الدولة في المفهوم الماركسي
أما الفكر الماركسي فإنه ينظر الى الدولة كما يراها إنجلز على أنها (( ليست القوة المفروضة على المجتمع من خارجه ، الدولة هي نتاج المجتمع عند درجة معينة من تطوره ، الدولة هي إفصاح عن واقع المجتمع الذي وقع في تناقض مع ذاتهِ لايمكن حله ، إن هذا المجتمع قد إنقسم الى متضادات مستعصية هو عاجز عن الخلاص منها، ولكي لاتقوم هذه الطبقات ذات المصالح الاقتصادية المتنافرة بالتهام بعضها بعضاً والمجتمع في نضال عقيم ، لهذا إقتضى الأمر قوة تقف في الظاهر فوق المجتمع ، قوة تلطف الأصطدام وتبقيه ضمن حدود النظام . إن هذه القوة المنبثقة من المجتمع والتي تضع نفسها مع ذلك فوقهُ وتنفصل عنه اكثر فأكثر هي الدولة )). في حين إن الدولة عند لينين هي (( تنظيم للعنف بقصد قمع طبقة من الطبقات )). عليه يتضح جلياً إن الدولة حسب هذا الرأي هي ليست كياناً محايداً بل هي قوة منظمة تستخدمها طبقة ما لقمع إستغلال طبقة أخرى ، فالدولة ماهي الا جهاز الطبقة الأقوى إقتصادياً ، فمن تملّكَ هذه القوة تملّكَ بالتالي القوة السياسية ، ووفقاً لرؤى الماركسيين فأن الدولة هي نتاج للتناقض الطبقي في المجتمع ، ولهذا هي مادية من جهة نظراً لتأكيداتها على ظهور الدولة بسبب الأوضاع الاجتماعية المادية ، تأريخية من جهة أخرى من حيث تأكيداتها بان الدولة لم تكن موجودة في المرحلة المشاعة البدائية.
وفي الفكر الإسلامي الحديث إنصبّ الاهتمام على مفهوم الدولة الإسلامية مدفوعاً بجملة من العوامل التي قادت المجتمعات العربية والاسلامية الى حال من التأخر المزدوج ،تأخر عن العصر وتأخر عن الماضي المرجعي.
وقد اكتسب مفهوم الدولة في الفكر الإسلامي اهتماما" متزايدا"في أعقاب تأسيس تركيا لدويلتها العلمانية على يد كمال أتاتورك في عام (1924) وقد تلخص الفكر الإسلامي في اتجاهين الأول الذي تبناه الشيخ علي عبد الرزاق (1888-1946) والذي يدعو الى الفصل بين الدين والسياسة وعلى أساس ذلك قامت دولة أتاتورك تقليدا" لدولة الغرب المدنية.
وعلى النقيض من ذلك ظهر اتجاه آخر يمثله الشيخ حسن البنا ومجموعة من استلهم أفكاره الى وقتنا هذا، فعند هؤلاء تقرير صريح أن الأسلام دين ودولة.
فالحركات الإسلامية تجد في الدين مصدراً مقابلاً لشرعية فرض التداول على السلطة وإزاحة النخب الحاكمة من موقعها. وفي الوقت نفسه يرى الشهيد محمد باقر الصدر إن الدولة الإسلامية كما هي ضرورة شرعية فانها ضرورة حضارية، لأنها ( النهج الوحيد بامكانه تفجير طاقات الأنسان في العالم الإسلامي والارتفاع به الى مركزه الطبيعي على صعيد الحضارة الأنسانية وانقاذه مما يعانيه من ألوان التشتت والتبعية والضياع).
كما يرى أيضاً إن غياب الدولة الإسلامية يعني سقوط الحضارة الإسلامية وتخليها عن قيادة المجتمع وبذلك ستتم عملية تفكك المجتمع الإسلامي وانحلاِلهِِ فيندمج ذائباً في العالم الكافر الذي غزاه.
وإذا كان رأي الشهيد الصدر قد مثل طبيعة فقه الأمامية في الدولة الإسلامية الحديثة . فإن الفكر الوهابي وجد طريقهُ من خلال التحالف بين الدين والدولة من خلال اللقاء الذي جمع محمد بن عبد الوهاب مؤسس الفكر الوهابي ومحمد بن سعود حاكم الدرعية في عام 1747 تحالف الطرفان فيه على تقاسم شؤون الدين والدنيا . كان نصيب محمد بن عبد الوهاب وعائلته حق إحتكار المجال الديني ، فيما تكون السلطة حقاً تأريخياً ينحبس داخل الخط السلالي لآل سعود. وفي إطار هذا التحالف الصلب وضع مشروع الدولة سكة البداية وجاءت تعاليم الوهابية بشأن الدولة مجددة لآراء الشيخ أحمد بن حنبل على وجوب طاعة الحاكم حتى وإن كان ظالماً.
بل وإن من يخرج عن طاعته فمصيره النار . لقد أضفت الأفكار الوهابية معنى دينياً على الدولة في كافة النشاطات ، فالزكاة هي واجب ديني يجب دفعها دون تردد وتشكلت مؤسسة الزكاة التي كانت تضطلع بالمهمة وأسندت إليها فرقة مسلحة لمعالجة الخروقات المحتملة
وقد جرى ترويض قبائل نجد المتناحرة الى طاعة السلطان ( الدولة ) إذ اصبحت الطاعة واجباً دينياً الى جانب كونها قيمة إجتماعية ضرورية.
فالفكر الوهابي يشدّد بان لايمكن الاستغناء عن الدولة في أي حال من الأحوال من أجل تطبيق الدين ، ولذلك فإن الدفاع عن الدولة وحمايتها واجب ديني على أساس إن ذلك في نهاية المطاف حماية الدين.
ويرى الشيخ حسن البنا مؤسس جماعة ( الأخوان المسلمين ) في مصر إن الدولة ضرورة في النظام الإسلامي لا بل إنه غير قابل للبقاء والاستمرار من دون دولة تعبر عنهُ وتفرض أحكامه. وعلى الرغم من أن إشكالية قيام الدولة تتمحور عند ألبنا حول مسألة السلطة والخلافة إلا أنها كانت مقتضبة ولعل السبب في ذلك سياسياً لا دينياً مع ذلك يؤكد (( إن الحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول لا من الفقهيان والفروع ، فالإسلام حكم وتنفيذ ، كما هو تشريع وتعليم ، كما هو قانون وقضاء لاينفك واحدٌ منها عن الآخر )).
واياً كان الخلاف في مفهوم الدولة من حيث كونها إسلامية أو غير إسلامية ، إشتراكية أم رأسمالية ، فإنها لاتعدو عن كونها( منظمة اجتماعية سياسية قانونية إقتصادية ضمن إطار إقليمي محدد أي أنها مجموعة من الأفراد تعيش حياة دائمة ومستقرة على إقليم معين في ظل تنظيم سياسي معين يسمح لبعض الأفراد بحكم الآخرين) .