الدولة الريعية والاقتصاد الريعي: حدود المفهوم وابرز السمات
في الوقت الذي يصعب فيه إرجاع الريع لمدّة محددة كونه ليس وليد مدرسة إقتصادية معينة . فإن الأمر مع الدولة الريعية ليس كذلك حيث يمكن الحكم على كون الدولة ريعية عندما تكون مساهمة الريع الخارجي في ناتجها المحلي الإجمالي يمثل نسبة كبيرة.
إن إطلاق هذا التوصيف حديث العهد ، رغم إن اعتماد بعض الدول على العائدات الريعية يرجع الى تطور العلاقات الأقتصادية الدولية وتحديداً بعد ظهور الدولة القومية في القرن السادس عشر الميلادي.
فدولة الكنيسة الرومانية والإمبراطورية الأسبانية في القرن السابع عشر والثامن عشر وإمارة موناكو وبيرو في زمن السماد الطبيعي (Guano ) والأقطار المعتمدة على العون الخارجي تعتبر جميعها دولاً ريعية وإن إختلفت في الزمان والمكان .
وفي هذا المبحث نحاول تسليط الضوء أولاً على مفهوم الدولة الريعية ومن ثم بيان سمات الدولة الريعية وبعدها نتعرف على إشكالية علاقة الدولة الريعية بالاقتصاد الريعي .
مفهوم الدولة الريعية The concept of Rentieral state
إن مصطلح الدولة الريعية Rentieral state ظهر ولأول مرة في دراسة للكاتب الإيراني حسين مهدوي إختصت في النموذج الإيراني والتي كان يقصد بها توصيف الدول المعتمدة على الايرادات النفطية .
وقد جاءت مساهمة مهدوي هذه بعد زيادة العائدات الحكومية الإيرانية جراء تأميم النفط في الخمسينات من القرن الماضي، عندها عَرّف الدولة الريعية بأنها أية دولة تحصل على جزء جوهري من إيرادها من مصادر خارجية على شكل ريع . ومما تجدر الأشارة اليه إن تحديد المصادر الريعية مسألة تقديرية إختلفت حولها الآراء ، ولكن من المتفق عليه مبدئياً إن غلبة العناصر الريعية الخارجية هي المحدد في اعتبار الدولة ريعية أم لا ، إضافة الى ذلك إن ظاهرة الريع عامة لاتختص باقتصاد معين لآخر ، ففي كل إقتصاد توجد عناصر ريعية تختلف في كثافتها من بلد لآخر . وثمة مظهر آخر مهم للدولة الريعية هو ذلك الذي يعبر عن حالة خاصة من الأقتصاد الريعي عندما يؤول الريع الخارجي أو نسبة كبيرة منهُ الى فئة صغيرة أو محدودة تتمثل بالطبقة الحاكمة ومن ثم يتم توزيع أو إستخدام هذه الثروة الريعية على الغالبية من السكان ، وضمن هذا المفهوم لاتعتبر الدولة ريعية تلك التي يتم توليد الريع فيها بمشاركة الغالبية من سكانها كما في البلدان التي تعتمد على السياحة الخارجية نتيجة لظروفها الجغرافية أو المناخية، وعلى الرغم من إختلاف وجهات النظر بشأن تحديد الدخول الريعية إلا أنه يبدو أن هناك شبه إتفاق بشأن الطبيعة الريعية للعائدات النفطية ويأتي ذلك من خلال عقد المقارنة بين تكلفة إنتاج برميل النفط مع سعره المرتفع في الأسواق العالمية ، غير أنه تجدر الأشارة إلى إن إطلاق صفة الدولة الريعية ليس بالضرورة أن تكون ملازمة للدولة في كل الفترات وإنما في ضوء مقدار ما تسهم به العائدات الريعية الخارجية من الناتج المحلي الأجمالي وبهذا المعنى قد تتحول الدولة من ريعية الى شبه ريعية أو بالعكس نتيجة للوضع الأقتصادي والسياسي الذي يحكم إقتصاد تلك الدولة . فالعمل على تنمية مصادر الايرادات غير المعتمدة على الموارد الناضبة من شأنه أن يغير من وصف تلك الدولة ، فضلاً عن أن إنخفاض الاحتياطي النفطي نتيجة للأستنزاف الذي يحصل فيه أو زيادته باستكشافات جديدة هو الآخر ينعكس على الصادرات النفطية مما ينقل الدولة من حالة الى أخرى . وثمة عوامل أخرى لها الأثر نفسه مثل الأسعار العالمية للنفط الخام ودرجة إستقلالية الدولة وسيادتها على مواردها الطبيعية هي الأخرى تؤثر في العائدات الريعية الخارجية وبالتالي فهي المعيار الأهم في إطلاق صفة الدولة الريعية أم لا . ومما ينبغي التأكيد عليه هو أن الدولة الريعية بوصفها العام ليس بالضرورة أن تكون متصلة بالنفط ، فأسبانيا في نهاية القرن السادس عشر تعطينا مثلاً تأريخياً لدولة ريعية اعتمدت في معاشها على ذهب وفضة الأمريكيتين ، كما أن هناك مداخيل ريعية أخرى تجعل من بعض الدول بمصاف الدولة الريعية كما في مصر والأردن وسوريا واليمن وفلسطين ، إذ تسهم الأعانات الدولية وتحويلات العاملين من خارج بلدانهم فضلاً عن عوائد خارج قطاع النفط تسهم مجتمعة في تعزيز موازين المدفوعات لبلدانهم ، حيث بلغ المجموع التراكمي لتحويلات العاملين فقط لهذه الدول خلال الثلاثة عقود الأخيرة من القرن الماضي بحدود (220) مليار دولار.
إحتلت جمهورية مصر العربية المركز الأول بواقع 90 مليار دولار ، فضلاً عن عائدات المرور في قناة السويس وحصيلة السياحة ، فإذا ما أضيفت تلك العائدات الى الإيرادات النفطية أصبحت هذه المصادر الريعية الأربعة والتي أطلق عليها في مصر ( الأربعة الكبار ) تشكل جانباً هاماً من وعاء الدخل القومي المصري.
وفي الأردن بلغت المساعدات العربية فقط لعام 2003 ما مقداره (1,25) مليار دولار في الوقت الذي كانت صادراتهُ للعام المذكور (3,1)مليار دولار.
من جانب آخر يشار أيضاً الى أنهُ ليس بالضرورة أن تكون كل دولة منتجة للمواد الخام أو مصدرة اليها تصنف بكونها دولة ريعية ، وحتى تكون كذلك يجب أن يتحصل الدخل ( الريع ) فيها من الخارج وانه يشكل في الوقت نفسه نسبة كبيرة في ناتجها الأجمالي . ولهذا فإن الدولة المنتجة للنفط والمستهلكة لجميع إنتاجها النفطي أو القسم الأكبر منهُ مما يترتب على ذلك بأن تصبح العائدات النفطية الخارجية لاتشكل جزءاً مهماً من ناتجها الأجمالي لاتعد دولة ريعية وذلك كما في الولايات المتحدة الأمريكية التي تأتي بالمرتبة الثالثة من حيث إنتاج النفط الخام بعد السعودية وروسيا(*). غير أن إستهلاكها المحلي يفوق إنتاجها بشكل كبير إذ إزدادت الفجوة بين الأنتاج والاستهلاك من 2,5 مليون برميل في اليوم في عام 1965 الى 12,6 مليون برميل في اليوم عام 2003 ، وهكذا بالنسبة للكثير من الدول الصناعية المتقدمة.
ولم يقتصر التوصيف عند هذا الحد إذ إن بعض الدول المصدرة للنفط الخام تعد وفقاً لمضمون الدولة الريعية ، دولاً شبه ريعية في حالة ما إذا كانت مساهمة عائداتها النفطية لاتشكل نسبة كبيرة في نواتجها الأجمالية . وبهذا توصف الدولة الريعية في كونها دولة خارجية الموارد حتى تسمى أحياناً بدولة الموارد الخارجية.