ثالثاً : محددات الأنفاق العام في الدولة العربية الريعية
يخضع تحديد حجم الأنفاق وحدوده بصورة عامة الى مجموعة من العوامل لعل أهمها تلك التي ترتبط بطبيعة النظم السياسية القائمة وطبيعة الهيكل الأقتصادي ومايتصل به من حيث مستوى النشاط الأقتصادي السائد ومدى التقلبات الأقتصادية فيه، فضلاً عن المقدرة المالية للدولة(3). وبنفس المعنى يرى الدكتور رفعت المحجوب أن إختلاف حجم النفقات العامة من دولة الى أخرى خاضع الى دور الدولة والإيرادات العامة وحالة النشاط الاقتصادي وتغير قيمة النقود(4). غير أن للدولة العربية الريعية خصوصية قد تخرج فيها عن إطار تلك المحددات ناشئة من طبيعة إقتصاديات تلك الدول ونظرة أصحاب القرار الى العائد ألريعي والى إعتبارات سياسية متعلقة بالأنظمة القائمة في تلك البلدان .
فالمقدرة التكليفية التي تتمثل في مقدرة الدخل القومي على تمويل تيار الإيرادات العامة عن طريق الضرائب والتي تعد من أهم محددات الأنفاق العام في معظم بلدان العالم لم تكن لها أي فاعلية في تلك البلدان ، بالرغم من أن المقدرة التكليفية القومية والجزئية عالية جداً ، وإن هذا المصدر معطل بصورة شبه تامة في الوقت الحاضر ، لعدم وجود ضرائب على الدخل واقتصار الضرائب على الشركات النفطية وبنسب ضئيلة بلغت في أحسن أحوالها 11% في عام 1990 تراجعت بعد ذلك لتصل الى 3% في العام 2005 إذ اعتمدت تلك البلدان كلياً على الإيرادات النفطية . وكذلك الحال بالنسبة للمقدرة الاقراضية فبالرغم من أن هذا المحدد يدخل في حسابات معظم البلدان في العالم فإنهُ في البلدان الريعية هو الآخر غير ذي فاعلية لعدم وجود حاجة إليه بظل الوفورات المالية إذ أنها تلجأ احياناً في حالة حصول عجز في ميزانيات احدى الدول الى إحتياطاتها النقدية المودعة في البنوك الأجنبية أو المحلية ، وبجانب تلك الخصائص التي إتسمت بها الأقطار العربية الريعية نستطيع أن نجمل محددات الأنفاق في تلك البلدان بالآتي :
-دور الدولة في تحديد حجم الأنفاق العام
ليس ثمة شك في العلاقة الموجبة بين نمو دور الدولة وحجم الأنفاق العام وهذا الفرض من اكثر الفرضيات التي شهد تقلبات حادة ضمن الفكر الأقتصادي إذ أدرك التجاريون أهمية دور الدولة في النشاط الأقتصادي لكي يتجنبوا مصير أقرانهم من طبقة ملاك الأراضي ، فكان مقياس قوة الدولة لديهم هو رصيدها من الثروة المتمثلة في الذهب والفضة(1). وإذا كانت الحكمة المألوفة لدى التجاريين هو ضرورة تدخل الدولة في النشاط الأقتصادي ، جاء الفكر الكلاسيكي على النقيض من ذلك ليحيّد دورها بحيث وصفت بالدولة الحارسة (Gaurdion state )(2). لا بل حدد البعض من رواد هذا الفكر بأن النفقات العامة يجب أن لاتتعدى 5-25% من الدخل القومي(3). وفي عودة المذهب التدخلي(intervention Doctrine ) في المدة التي اعقبت أزمة النظام الرأسمالي في الثلاثينات من القرن الماضي . فإن الأنفاق العام قد إزداد حجماً وتنوعاً. حيث أوجبت هذه المذهبية ضرورة تدخل الدولة في مجالات النشاط الأقتصادي والاجتماعي ولم تعد الدولة تقتصر على الوظائف التقليدية بل إمتدت الى وظائف أخرى الغرض منها تحقيق التوازن الأقتصادي.ويتعاظم دور الدولة في المذهبية الجماعية (Collective Doctrine) حيث الفلسفة السائدة تملك الجماعة لأدوات الإنتاج وتولي الدولة نيابة عنها القيام بكافة أوجه النشاط الإنتاجي فضلاً عن وظائفها التقليدية ، الأمر الذي ادى الى تعظيم حجم الأنفاق العام.
وفي معظم الدول المنتجة والمصدرة للنفط يرجع الدخل المتولد عن الثروة النفطية الى الحكومة أما بشكل ملكية مباشرة أو بشكل غير مباشر عن طريق الضرائب ولهذا تكون قرارات الحكومة التي تتعلق بالأنفاق العام مؤثرة في مختلف النشاطات سواء أكانت الأقتصادية أم الخدمية أم الاجتماعية وفي معظم تلك البلدان فإن الزيادة الكبيرة في عائدات النفط بسبب إرتفاع الأسعار في عقد السبعينات من القرن الماضي وفي النصف الأول من العقد الحالي قد خلقت فرصة ذهبية لحكومات هذه الدول من أجل القيام بمشروعات طموحة وبالفعل فقد تحقق البعض منها من خلال سياسة الأنفاق العام وبفضل الثروة النفطية الكبيرة من دون الحاجة الى اللجوء الى الضرائب أو الدين العام.
ولقياس حجم دور الدولة في النشاط الأقتصادي في تلك البلدان تم إختيار ثلاثة معايير هي مؤشر الإنفاق العام والاستهلاك العام والاستثمار العام ونسبة كل واحد منها الى الناتج المحلي الإجمالي كونها تمثل الجوانب الأساسية من جوانب التدخل الحكومي في النشاط الأقتصادي .
وفي عرض لهذه المؤشرات في الجدول (2/3) نلاحظ أن درجة تدخل الدولة في السنوات الأولى للمدة (1970-2005) كبير نسبياً وقد تزامن مع الزيادة في اسعار النفط عام 1973 إذ إزداد متوسط إجمالي الأنفاق العام لتلك البلدان من 44.25% خلال عقد السبعينات الى 51.38% خلال النصف الأول من الثمانينات إلا انه نتيجة لتدهور عائدات النفط فقد أدى ذلك الى تناقص مستويات الأنفاق العام ، وكان لتباطؤ معدلات نمو الأنفاق العام مقارنة في التباطؤ في معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي ، أثراً أدى الى إنخفاض نسبة الأول الى الثاني الى 48.13% خلال النصف الثاني من عقد الثمانينات ، ومن ثم إستمرت تلك النسبة بالانخفاض تدريجياً الى أن وصلت الى 31.15% خلال النصف الأول من العقد الحالي ، إلا أن الاستهلاك العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي قد واصل نموه المتصاعد حتى نهاية النصف الأول من عقد التسعينات ، في حين حافظت تلك المجموعة بمعدلات نمو متوازنة تقريباً في الاستثمار العام حتى نهاية النصف الأول من عقد الثمانينات ومن ثم أخذ بعد ذلك بالانخفاض التدريجي حتى نهاية عقد التسعينات .
وتعود معدلات النمو المتزايدة في الاستهلاك العام والاستثمار العام في عقد السبعينات وبداية الثمانينات الى إهتمام تلك الحكومات باستغلال فرصة إزدهار العوائد النفطية في توفير السلع والخدمات ذات الصبغة العامة والى الاهتمام ببناء مشروعات البنية الأساسية التي كانت تفتقر لها تلك البلدان ، فضلاً عن أن ما يزيد في حجم النفقات العامة على السلع الاستهلاكية والاستثمارية هو إرتفاع تكاليفها خاصة إن إمكانية تطوير إنتاجيتها تعتبر محدودة جداً(1). وفي المدة (1985-2000) تكون بعض تلك الأقطار قد إستكملت معظم مشروعات البنية التحتية حيث إنخفض الاستثمار العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي ، إضافة الى أن إنخفاض الأستثمار العام في تلك المرحلة يتناغم مع كافة الأدبيات الأقتصادية وخاصة مع نظرية موسغريف (Musgrave ) حول الأحتياطات الاجتماعية ، إذ يكون الاستثمار العام عالياً في المراحل الأولى للتنمية الاقتصادية ، فإن هذا يحدث من إجل تطوير رأس المال الأجتماعي ومن أجل توفير بعض السلع الخاصة بسبب غياب المهارات الأساسية والتراكم الرأسمالي لدى القطاع الخاص . وفي المراحل المتوسطة تكون الاستثمارات الحكومية مكملة لأستثمارات القطاع الخاص في توفير الاستثمارات الاجتماعية وفي المراحل الأخيرة فإن إجمالي الأستثمارات كحصة من الناتج المحلي الإجمالي تتجه الى الأرتفاع بينما تتجه الأستثمارات العامة الى الانخفاض أو البقاء ثابته مما يعني أن حصتها من الناتج المحلي الإجمالي تتجه للأنخفاض(2).وفي الوقت الذي إنخفض فيه الأستثمار العام نجد أن معدل نمو الأستهلاك العام مايزال في تزايد مستمر حتى النصف الثاني من عقد التسعينات ، على الرغم من أن موازنات تلك الدول كانت تعاني من عجز طيلة عقدي الثمانينات والتسعينات ، كان ذلك حرصا"من تلك الحكومات بعدم الإخلال في النمط الاستهلاكي السائد طيلة فترة إزدهار العائدات النفطية لأعتبارات سياسية واجتماعية(3). ومع أن تلك المؤشرات وحدها لاتعكس بصورة كاملة مدى تدخل الدولة في النشاط الأقتصادي إلا أنها عكست جوانب مهمة لدور الدولة واثره في تحديد حجم الأنفاق العام . ويمكن القول بأن التدخل الحكومي سواء في الأنفاق الأستهلاكي أو الاستثماري كان ضرورياً في السنوات الأولى للتنمية بسبب محدودية إمكانية القطاع الخاص في معظم تلك البلدان وفي المراحل اللاحقة وخاصة خلال الفترة (1995-2000) فإن الحاجة الى مثل هذه الأستثمارات بدأت تنخفض بشكل تدريجي. وإن التفاوت الحاصل في نسبة التدخل الحكومي يعود الى مؤشرات خارجية وبالذات التقلبات في السوق النفطية وبدورها تنعكس على حجم الإيرادات الحكومية .
جدول (2/3)
المؤشرات الأساسية لدور الدولة الاقتصادي في الدول العربية الريعية(%)
الدولة 1970-1980 1980-1985 1985-1990 1990-1995 1995-2000 2000-2005
السعودية
الإنفاق العام/الناتج المحلي الإجمالي 56.3 68.5 52.6 45.7 33.3 32.5
الاستهلاك العام/الناتج المحلي الإجمالي 17.8 30.0 35.1 27.9 25.7 25.1
الأستثمار العام /الناتج المحلي الإجمالي 24.8 29.5 19.8 14.1 13.8 13.4
الكويت
الإنفاق العام/الناتج المحلي الإجمالي 307 45.7 58.9 58.0 43.2 34
الاستهلاك العام/الناتج المحلي الإجمالي 12.3 18.4 26.4 44.6 27.6 22.3
الأستثمار العام /الناتج المحلي الإجمالي 8.6 11.5 9.3 8.5 10.4 11.2
الإمارات العربية المتحدة
الإنفاق العام/الناتج المحلي الإجمالي 31.0 33.9 37.7 41.0 36.8 29.0
الاستهلاك العام/الناتج المحلي الإجمالي 11.2 13.6 19.9 17.0 16.7 14.2
الأستثمار العام /الناتج المحلي الإجمالي 13.6 7.6 5.8 6.4 6.4 5.4
قطر
الإنفاق العام/الناتج المحلي الإجمالي 49.1 5.6 50.3 47.6 39.9 25.8
الاستهلاك العام/الناتج المحلي الإجمالي 16.1 25.4 40.4 33.4 28.6 17.1
الأستثمار العام /الناتج المحلي الإجمالي 16.6 11.9 6.3 5.9 5.2 7.4
عمان
الإنفاق العام/الناتج المحلي الإجمالي 54.7 46.9 46.9 44.7 36.8 36.4
الاستهلاك العام/الناتج المحلي الإجمالي 27.0 25.4 32.0 31.4 27.8 21.5
الأستثمار العام /الناتج المحلي الإجمالي 16.9 11.1 8.9 8.5 8.1 8.2
ليبيا
الإنفاق العام/الناتج المحلي الإجمالي 43.7 57.3 42.4 31.6 35.5 29.2
الاستهلاك العام/الناتج المحلي الإجمالي 23.2 23.6 17.1 21.0 23.1 12.6
الأستثمار العام /الناتج المحلي الإجمالي 21.4 25.0 12.8 11.1 10.3 11.9
متوسط إجمالي الإنفاق العام/G.D.P 44.25 51.38 48.13 44.76 37.58 31.15
متوسط إجمالي الاستهلاك العام/G.D.P 17.93 22.73 28.48 29.21 24.91 18.8
متوسط إجمالي الاستثمار العام/G.D.P 16.98 16.1 10.48 9.08 9.3 9.58
الجدول من احتساب الباحث بالاعتماد على المصادر الآتية :
1- الأعوام (1970-1990) د. عبد الرزاق الفارس ، الحكومة والفقراء والأنفاق العام ،ط1( بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ،1997)،ص48.
2- الأعوام من (1990-2004) ، صندوق النقد العربي ، الحسابات القومية للدول العربية ، العدد 24 لسنة 2004 والعدد 25 لسنة 2005 ، أبو ظبي ، صفحات متعددة .
3- العام 2005 ، الأمانة العامة لجامعة الدول العربية ومنظمات أخر ، التقرير الأقتصادي العربي الموحد (ابوظبي ،2006) ، صفحات متعددة .