدخل من الدولة ( 2 ).
يرى الفقيه ( ديجي ) ان هنالك قانون اعلى ( القاعدة القانونية ) قد وجد قبل ان توجد الدولة ، وان كل التشريعات في الدولة يجب ان تخضع لهذا القانون الاعلى الذي هو من خلق النظام الاجتماعي وليس وليد ارادة المشرع ( 3 ).
2- نقد النظرية :
انتقدت نظرية الفقيه الفرنسي ( ديجي ) على اساس ما يأتي :
- انه قد انكر على الدولة حتى مجرد سلطة اعطاء الصفة الوضعية للقاعدة القانونية ، وادعى بانها تكتسب هذه الصفة بمجرد اعتناق الافراد لها ورسوخها في ضمائرهم .
ولكن القانون الوضعي هو المطبق فعلا في الدولة . ومن ثم لا يمكن تصور اكتساب الصفة الوضعية لقاعدة ما قبل تدخل سلطة مختصة . وهذا يشير الى ان الاساس الذي اعتمده الفقيه الفرنسي ( ديجي ) في خضوع الدولة للقانون ليس اساسا قانونيا ولايعدو ان يكون اساسا اخلاقيا ( 1 ).
-عدم امكانية خلع الصفة القانونية الالزامية على القاعدة دون ان يكون لها جزاء منظم لحمايتها . اي ان القاعدة القانونية لا تكتسب الصفة القانونية الالزامية دون ان يكون لها جزاء يحميها ( 2 ). وكما يقول الفقيه الفرنسي ( اندريه هوريو ) : " لا حكم للقانون في أي مكان بغير سلطة تحميه " ( 3 ) ، ويضيف بان هنالك صلات وثيقة بين السلطة والقاعدة القانونية ، فالقواعد القانونية لاتصدر عن الهيئة الاجتماعية وانما تصدر من السلطة ( 4 ).
-لم تسلم النظرية من الخيال ، حيث اغفلت حقيقة اخرى مناهضة لحقيقة التضامن وهي حقيقة الصراع والتنافس بين الافراد تلك الحقيقة ذات الاثر الاقوى في المجتمع ( 5 ).







المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .