انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم علوم القرآن
المرحلة 4
أستاذ المادة محمد طالب مدلول الحسيني
24/11/2018 18:22:33
وأما العرب الذين ابتدأت بهم دعوة الإسلام في حكمة سيرها في الإصلاح فقد كانت معارفهم نوعاً منحصرة بالأدب العربي وكانوا خالين من سائر العلوم والصنائع الخاضعة للعلم والتعلم فلم يكونوا يميزون حدودها العادية بحسب موازين العلم والتعلم وأسرار الطبيعيات المنقادة بقوانينها للباحث والممارس والمتعلم والمجرّب والمكتشف والداخلة تحت سيطرة العلم والتعلم . فكل عمل معجز من غير الأدب العربي بمجرد مشاهدتهم له او سماعهم به يسبق الى أذهانهم ويستحكم في حسبانهم انه من السحر او من مهارة اهل البلاد الأجنبية في الصنائع وتقدّمهم في العلوم واسرار الطبيعيات وقوانينها . نعم برعوا بالأدب العربي وبلاغة الكلام التي تقدّموا فيها تقدّما باهرا حتى قد زهى في عصر الدعوة روضه الخميل وأينعت حدائقه وفاق مجده وقرّروا له المواسم وعقدوا المحافل للمفاخرة بالرقيّ فيه فَرقتْ بينهم صناعته إلى أوج مجدها وزهرت بأجمل مظاهرها وأحاطوا بأطرافها وحدّدوا مقدورها . فعاد المرء منهم جدّ خبير بما هو داخل في حدود القدرة البشرية وما هو خارج عنها ولا يصدر على لسان بشر ابتداء إلا بعناية إلهية خاصة خارقة للعادة البشرية لحكمة إلهية شريفة ولذا اقتضت الحكمة الإلهية « وللَّه الحكمة البالغة » ان يكون القرآن الكريم هو المعجز المعنون والذي عليه المدار في الحجة لرسالة خاتم النبيين وصفوة المرسلين صلوات اللَّه عليهم أجمعين . فانه يكون حجة على العرب باعجازه ببلاغته وبعجزهم عن الإتيان بمثله او بسورة من مثله ، وبخضوعهم لاعجازه وهم الخبراء في ذلك يكون ايضا حجة على غيرهم في ذلك ، وانه هو الذي يدخل في حكمة المعجز والاعجاز في شمول الدّعوة للعرب وابتدائها بهم بحسب سيرها الطبيعي على الحكمة وبه تتمّ فائدة المعجز على وجهها( ). نزول القرآن الكريم باللغة العربية : لقد نزل القرآن الكريم باللغة العربية دون غيرها من اللغات ، وهذه الظاهرة قد يكون سببها الميزات التي تختص بها اللغة العربية من بين اللغات الأخرى ، مما يجعلها أشرف اللغات وأقدرها على استيعاب أوسع المعاني أو التعبير عنها ، كما يوحي بذلك بعض النصوص القرآنية ، أو تنتهي إليه دراسات علم اللغات وخصائصها . ولما كانت ضرورات التغيير - الذي يريد القرآن أن يحققه في البشرية- اقتضت أن يكون منطلق هذا التغيير هو الجزيرة العربية ، لذا أصبح من الضروري أن يكون القرآن باللغة العربية للأسباب الاتية التي أشار القرآن إلى بعضها في تفسير هذه الظاهرة : أ - اللغة العربية عامل مؤثر في استجابة العرب الأوائل للقرآن : فالقرآن لو نزل بغير اللغة العربية لكان من الممكن ان لا يستجيب العرب لهدايته ونوره بسبب حاجز ( الانا ) والتعصب الذي كان يعيشه العرب في الجاهلية ، كما تشير إلى ذلك بعض الآيات القرآنية : (وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (201) سورة الشعراء , وقوله تعالى: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44) سورة فصلت. ب - التفاعل الروحي أفضل مع لغة القوم : إن التفاعل الروحي والنفسي الكامل مع الهداية والنور والمفاهيم القرآنية انما يتحقق إذا كان الكتاب بلغة القوم الذين يراد ايجاد التغيير الفعلي فيهم ، لان إثارة العواطف والاحاسيس انما تكون من خلال التخاطب باللغة نفسها ,وأما المضمون فهو يتفاعل مع العقل والتفكير المنطقي ، وتبقى العواطف والاحاسيس محدودة على الأقل في مجال التفاعل وبعيدة عن التأثير . ولعل هذا السبب يمثل خلفية السنة الإلهية في اختيار الأنبياء لكل قوم من أولئك الافراد الذين يتكلمون بلغة القوم نفسها ، حتى تكون الحجة بهؤلاء الرسل أبلغ على أقوامهم ، وحتى تكون قدرتهم على التأثير أكثر : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4) سورة ابراهيم . وقوله سبحانه:( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7) سورة الشورى. ج - التحدي انما يكون بلغة القوم : إن القرآن الكريم كان معجزة ببيانه وأسلوبه - إضافة إلى المضمون - وهذا الجانب من الاعجاز لا يمكن ان يتحقق إلا إذا كان بلغة القوم ، لان ( التحدي ) - الذي هو محتوى الاعجاز - انما يكون مقبولا إذا كان باللغة التي يتكلم بها الناس ، وإلا فلا معنى لان نتحدى من يتكلم بلغة أن يأتي بكتاب من لغة أخرى :( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) سورة البقرة. وقوله تعالى:( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) سورة يونس. وقد كان التحدي في هذا الجانب من الاعجاز باعتبار ما كان يوليه ذلك العصر من أهمية خاصة للبلاغة والبيان ، الامر الذي كان له أثر كبير في الخضوع النفسي لهؤلاء العرب لبلاغة القرآن وبيانه . وقد لا يكون للمضمون في منظور بعض أولئك الجاهلين الأميين مثل هذه الأهمية الخاصة للبيان ، ولعله لهذا كان القرآن يتهم بأنه شعر وسحر . د - اللغة طريق التصور الكامل للرسالة : إن التصور الكامل لابعاد المضمون واستيعابه بحدوده لا يمكن أن يتم: - خصوصا في المرحلة الأولى من الرسالة - بلغة أخرى للتخاطب خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الكثير من المضامين القرآنية ترتبط بقضايا وآفاق بعيدة عن تصورات وآفاق الانسان الجاهلي المعاصر لنزول القرآن ، إما لارتباطها بعالم الغيب أو لطرحها مفاهيم عقائدية أو اجتماعية وانسانية تمثل طفرة في النظرة المحدودة لذلك الانسان وللعلاقات الاجتماعية والانسانية . ونحن نلاحظ أن القرآن الكريم يضطر - أحيانا - من اجل أن يشرح المفهوم أو يقربه لأذهان أولئك الجاهليين إلى أن يستخدم صورا متعددة أو يكرر صورة واحدة بأساليب مختلفة . وحينئذ يصبح استخدام لغة التخاطب نفسها ضرورة من أجل خلق القاعدة المستوعبة ولو نسبيا للرسالة ومفاهيمها ، لتكون منطلقا لنشرها في الأمم والأقوام الأخرى . ولعل تأكيد القرآن وصفه باللسان العربي إنما هو باعتبار الإشارة إلى أهمية لغة التخاطب في توضيح الحقائق والالتزام بالحجة والتأثير النفسي :( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (12) سورة الاحقاف. ومن الظاهر أن المراد من الذين ظلموا في هذه الآية هم المشركون من أهل الحجاز ، لان القرآن الكريم يعبر عن الشرك بالظلم كما ورد في قوله تعالى : (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) سورة لقمان, وكذلك ما يفهم من الإشارة إلى كتاب موسى والاتهام بالإفك . ويزداد ذلك وضوحا إذا لاحظنا أن وصف القرآن بالعربي جاء في القسم المكي من السور فقط ، الامر الذي يؤكد التفسير القائل بأن قضية التغيير كانت منظورة في ذلك ، لان مرحلة المكي هي مرحلة تأسيس القاعدة وانطلاق التغيير . وقد اقترن هذا الوصف بوصف آخر وهو وصف ( مبين ) :( وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) سورة الشعراء. كما أنه جاء في آيات كثيرة وصف القرآن بأنه الكتاب المبين ، والقرآن المبين ( 2 ) . وهذا ما يؤكد قضية الوضوح في القرآن التي جاءت لتتناسب في كونها بلغة التخاطب نفسها مع القاعدة التي يريد أن يحدثها في التغيير فعلا . ونجد النقاط الأربع السابقة كلها تصب في مهمة الهدف التغييري للقرآن الكريم الذي يهتم بخلق القاعدة للانطلاق كقضية مركزية وأساسية بالنسبة إلى المهمات الأخرى التي اهتم بها القرآن الكريم ، وأشار إليها في مجمل الاهداف .
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|