انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية القانون
القسم قسم القانون العام
المرحلة 2
أستاذ المادة حامد عباس محمد المرزوك
6/25/2011 4:08:32 AM
واقع الدولة العربية الريعية ما قبل الريع النفطي ليس من السهل على الباحث أن ينتزع الحقائق في خضم هذا الكم الهائل من الكتابات حول تأريخ منطقة الخليج والجزيرة العربية إذ تناقضت فيها آراء المؤرخين والباحثين والسياسين ، فكل منهم يقرر ويحلل حسب مذهبيته إما ماركسية فيحاول لهذا السبب أن يجعل الواقع ينسجم ومذهبيته وإما ينطلق من مذهبية غربية ليبرالية يحاول تصوير الواقع بأنه مجتمع قبلي يعاني من آثار الجفاف والتصحر ويرتكز حول الدور التجاري الدولي الوسيط(1). وأياً كان أولئك الكتاب فإن بعض هذا الجهد يزخر بالمادة العلمية والمعلومات الوافرة وقد أسهموا بالكشف عن واقع الحال لمنطقة الخليج العربي والجزيرة العربية غير أن البعض منهم أضفى قدراً مبالغاً فيه من الشاعرية على إسلوب الحياة القبلية وأخرى يغلب عليها طابع الأفتقار إلى البعد ألتأريخي والرؤية التأريخية(2). ولست أزعم بتقديم فهم مختلف عما سبق بقدر ما ندرك الطبيعة الأقتصادية –الاجتماعية السياسية لتلك المجتمعات لينكشف لنا هل أن الحاضر وليد طبيعي للبنية الحضارية الماضية أم أنه مسخاً أفرزته الصناعة النفطية . إلا إن القدر المتيقن من ذلك إن الجفاف والتصحر هما السمة البارزة في جغرافية الخليج والجزيرة العربية وإن ذلك قد أثر تأثيراً واضحاً على توزيع السكان بين مختلف أنحائها وعلى نمط حياتهم وطرائق تحصيل معاشهم ، فالتجأوا إلى البحر لصيد الأسماك والغوص على اللؤلؤ وإمتهنوا التجارة والزراعة التقليدية في بعض الأماكن وصناعة السفن والحرف البسيطة في أماكن أخرى(1). إن هذه السمات المشتركة التي تجمع شتات هذا المهرجان المغرق في القدم من التحضر والبداوة والتعبد والتمرد ، ومن الجماعات الغازية العابرة ، ومن قوافل التجارة والحج ، ومن صخب الأسواق وسكون الصحراء ، ومن إختلاط البداوة بالجهاد، والجهاد بالتجارة ، والتجارة بالزراعة في تفاعل وذوبان متصل لا ينقطع فإنهم طيلة المدة التي سبقت إكتشاف النفط يجمعهم هدف واحد هو التغلب على قوى الطبيعة القاسية(2). وتعّد التجارة أهم أساليب توليد الفائض الاجتماعي وأنها شبكة عريضة من العلاقات والنشاطات المتباينة النمو والنضوج تسير في إتجاهين إلى الخارج فتؤدي إلى نمو المدن الساحلية والى الداخل فتولد التحالفات القبلية الرئيسية حول مدن وقرى الداخل الإستراتيجية، حتى أن احد الباحثين وصف ذلك النشاط ( بالمركانتيلية العربية )(3). فمنطقة الخليج العقدة التجارية الرئيسية مع الهند وشرق أفريقيا ، ومفصل من مفاصل التجارة البعيدة ما بين الشرق والغرب فمنها تبدأ طرق التجارة نحو أوربا وعبر المنافذ الرئيسية المطلة على البحر الأبيض المتوسط . والى جانب التجارة فقد مثل صيد اللؤلؤ والأسماك المهنة الرئيسية لدول الأمارات والبحرين والساحل الشرقي للخليج العربي حتى أن احد الكتاب وصف إقتصاد البحرين بأنه ( اللؤلؤ والموقع الإستراتيجي )(4). وذلك لما تحضى به من مكانة في صيد اللؤلؤ وموقع تجاري هام . وارتبطت بمهنة الغوص على اللؤلؤ في أقطار الخليج العربي جوانب أخرى اجتماعية وإقتصادية إذ إختلف سكان الأمارات المطلة على البحر عن سكان الجزيرة العربية ونمت مبكراً طبقة التجار والمشتغلين باعمال الملاحة فنشطت التجارة بين الهند ودول الخليج العربي بسبب وجود سوق رائجة للّؤلؤ في بومباي في الهند لصناعة الحلي فضلاً عن إعتماد دول الخليج العربي على الرز المستورد من الهند(1). وبعيداً عن المدن الساحلية كانت البدواة عنواناً للحياة في الأراضي الصحراوية إذ أمتهن السكان تربية المواشي بجانب نشاط الغزو الذي ظل سمة رئيسية لعموم هذه المجتمعات ، وفرضت عليهم الطبيعة عدم الاستقرار فكانت القبائل تنتقل في أرجائه دون قيود طلباً للكلأ والماء ولاتوجد حدود معينة كما نراها في الوقت الحاضر(2). وفي عمق الصحراء ايضاً حظيت بعض المدن بأهمية لوقوعها على طرق القوافل مما اكسبها قوة إضافية تمثلت بقيام قبائلها بحماية القوافل التجارية بالإضافة إلى الخدمات المقدمة لهذه القوافل مما جعل سكان هذه المدن يعتاشون على ريع الموقع(3). ولم تكن الزراعة في يوم ما في منطقة الخليج معول عليها في خلق فائض إقتصادي لعدم وجود مقومات ذلك النشاط ، فانعدام المياه السطحية ومحدودية المياه الجوفية إلا في بعض مناطق الجنوب ومناطق الوديان في عمان وفي المناطق الشرقية من السعودية حول واحات الإحساء والقطيف . وقد ظلت إقتصاديات عمق الصحراء طيلة الفترة التي سبقت إكتشاف النفط تتميز بطابع حد الكفاف(4). وهكذا يتبين أن اقتصاد دول الخليج العربي إعتمد إعتماداً كلياً على ثلاثة أنشطة رئيسية هما الصيد والتجارة والرعي ، وهذا ما جاء على لسان أحد الرحالة الّذين مروا بالمنطقة بقوله ( من البحر وليس من الأرض كان الناس يعتاشون وكانوا في نصف السنة يركبون البحر بقواربهم بحثاً عن اللؤلؤ فيما يمضون النصف الثاني بالصيد والتجارة هكذا تلاحظ القوارب العديدة وكأنها البيوت التي يأوي إليها السكان)(5). هذه الحالة الاقتصادية – الاجتماعية إمتدت ردحاً طويلاً من الزمن. ومع التبدل في الأوضاع السياسية والدينية لم تفقد تلك المجتمعات نشاطاتها الاعتيادية بل أن ظهور الإسلام دفع بأتجاه تنشيط التجارة وازدهارها وأدى إلى تفعيل وتوسيع شبكة العلاقات التجارية وعقد الأتفاقات مع الروم والفرس والأحباش وهي التي تسمى بالإيلاف (1). وفيها تحدد شروط التبادل وطرق التعامل ومواقعه ومقدار الرسوم الكمركية على البضائع . وأدت تلك النشاطات الى قيام بيوت تجارية ووكالات بين مختلف المدن العربية فأقام تجار قريش وكالات ومتاجر في مدن اليمن وفي الحيرة وبصرى وغزة والحبشة ( كانت تمثل مصالح مكة السياسية والتجارية ) كما أقام تجار تلك المدن وكالات وأقاموا شراكات مع تجار مكة وغيرهم وذكر أنه كان في مكة بيوت تجارية يستخدمها الرومان للشؤون التجارية والتجسس على أحوال العرب وكذلك كان فيها أحباش ينظرون في مصالحهم التجارية(2). ومعنى هذا أنه كان للروم والحبشة والفرس قناصل يقومون على شؤون التجارة لبلادهم وينظمون العمل في هذه العاصمة التجارية(3). وذكر أنه عندما وصل الرحالة البرتغالي فاسكودي غاما الى كالكوتا على الساحل الغربي للهند في 27 آيار1498 لاحظ أن هناك تجاراً عرباً في المدينة الهندية وان هؤلاء التجار يحظون بنفوذ كبير في البلاط الملكي(4). بيد أن موقعه ( ريو )كانت بمثابة إيذان بعصر الهيمنة الاستعمارية الغربية في المحيط الهندي فانقطعت العلاقات العربية مع الهند وجنوب شرقي آسيا وخاصة بعد هبوط العصر العثماني على العرب منذ 1516 . وقد أدت الهيمنة العثمانية على العرب الى إضعاف الصلات بين العرب والآسيويين لحقبة تصل الى أربعة قرون. ونتيجة لذلك خسرت طبقة التجار الأمكانات المتولدة عن التجارة قاربت (229) سلعة من الملابس والمنتوجات والبهارات والأصباغ والخيول والأسلحة وغيرها(5) . وفي نهاية القرن التاسع عشر سقطت منطقة الخليج والجزيرة العربية تحت الهيمنة البريطانية ( إقتصادياً وسياسياً ) وتحول تجار العرب الى وكلاء وموردين للسلع الأجنبية وخاصة ( السلع البريطانية )، وأصبحت الرسوم الكمركية المصدر الرئيس لدخل الإدارة المحلية(1). وقد عمل الغزو الأوربي الى منطقة الخليج والجزيرة العربية على ان ترتكز الحياة الاقتصادية على إقتصاد الحالة الطبيعية فتبدل النشاط الأقتصادي من التجارة الى الاقتصار على النشاط الرعوي والريع المتحصل من الحج ونشاط الغوص على اللؤلؤ . وقد تسبب ظهور اللؤلؤ الصناعي الياباني الى تدهور هذا النشاط والأنشطة المتعلقة به(2). وانخفضت إيرادات الحج بشكل كبير ووجد عبد العزيز بن سعود نفسه مضطراً في عام 1933الى منح شركة ( ستاندر أويل أوف كليفورنيا Standora Oil of Coleforenia ) إمتيازاً مقابل قرض بقيمة (50) ألف جنيه إسترليني لمواجهة عجز الميزانية(3). ولرب ضارة نافعة ماهي إلا سنوات قليلة بعدها أخذ الريع النفطي يجري في عروق تلك الشعوب الضمآنة حتى غير مجرى حياتهم وانتقل بهم من كفاف العيش الى دولة الرفاهية .
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|