انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم علوم القرآن
المرحلة 4
أستاذ المادة محمد طالب مدلول الحسيني
24/11/2018 18:40:50
لقد كان النص القرآني مدارَ حركةٍ علمية واسعة شملت التصنيف في جميع المسائل التي تتصل باللغة. وكان لعلماء اللغة جهد مميز في هذا الميدان. فقد وجدوا أن بالمسلمين حاجةً إلى توضيح الجوانب الغامضة في النص المقدس ليسهل عليهم فهم المعاني والألفاظ واستنباط الأحكام وبيان وجوه الأعجاز. لذا فقد ترك لنا علماء اللغة طائفة من المصنفات اهتمت بالجوانب البلاغية واللغوية ومسائل الأعجاز ابتداء من منتصف القرن الثاني الهجري, فوصلت ألينا مصنفات أبي عبيدة والاخفش والكسائي والفراء والجاحظ وابن قتيبة وغيرهم. وقد عنيت هذه المصنفات ببيان معاني القرآن وبيان ما أشكل منه. ولو أردنا أن نقف عند الأسباب التي دعت العلماء إلى التأليف في هذا الاتجاه لوجدنا أنها تتصل بالجانب البلاغي والأعجازي. فالسبب الذي دعا أبا عبيدة (ت210هـ) إلى تأليف كتابه (مجاز القرآن) هو تفسير ألفاظ القرآن التي يتوهّم الناس في فهمها ومعرفتها, فقد سُئل يوماً عن قوله تعالى [طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ]( ), فقيل له: (إنما يقع الوعد والوعيد بما عُرفَ مثله وهذا لم يُعرف) فقال أبو عبيدة: (إنما كلّم الله تعالى العربَ على قدر كلامهم)( ), واستشهد بقول أمريء القيس( ): أيقتُلني والمشرفيُّ مضاجعي ومسنونةٌ زرقٌ كأنيابِ أغوال أما الذي دفع الأخفش (ت215هـ) إلى تأليف كتابه (معاني القرآن) فهو بعد أن تعرّف على الكسائي (ت189هـ) في بغداد طلب منه أن يؤدّب أولاده, قال الأخفش: (سألني أن أؤلف كتاباً في معاني القرآن, فجعله إماماً لنفسه, وعمل عليه كتاباً في المعاني وعمل الفرّاء كتابه في المعاني عليهما)( ). وأما السبب الذي دعا الفراء (ت207هـ) في تأليف (معاني القرآن) ما قاله ثعلب: (وكان السبب في إملاء الفراء كتابه في القرآن ... أن عمر بن بكير, وكان من أصحابه, وكان مع الحسن ابن سهل فكتب أليه: إن الأمير الحسن لا يزال يسألني عن أشياء من القرآن لا يحضرني جواب عنها, فأن رأيت أن تجمع لي أصولاً أو تجعل في ذلك كتاباً نرجع أليه ففعلت)( ). وكان الجاحظ (ت255هـ) قد صنّف كتابه (نظم القرآن)( ) في الاحتجاج للقرآن ومعارضاً كل طعّان ممن زعم أن القرآن مخلوق وليس تأليفه بحجة( ). وقد تبع الجاحظَ في ذلك تلميذُه ابن قتيبه (ت276هـ) فألف كتابه (تأويل مشكل القرآن) للرد على الطاعنين فقال: (وقد أعترض كتاب الله بالطعن ملحدون ولغوا فيه وهجروا, واتبعوا [مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ]( ) بإفهام كليلة وأبصار عليلة ونظر مدخولٍ فحرّفوا الكلام عن مواضعه وعدلوا عن سبله)( ). نلاحظ مما سبق أن الذي دفع هذه الثلة من العلماء إلى التصنيف والتأليف في القرآن الكريم كان الدفاع عنه والاحتجاج له وردّ طعن الطاعنين وكيد الكائدين عليه فضلاً عن الكشف عن معانيه سواء كان بمنهج نحوي أم لغوي أم بلاغي. وفي ضوء ما تقدّم يمكن القول إن الإشارات إلى أعجاز القرآن قد اتخذت عدة مسارات ومناهج, فالنحوي مثل الكسائي والفراء جعل من اللغة وسيلة لبيان معاني القرآن وأوجه أعرابه, واللغوي كأبي عبيدة جعل اللغة أساساً لبيان هذه المعاني من خلال تفسير غريب الألفاظ وتحوّلاتها بين الجمع والأفراد والتقديم والتأخير وغيرها, واتخذ الجاحظ منهجاً بيانياً في بيان نظم القرآن وأعجازه, وسلك ابن قتيبة السبيلَ نفسَهُ عندما جعل من الفن البلاغي وسيلة لتوضيح ما أشكل فهمه وتأويله من القرآن . وإذا تلمسنا الإشارات الأولى إلى إعجاز القرآن في هذه المصنفات المتقدّمة نجدها في سبب تأليف أبي عبيدة كتابَهُ (مجاز القرآن) إذ أراد من خلاله بيان الأساليب اللغوية التي سلكها القرآن الكريم والإفادِة منها في بيان المعاني والدلالات مع الإشارة إلى أنه منزّل بلغة العرب وليس فيه خروج على أساليبها, لكنهم عجزوا عنه حين تحداهم, وهذا مظهر من مظاهر إعجاز القرآن. فقول أبي عبيدة (إنما كلّم الله تعالى العرب على قدر كلامهم)( ) فيه إشارة مهمة إلى عجز العرب عن معارضة القرآن وقد نزل بلغتهم وكانت اللغة بضاعتهم, فهم أهل الفصاحة والبيان, وقد تحداهم به في أن يأتوا بمثله فعجزوا ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيراً, ثم أنه أكد أن كل ما جاء في القرآن من لفظٍ فهو عربي فصيح مبين, قال: (نزل القرآن بلسان عربي مبين, فَمَن زعم فيه غير العربية فقد أعظم القول, ومن زعم أن (طه) بالنبطية فقد اكبر, وأن لم يعلم ما هو فهو افتتاح كلام وهو أسم للسورة وشعار لها)( ). فانتماء كل اللفظ القرآني إلى العربية يشكل إشارة مهمة من إشارات إعجاز القرآن أكدها أبو عبيدة في صدر كتابه, فضلاً عن السبب الذي دعاه إلى تأليفه وكذلك اتساقُ كُلِ ألفِاظه وجُمِلهِ مع ما كانت عليه العرب في أساليب كلامها. ويمكن أن نجد مثل ذلك عند الفراء (ت 207هـ) إذ نجد إشارات فيها دلالة على الإعجاز من خلال نظم القرآن المعتمد على الحذف والاضمار أو تعدد القراءات للفظة الواحدة, أو تعدّد وجوه الأعراب التي يكون من نتاجها تعددٌ في المعنى, وهذا مما يُيسَّر على الناس فهم القرآن والعملَ بأحكامه, ففي قوله تعالى: [اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا]( ), قال الفراء: (فضرب فانفجرت, تُعرف بقوله (فانفجرت) انه قد ضربَ, فاكتفى بالجواب لأنهُ قد أدى عن المعنى, فكذلك قوله [اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ]( ) ومثله في الكلام أن تقول: أنا الذي أمرتُك بالتجارة, فاكتسبت الأموال, فالمعنى فتَجْرتَ فاكتسبت)( ), فالإشارة هنا واضحة إلى نظم القرآن المعتمد على الحذف والاختصار دون الإطالة مع كثافة المعنى وتوفره وعدم الحاجة إلى الجهد للكشف عنه. أما قوله تعالى: [فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ]( ), قال الفراء: (وقوله "بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ" أن الله غضب على اليهود في قولهم [يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ]( ) ثم غضب عليهم في تكذيــب محمـد (صلى الله عليه وآله وسلم) حين دخل المدينة فذلك قوله [فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ])( ). فقد جمع القرآن هذه المعانيَ الكثيرةَ بهذه الألفاظِ القليلةِ, فكأنه يريد أن يوضح قدرة اللفظ القرآني في استيعاب المعاني الكثيرة, وأنهُ يُطنب في مواضع الاطناب, ويختصر في مواضع الاختصار. فهذه إشارات نجدها عند الفراء تشير إلى تفرّد القرآن في أسلوبه عن كلام العرب الذين عجزوا عن الإتيان بمثله. بيد أن الجاحظ (ت255هـ) قد صرح بأن القرآن معجزٌ بنظمه فقال: (ولو أراد أنطق الناس أن يؤلف من هذا الضرب سورةً واحدةً طويلةً أو قصيرةٌ على نظم القرآن وطبعه وتأليفه ومخرجه, لَما قدر عليه ولو استعان بجميع قحطان ومعدّ بن عدنان)( ) إذ أكد هذا المعنى في كتابه (نظم القرآن)( ). أما تلميذه ابن قتيبة (ت276هـ) فقد أشار بعبارةٍ واضحةٍ جلية إلى إعجاز القرآن ونكوص العرب عن الإتيان بمثله بعد أن قدّم لمعجزة نبي الله موسى (عليه السلام) وعيسى (عليه السلام) فقال: (وكان لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الكتاب الذي لو اجتمعت الأنس والجن على أن يأتوا بمثله, لم يأتوا به ولو كان بعضهم لبعض ظهيراًً, إلى سائر زمن البيان)( ) وفضلاً عن ذلك فأنهُ في باب الرد على الطاعنين يؤكد أعجاز القرآن بعجيب نظمه وحسن تأليفه, فقال: (وقطع منه بمعجز التأليف أطماع الكائدين, وأبانَهُ بعجيب النظم عن حِيل المتكلفين, وجعله متلوّاً لا يملّ على طول التلاوة, ومسموعاً لا تمجّهُ الآذان وغضاً لا يَخْلَقُ على كثرة الرد, وعجيباً)( ). ثم نجد المبرد (ت285هـ) قد قارن بين نظم القرآن ونظم الشعر( ) ليدلنا على علو كعب بلاغة القرآن وتأخر الشعر في نظمه عنها, فهو يقارن بين قول مروان بن أبي حفصة( ): زوامل للأشعار لا علم عندهم لعمرك ما يدري البعير إذا عدا بجيدها إلا كعلم الأباعرِ بأوساقهِ أرواح ما في الغرائر
وبين قوله تعالى: [مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا]( ) وكذلك يُقارن بين قول الخنساء وهي ترثي أخاها صخراً( ): ولولا كثرة الباكين حولي وما يبكون مثل أخي ولكن على اخوانهم لقتلت نفسي أُعَزّي النفس عنه بالتأسي
وبينَ قولِه تعالى للمشركين: [وَلَنْ يَنفَعَكُمْ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ]( ) أي ما نزل ينفع بكم أجلّ من أن يقع معه التأسي ونظرُ بعضٍ إلى بعض( ). ويعقد المبرد أيضاً مقارنة بين قوله تعالى: [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُوْلِي الأَلْبَابِ]( ) وبين قول ارد شير بابك في عهده: (وقد قال الأوّلون منا: القتل أقلّ للقتل)( ). ليبيّن أن كلام الله أبلغ في أداء المعنى, وأن أي كلام بشري لا يدانيه في الحسن والجمال وقوة التعبير عن المعنى. أن هذه المقارنات التي عقدها المبرد بين القرآن والشعر هي ذاتها قد أستعملها العلماء من بعده في التدليل على إعجاز القرآن كالباقلاني (ت403هـ) في كتابه (إعجاز القرآن)( ). فهي إذن تمثل إشارةً مهمةً من إشارات الإعجاز أوردها المبرد دون أن يشير إلى مسألة الإعجاز, بيد أنها توحي إلى ذلك وتشير اليه, وذلك انه عندما يعقد المقارنة بين كلام البشر وكلام الله تعالى يقول: (فهيهات هذا من قول الله تعالى)( ). وهذه الإشارات التي تحدّثتُ عنها تمثل اتجاهَ النظمِ والتأليفِ في إعجاز القرآن, بيد أن هناك إشاراتٍ تمثل اتجاهاً معاكساً للاتجاه الأول, وذلك انه لا يعدّ البلاغة والنظم سبيل الإعجاز في القرآن, وأن الخلق قادرون على أن يأتوا بمثل القرآن لكن الله صرف هِممهم وسلَبَ منهم العلوم فأقعدهم عن معارضته, وهو ما يسمى بالصَرفة. إن أول من قال من العلماء بالصرفة أبو إسحاق النظام (ت221هـ) عندما زعم: (إن نظمَ القرآن وتأليفَه ليسا بحجة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأن الخلق يقدرون على مثله)( ), وقد تبعه في ذلك أبو موسى المردار (ت226هـ), حيث أنفرد عن أستاذه بشر بن المعتمر (ت210هـ) بذلك( ), وهذا مما يدلل على أن بشراً كان يقول بأعجاز القرآن من جهة نظمه وتأليفه. ثم أناّ قد علمنا من قبل( ) أن الجاحظ (ت255هـ) يزعُم أن القرآن معجز بنظمه وتأليفه غير أني قد وجدته في مواضعَ أخرى يميل إلى الصرفة مقترناً بالنظم, يقول الجاحظ: (ومثل ذلك ما رفع من أوهام العرب, وصرف نفوسهم عن المعارضة للقرآن بعد أن تحداهم الرسول بنظمه, ولذلك لم تجد أحداً طمع فيه)( ). فهو يقرر عجز العرب عن معارضة القرآن بسبب مَن صرف نفوسهم عن ذلك بعد أن تحداهم الرسول (صلى الله عليه وآلِه وسلم) ببلاغة القرآن, فهو لم يقل بالصرفة المطلقة في الإعجاز ولا بالنظم والتأليف الخالص, مما يشكلّ ميلاً عن رأيه الأول في إعجاز القرآن بنظمه وتأليفه إلى الصرفة( ). إن ما تقدم يمثل إشاراتٍ تدل على إعجاز القرآن وقد فتحت البابَ على مصراعيه في التصنيف والكتابة في هذا الموضوع سواء كانت من جهة النظم أم الصرفة, تأليفاً خالصاً( ) أم على سبيل التنويه منتشرة في مصنفات المؤلفين ممن لم يتناولوا هذا الموضوع على وجه الخصوص وإنما عبّروا عنه تارة بالاعتراض على المصنفين فيه وتارة أخرى تجده مبثوثاً ضمن علوم القرآن كما فعل الشيخ المفيد (ت413هـ), وأبو صلاح الحلبي (ت447هـ), وابن حزم الأندلسي (ت456هـ), والشيخ الطوسي (ت460هـ), وابن سنان الخفاجي (ت466هـ) وغيرُهم( ).
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|