انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

أصل نشأة الدولة وأساس سلطتها

الكلية كلية القانون     القسم قسم القانون العام     المرحلة 2
أستاذ المادة علي هادي حميدي الشكراوي       12/16/2011 11:35:10 AM
أصل نشأة الدولة وأساس سلطتها
جامعة بابل – كلية القانون / المرحلة : الثانية / مادة : النظم السياسية
استاذ المادة : الأستاذ الدكتور علي هادي حميدي الشكراوي
يختلط موضوع البحث في تحديد أصل نشأة الدولة واساس السلطة فيها ، وذلك لان معرفة الظروف والعوامل التي ادت الى ظهور الدولة يؤدي في نفس الوقت الى تحديد الاساس الذي تقوم عليه سلطتها . كما ان الدولة لا تنشأ بكامل اركانها الا بعد قيام السلطة السياسية على اقليمها ( 1 ).
وقد اختلف فقهاء القانون الدستوري بشأن تحديد أصل نشأة الدولة واساس السلطة فيها ، وتمركزت آرائهم حول خمسة اتجاهات متمايزة ، تجسدت في : النظريات الثيوقراطية او التي استغلت الدين لغايات سياسية ، والنظريات الديموقراطية ، ونظرية القوة ، ونظرية التطور العائلي ، ونظرية التطور التاريخي او الطبيعي . وفيما يأتي ايجازا لتلك الاتجاهات :
-الاتجاه الاول : النظريات الثيوقراطية
تخلص النظريات الثيوقراطية الى ان الدولة هي نظام الهي ، وان السلطة فيها مصدرها الله ، فهو الذي يختار الحكام الذين تسمو ارادتهم على ارادة المحكومين ، حيث ان الارادة الالهية هي التي منحت الحكام السيادة والسلطان ( 2 ).
لقد استخدمت هذه النظريات لتعزيز سلطة الملوك وتبرير استبدادهم ، وعدم فرض رقابة عليهم وعلى اعمالهم ، طالما هم غير محاسبين الا امام الله ، على اساس ان طبيعتهم تسمو على الطبيعة البشرية وارادتهم تعلو على ارادة المحكومين ( 3 ).
واذا اتفقت النظريات الثيوقراطية في تأسيس سلطة الحكام على اساس ديني ، الا انها اختلفت فيما يتعلق باختيارهم . فنظرية الطبيعة الالهية للحاكم تعتبره الها لشعبه فتكون سلطاته مطلقة عليهم وعلى اقليمهم ، فهو صاحب السلطة والسيادة أصلا . وقد قامت المدنيات القديمة عموما في العراق ومصر وبلاد فارس والهند والصين وروما .
اما نظرية الحق الالهي المباشر او التفويض الالهي فإنها تعتبر الحاكم انسان من البشر يختاره الله ويودعه السلطة ، فتكون سلطاته مطلقة ايضا . وقد انتشرت هذه النظرية بظهور المسيحية وتبني رجال الكنيسة لها في بداية عهدها ( * )، بهدف تدعيم سلطة الامبراطور والخضوع لولائه ، واعتبار سلطته مستمدة من الله ، حيث قال القديس بولص : " ان كل سلطة مصدرها الارادة الالهية ، ومن ثم تكون سلطة الحاكم ملزمة لأنه ليس الا منفذّا لإرادة الله ، ومن عصا الأمير أو الحاكم فقد عصا الله " . وذهب البابا ليون الثالث عشر في اواخر القرن التاسع عشر الى ان الحكام يستمدون سلطانهم من الله مباشرة وان الشعب لا يملك منحهم سلطة الحكم لان الله وحده هو مصدر كل سلطة على الارض ( 1 ).
بينما نظرية الحق الالهي غير المباشر او العناية الالهية ، فإنها تعتبر ان الاله لا يختار الحاكم مباشرة ، وانما يقوم الشعب باختياره ولكن عن طريق ارشاده من قبل الاله . وقد اعتمدت هذه النظرية في العصور المسيحية الوسطى من قبل رجال الكنيسة بهدف الحد من استبداد وطغيان الاباطرة ( 2 ).
ان هذه النظريات قد استعملت لتحقيق اغراض بعيدة كل البعد عن الجانب الاخلاقي حيث استند اليها الحكام لتبرير سلطانهم المطلق فاستبدوا وظلموا وطغوا . فضلا عن ذلك فان الكنيسة استعملت هذه النظريات لإثبات ان سلطانها يفوق سلطة الحاكم لان الكنيسة تستمد سلطانها من الله مباشرة ، وظلت الكنيسة تحكم أوربا حوالي الف عام تحت هذه الحجة ( 1 ).
-الاتجاه الثاني : النظريات الديموقراطية
تقوم النظريات الديموقراطية على اساس ان السلطة مصدرها الشعب ، ومن ثم لا تكون سلطة الحاكم مشروعة الا اذا كانت وليدة الارادة الحرة للجماعة المحكومة ( 2 ).
ولعل من أهم النظريات التي قيلت في هذا الشأن هي نظريات العقد الاجتماعي التي طرحها فلاسفة اليونان ورجال الدين في أوربا بقصد محاربة الملوك لحساب السلطة الباباوية . ولكن اشهر الفلاسفة الذين نادوا بها ، هم : توماس هوبز ، و جون لوك ، وجان جاك روسو . وقد اتفق هؤلاء الفلاسفة على اساس نشأة الدولة وهو العقد الاجتماعي ، الذي انتقل الأفراد بمقتضاه من حياة الفطرة الى الحياة الجماعية المنظمة بهدف اقامة سلطة حاكمة ( 3 ).
فأصل الدولة يرجع الى الارادة المشتركة لأفراد الجماعة ، اي ان الافراد اجتمعوا واتفقوا على انشاء مجتمع سياسي يخضع لسلطة عليا ، ومعنى ذلك انهم اتفقوا على انشاء دولة ، فالدولة وجدت نتيجة عقد اجتماعي ابرمته الجماعة ( 4 ).
لقد كان لهذه النظريات سبق الفضل في الاسهام في تقرير حقوق الانسان وحرياته ، وترويج المذاهب الديموقراطية خصوصا المذهب الفردي ، وكانت المعين الفكري للحركات السياسة والتعديلات الدستورية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، إلا أنها كانت أكبر أكذوبة سياسية ناجحة عرفها التاريخ ( 1 ).
وعلى الرغم من ذلك ، فقد تعرضت للنقد الشديد من جانب الفقه لما تضمنته من عيوب ، حيث ان فكرة العقد هي فكرة خيالية ، فلا توجد أمثلة لدول نشأت عن طريق العقد . وهي تقوم على افتراض وهمي ، فلم يكن الفرد يعيش حياة عزله اجتماعية . وان فكرة التعاقد ذاتها غير متصورة عملا لعدم امكانية الحصول على رضاء جميع الافراد ، وهي تخالف الاصول القانونية لان القوة الالزامية للعقود لا توجد الا بوجود الجماعة . كما ان افتراض تنازل الافراد عن الحريات والحقوق السياسية او بعضها ، يصطدم مع حالة الحقوق الشخصية التي لا يجوز ان تكون محلا للتعاقد او التنازل ( 2 ).
-الاتجاه الثالث : نظرية القوة
تدعي هذه النظرية ان أساس السلطة هي القوة . وان نظام الدولة هو نظام مفروض عن طريقها ، وفيه يفرض صاحبها سلطته على الاخرين الذين يمتثلون لقوته ويخضعون لسلطته . وخير دليل على ذلك طريقة نشوء الدول التاريخية القديمة على أساس القوة .
من انصار هذه النظرية المفكر الألماني أوبنهايمر Oppenheimer والمفكر الفرنسي شارل بودان Charles Beudan ، حيث يرى أوبنهايمر ان الدولة تقوم على القوة وحدها ، وهي تنظيم اجتماعي فرضه صاحب القوة الأكبر بقصد استغلال الضعفاء اقتصاديا . اما شارل بودان فيرجع الى ان أصل الجماعة السياسية الى الاتفاق أو الى القوة ، ويذهب الى ان القوة هي المصدر الرئيسي نظرا لتجرد القدامى من الفضيلة واعتمادهم على العنف والقوة ( 1 ).
ورغم ذلك لا يمكن التسليم بهذه النظرية ، فالسلطة أيا كان وضعها لا تستطيع ان تفرض لنفسها الاستمرار عن طريق القوة المادية وحدها ، وانما يلزم رضاء المحكومين عنها وقبولهم طوعا الامتثال لأوامرها ( 2 ).
-الاتجاه الرابع : نظرية التطور العائلي
تستند هذه النظرية الى فكرة السلطة الأبوية ، فالأسرة ، تطورت فكونت عشيرة ، ثم قبيلة ، ثم مدينة سياسية ، ثم دولة . وهكذا فالدولة كانت في أصلها أسرة باعتبارها الخلية الاولى في المجتمع ، ومن ثم يكون أصل سلطة الحاكم يعود الى سلطة رب الأسرة الذي كان يملك سلطة الأمر والنهي بالنسبة لأفراد أسرته ( 3 ).
على الرغم مما بين الاسرة والجماعة السياسية من بعض الشبه ، فان هذه النظرية لا تصلح لتفسير اصل نشأة الدولة ، كما ان السلطة السياسية المجردة والدائمة ، لا يمكن ان تعد مجرد تطور لسلطة رب الاسرة المؤقتة الزائلة بزواله . فلاشك ان اهداف الدولة اوسع من اهداف العائلة ، حيث تستمر لأجيال متعاقبة . كما ان نشوء الدول لم يكن نتيجة تطور اسرة معينة بل قامت نتيجة ظروف وعوامل سياسية واقتصادية مختلفة ( 4 ).


-الاتجاه الخامس : نظرية التطور التاريخي أو الطبيعي
تعد هذه النظرية اكثر النظريات اعتمادا عند الفقهاء المعاصرين ، اذ رفض الفقه الحديث ما سبقها من نظريات لإسرافها الشديد في محاولة كل منها الانفراد في الاساس الذي اعتمدت عليه لتبيان أصل نشأة الدولة ( 1 ).
وتذهب هذه النظرية الى ان الدولة قد اعتمدت في قيامها على عوامل عديدة ومتنوعة ، اختلفت في اهميتها من دولة لأخرى وفقا لاختلاف طبيعتها وتاريخها وظروفها الاجتماعية والاقتصادية . ونتيجة لتفاعل تلك العوامل ، فقد ظهر ترابط بين افراد الجماعة رغبة في العيش المشترك ، وفي تحقيق مصالح مشتركة ، ثم تطورت تلك الجماعة فصارت دولة . وتبعا لما تقدم ، تكون كل دولة من حيث النشأة مختلفة عن الاخرى ، نتيجة لاختلاف ظروفها التاريخية واحداثها الاجتماعية والاقتصادية التي ساهمت في انشائها ( 2 ).
وهكذا فان عوامل نشأة الدولة تختلف من مجتمع لآخر بحسب ظروفه الخاصة ، ففي بعض المجتمعات كانت رابطة الدم ذات تأثير قوي في تطور الدولة لأنها كانت رباطا وثيقا في المجتمع ، وكان لها اهمية في حياة الفرد والعائلة والعشيرة والقبيلة التي ارتبطت فيما بينها فتكونت من مجموعها الدولة . كما كان للدين اكبر الاثر في تكوين الدولة في مجتمعات اخرى باعتباره الوعي الذي يشكل افكار الافراد وعاداتهم ، وفي احيان اخرى كانت اللغة الواحدة او العادات المشتركة او الأهداف المشتركة عوامل اساسية في نشأة الدولة ( 3 ).
ومن اهم الفقهاء الذين تبنوا هذه النظرية هو الفقيه ( ديجي ) ، الذي يعتبر الدولة بمثابة ظاهرة اجتماعية تحكمها فكرة الاختلاف السياسي ، أي تتحقق بقيام التفرقة بين الحكام والمحكومين ، حيث يفرض الحكام ارادتهم بالقوة المتعددة الجوانب على المحكومين سواء اكانت مادية او غير مادية ( 1 ).
وقد تعرضت نظرية ( ديجي ) للنقد من جانب بعض الفقهاء ، فيقول الفقيه ( بيردو ) انها لا تبين الاساس الذي يقوم عليه خضوع المحكومين للحكام سوى القوة ، الامر الذي يتنافى مع مبدأ مشروعية السلطة في الدولة ( 2 ).
وهذا النقد غير سليم لان القوة التي يستخدمها الحاكم حيال المحكومين لا تكمن فقط في القوة المادية وانما ايضا في توظيف قوة شخصيته او تأثيره او حنكته السياسية او قوته الفكرية او الادبية ، بهدف ضمان رضا واقتناع وامتثال المحكومين لأوامره وقراراته ( 3 ).
وهذا التفسير لمعنى القوة هو الذي يميز نظرية ( ديجي ) عن نظرية القوة ، ومن ثم يمكن للسلطة التي تقوم على اساس القوة المادية ان تتحول من سلطة غير مشروعة الى سلطة مشروعة ، وذلك اذا تمتعت تلك السلطة برضاء المحكومين وخضوعهم للحكام طوعا غير مستند على الخوف من بطشهم ، بحيث يكون اساسه ما يقدمه الحكام للمحكومين من خدمات ومنافع يكسبهم نفوذا ادبيا قويا على المحكومين فيرتضون حكمهم ( 4 ).


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .