انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم علوم القرآن
المرحلة 4
أستاذ المادة محمد طالب مدلول الحسيني
24/11/2018 17:47:30
الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين , وصحابته المنتحبين الأبرار. وبعد، فقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان كرّمه على سائر المخلوقات، وتتجلى صور التكريم في( ): 1 - خلقه: القوام المتناسق في أحسن تقويم: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ )(4) [التين: 4]. يتجلى ذلك في: (انتصاب القامة، الجمجمة، اليدين وتركيب الأصابع، والرجلين، الوجه ..... ). 2 - خلقه: الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها بمعنى الاستعداد للرقيّ والكمالات الروحية والخلقية، لديه الاستعداد للتسامي ليكون في أعلى عليين، ولديه الاستعداد ليكون في أسفل سافلين من دركات الانحطاط النفسي والخلقي فيكون أخبث الموجودات. إن الإنسان لديه الاستعداد لأن يتصف بالحقد والحسد والغش والكبر والرياء والطمع والبطر والخيلاء والضعف والمداهنة والمكر .. ولديه الاستعداد ليتصف بأضداد هذه الخصال, ويمكنه أن يشغل أكثر من حيز بين هذه الأوصاف أو يخلط بينها. بينما لا يتصف الحيوان في الغالب إلا بصفة من هذه الصفات. 3 - ملكة البيان: قال تعالى: الرَّحْمنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (4) [الرحمن: 1 - 4]. إن القدرة على التعبير عما في النفس من خصائص الإنسان الكبرى سواء كان المراد التعبير عن الحاجات العضوية من الطعام والشراب، أو عن الأفكار والمبادئ والمعتقدات، أو التعبير عن العواطف والمشاعر. أما الحيوانات فلا تصدر إلا بعض الأصوات للتعبير عن حاجة ما، ومن الصعوبة بمكان تعويده على بعض الأصوات للتعبير عن عادات، أو ربطها ببعض الظروف فتكون رد فعل على بعض التصرفات الموجهة إليه. ولا يقاس هذا بما لدى الإنسان من النطق بحروف الهجاء التي يستطيع بواسطتها من تركيب كلمات وإيجاد ألفاظ ليتحدث بأي لغة من لغات العالم بها. 4 - علمه: إن الاستعداد الفطري لدى الإنسان لتلقي العلوم واستيعابها ثم تحليلها والاستنتاج منها أو تركيبها وإدراك القوانين المتبعة في سنن الكون والحياة،واستخلاص العبر من أحداث التاريخ ورسم الخطا للمستقبل، وتسخير سنن الله في الكون لمصالحه المادية والمعنوية. كل ذلك يجعله سيد المخلوقات بإطلاق العنان لطاقاته في تسخير الكون لصالحه ولا يزال الإنسان جاهداً في إدراك أسرار هذا الكون في الآفاق والأنفس يقول تعالى: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [العلق: 5]، ويقول سبحانه وتعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [البقرة: 31]، ويقول عز من قائل: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً [لقمان: 20]. 5 - إرادته وطرق الخيار لديه: كلما اتسعت دائرة العلم لدى الكائن الحي اتسع مجال الاختيار عنده ولما كان الإنسان أكثر علما فهو أوسع إرادة لذا فهو يستطيع أن يتصرف أمام الحادث الواحد بأكثر من أسلوب ويستطيع اختيار الطريق الأنسب لمصالحه وتحقيق رغباته. فإذا جوبه بالاعتداء عليه: قد ينتقم أو يعفو، وقد يكظم غيظه أو يظهره، وقد يداري في وقت ليترك الانتقام إلى الفرصة المؤاتية، وقد يجبن ويتخاذل ويستسلم، وقد يردّ بالمثل أو يطغى، وقد يترفع في الرد أو يسف، إلا أن مواقف الحيوان محدودة ولا يكون في الغالب إلا تصرف واحد تجاه الحادث الذي يتعرض له. يقول تعالى: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3) [الإنسان: 3]. إن الإنسان الذي خلقه الله سبحانه وتعالى بهذه المثابة وأودع فيه هذه الطاقات والقدرات وأكرمه هذا التكريم وجعل له السيادة على مخلوقاته لم يخلقه عبثا ولن يتركه هملا يقول تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: 115] ,ويقول عزّ وجلّ: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً [القيامة: 36] إن كل ميزة تقابلها مسئولية وتكليف وعلى قدر عظم نِعْم الخالق سبحانه وتعالى على المخلوق تأتي التكاليف بأمور العبودية يقول تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا [الأحزاب: 72]. ونجد الآيات الكريمة تصم من ترك مستلزمات العبودية وتنكب لأداء الأمانة ونكص على عقبه بأشد النعوت وتخرجه عن دائرة الإنسان المكرّم وتلحقه بالدواب والعجماوات، يقول تعالى: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) [الأنفال: 22ــــ23]. ويقول جل شأنه: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ[الأعراف:179]، وقال جل شأنه: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الجمعة: 5]. وطريق التعرف على الأمانة التي كلّف الإنسان بها والتعرف على تفاصيل التكاليف المنوطة بالإنسان، والتعرف على أسلوب الأداء لهذه التكاليف على أكمل وجه، كل ذلك يتمثل في الصفوة المختارة من البشر لحمل الأمانة العظمى تمثّلها في سلوكهم وحياتهم الخاصة أولا، ثم تبليغها للآخرين دعوة وتطبيقا عمليا ليكونوا القدوة المثلى، والجهاد في سبيلها لحمل الناس على اعتناقها والالتزام بها، إنهم رسل الله عليهم الصلاة والسلام ، والائمة المعصومين (عليهم السلام) الذين يمثلون ذروة الكمال البشري؛ لأنهم يمثلون ذروة العبودية لله تعالى ويقومون بأعظم مهمة في الوجود وهي مهمة إرشاد الإنسان إلى الطريق الصحيح لتحقيق إنسانيته وللإبقاء على الفطرة الإنسانية سليمة من أدران البهيمية؛ وللأخذ بأيدي الناس إلى طريق الكمالات البشرية. تفسير الأمثل - مكارم الشيرزي - (ج 13 / ص 367) حمل الأمانة الإلهية أعظم إفتخارات البشر: تكمل هاتان الآيتان ـ اللتان هما آخر آيات سورة الأحزاب ـ المسائل المهمّة التي وردت في هذه السورة في مجالات الإيمان، والعمل الصالح، والجهاد، والإيثار، والعفّة والأدب والأخلاق، وتبيّن كيف أنّ الإنسان يحتل موقعاً سامياً جدّاً بحيث يستطيع أن يكون حامل رسالة الله العظيمة، وكيف أنّه إذا ما جهل قيمه الحياتية والوجودية سيظلم نفسه غاية الظلم، وينحدر إلى أسفل سافلين! تبيّن الآية أوّلا أعظم إمتيازات الإنسان وأهمّها في كلّ عالم الخلقة، فتقول: (إنّا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن تفسير الأمثل - مكارم الشيرزي - (ج 13 / ص 368) منها). ممّا لا شكّ فيه أنّ إباءها تحمل المسؤولية وإمتناعها عن ذلك لم يكن إستكباراً منها، كما كان ذلك من الشيطان، حيث تقول الآية (24) من سورة البقرة: (أبى واستكبر)، بل إنّ إباءها كان مقترناً بالإشفاق، أي الخوف الممتزج بالتوجّه والخضوع. إلاّ أنّ الإنسان، اُعجوبة عالم الخلقة، قد تقدّم (وحملها الإنسان إنّه كان ظلوماً جهولا). لقد تحدّث كبار مفسّري الإسلام حول هذه الآية كثيراً، وسعوا كثيراً من أجل الوصول إلى حقيقة معنى «الأمانة»، وأبدوا وجهات نظر مختلفة، نختار أفضلها بتقصّي القرائن الموجودة في طيّات الآية. ويجب التأكيد في هذه الآية العميقة المحتوى على خمس موارد: 1 ـ ما هو المراد من الأمانة؟2 ـ ما معنى عرضها على السماوات والأرض والجبال؟ 3 ـ لماذا وكيف أبت هذه الموجودات حمل هذه الأمانة؟ 4 ـ كيف حمل الإنسان ثقل الأمانة هذا؟ 5 ـ لماذا وكيف كان ظلوماً جهولا؟ لقد ذُكرت تفاسير مختلفة للأمانة ومن جملتها: أنّ المراد من الأمانة: هي الولاية الإلهية، وكمال صفة العبودية، والذي يحصل عن طريق المعرفة والعمل الصالح. أنّ المراد: صفة الإختيار والحرية والإرادة التي تميّز الإنسان عن سائر الموجودات. أنّ المراد: العقل الذي هو ملاك التكليف، ومناط الثواب والعقاب. أنّ المراد: أعضاء جسم الإنسان، فالعين أمانة الله، ويجب الحفاظ عليها وعدمتفسير الأمثل - مكارم الشيرزي - (ج 13 / ص 369) ستعمالها في طريق المعصية، والاُذن واليد والرجل واللسان كلّها أمانات يجب حفظها. أنّ المراد: الأمانات التي يأخذها الناس بعضهم من بعض، والوفاء بالعهود. أنّ المراد: معرفة الله سبحانه. أنّ المراد: الواجبات والتكاليف الإلهيّة كالصلاة والصوم والحجّ. لكن يتّضح من خلال أدنى دقّة أن هذه التفاسير لا تتناقض مع بعضها، بل يمكن إدغام بعضها في البعض الآخر، فبعضها أخذت جانباً من الموضوع، وبعضها الآخر كلّه. ومن أجل الحصول على جواب جامع كاف، يجب أن نلقي نظرة على الإنسان لنرى أي شيء يمتلكه وتفتقده السماوات والأرضون والجبال؟ إنّ الإنسان موجود له إستعدادات وقابليات يستطيع من خلال إستغلالها أن يكون أتمّ مصداق لخليفة الله، ويستطيع أن يصل إلى قمّة العظمة والشرف بإكتساب المعرفة وتهذيب النفس وتحصيل الكمالات، وأن يسمو حتّى على الملائكة. إنّ هذا الإستعداد المقترن بالحرية والإرادة والإختيار يعني أنّ الإنسان يطوي هذا الطريق بإرادته وإختياره، ويبدأ فيه من الصفر ويسير إلى ما لا نهاية. إنّ السماء والأرض والجبال تمتلك نوعاً من المعرفة الإلهية، وهي تذكر الله سبحانه وتسبّحه، وتخضع لعظمته وتخشع لها وتسجد، إلاّ أنّ كلّ ذلك ذاتي وتكويني وإجباري، ولذلك ليس فيه تكامل ورقي، والموجود الوحيد الذي لا ينتهي منحنى صعوده ونزوله، وهو قادر على إرتقاء قمّة التكامل بصورة لا تعرف الحدود، ويقوم بكلّ هذه الأعمال بإرادته وإختياره، هو الإنسان، وهذه هي «الأمانة الإلهيّة» التي إمتنعت من حملها كلّ الموجودات، وحملها الإنسان! ولذلك نرى الآية التالية قسّمت البشر إلى ثلاث فئات: «المؤمنين» و «الكفّار» وتفسير الأمثل - مكارم الشيرزي - (ج 13 / ص 370) الأمثل / الجزء الثالث عشر / صفحة -370- «المنافقين». بناءً على هذا يجب القول في عبارة مختصرة أنّ الأمانة الإلهية هي قابلية التكامل غير المحدودة والممتزجة بالإرادة والإختيار، والوصول إلى مقام الإنسان الكامل، وعبودية الله الخاصّة وتقبّل ولاية الله. لكن لماذا عُبّر عن هذا الأمر بالأمانة، مع أنّ كلّ وجودنا وكلّ ما لدينا أمانة الله؟ لقد عبّر بهذا التعبير لأهميّة إمتياز البشر العظيم هذا، وإلاّ فإنّ بقية المواهب أمانات الله أيضاً، غير أنّ أهميّتها تقلّ أمام هذا الإمتياز. ويمكن أن نعبّر هنا عن هذه الأمانة بتعبير آخر ونقول: إنّها التعهّد والإلتزام وقبول المسؤولية. بناءً على هذا فإنّ اُولئك الذين فسّروا الأمانة بصفة الإختيار والحرية في الإرادة، قد أشاروا إلى جانب من هذه الأمانة العظمى، كما أنّ اُولئك الذين فسّروها بالعقل، أو أعضاء البدن، أو أمانات الناس لدى بعضهم البعض، أو الفرائض والواجبات، أو التكاليف بصورة عامّة، قد أشار كلّ منهم إلى غصن من أغصان هذه الشجرة العظيمة المثمرة، وإقتطف منها ثمرة. لكن ما هو المراد من عرض هذه الأمانة على السموات والأرض؟ هل المراد: أنّ الله سبحانه قد منح هذه الموجودات شيئاً من العقل والشعور ثمّ عرض عليها حمل هذه الأمانة؟ أو أنّ المراد من العرض هو المقارنة؟ أي أنّها عندما قارنت حجم هذه الأمانة مع ما لديها من القابليات والإستعدادات أعلنت عدم لياقتها وإستعدادها عن تحمّل هذه الأمانة العظيمة. طبعاً، يبدو أنّ المعنى الثّاني هو الأنسب، وبهذا فإنّ السماوات والأرض والجبال قد صرخت جميعاً بأنّا لا طاقة لنا بحمل هذه الأمانة. تفسير الأمثل - مكارم الشيرزي - (ج 13 / ص 371) الأمثل / الجزء الثالث عشر / صفحة -371- ومن هنا يتّضح جواب السؤال الثالث أيضاً، بأنّ هذه الموجودات لماذا وكيف رفضت وأبت حمل هذه الأمانة العظمى، وأظهرت إشفاقها من ذلك؟ ومن هنا تتّضح كيفية حمل الإنسان لهذه الأمانة الإلهية، لأنّ الإنسان كان قد خلق بشكل يستطيع معه تحمّل المسؤولية والقيام بها، وأن يتقبّل ولاية الله، ويسير في طريق العبودية والكمال ويتّجه نحو المعبود الدائم، وأن يطوي هذا الطريق بقدمه وإرادته، وبالإستعانة بربّه. أمّا ما ورد في روايات عديدة وردت عن أهل البيت (عليهم السلام) من تفسير هذه الأمانة بقبول ولاية أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وولده، فمن أجل أنّ ولاية الأنبياء والأئمّة نور ساطع من تلك الولاية الإلهية الكليّة، والوصول إلى مقام العبودية، وطي طريق التكامل لا يمكن أن يتمّ من دون قبول ولاية أولياء الله. جاء في حديث عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أنّه سئل عن تفسير آية عرض الأمانة، فقال: «الأمانة الولاية، من إدّعاها بغير حقّ كفر»(1). وفي حديث آخر عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال عندما سئل عن تفسير هذه الآية: «الأمانة الولاية، والإنسان هو أبو الشرور المنافق»(2). والمسألة الاُخرى التي يلزم ذكرها هنا، هي أنّنا قلنا في ذيل الآية (172) من سورة الأعراف فيما يتعلّق بعالم الذرّ بأن أخذ ميثاق الله على التوحيد كان عن طريق الفطرة، وإستعداد وطبيعة الآدمي، وإنّ عالم الذرّ هو عالم الإستعداد والفطرة. وفي مورد قبول الأمانة الإلهيّة يجب القول بأنّ هذا القبول لم يكن قبول اتّفاق وعقد، بل كان قبولا تكوينياً حسب عالم الإستعداد. السؤال الوحيد الذي يبقى هو مسألة كون الإنسان «ظلوماً جهولا»، فهل أنّ --- 1 ـ تفسير البرهان، المجلّد 3، صفحة 341 ذيل الآية مورد البحث. 2 ـ المصدر السابق. تفسير الأمثل - مكارم الشيرزي - (ج 13 / ص 372) الأمثل / الجزء الثالث عشر / صفحة -372- وصف الإنسان بهاتين الصفتين ـ وظاهرهما ذمّه وتوبيخه ـ كان نتيجة قبوله لهذه الأمانة؟ من المسلّم أنّ النفي هو جواب هذا السؤال، لأنّ قبول هذه الأمانة أعظم فخر وميزة للإنسان، فكيف يمكن أن يُذمّ على قبوله مثل هذا المقام السامي؟ أم أنّ هذا الوصف بسبب نسيان غالب البشر وظلمهم أنفسهم، وعدم العلم بقدر الإنسان ومنزلته .. وبسبب الفعل الذي بدأ منذ إبتداء نسل آدم من قِبل قابيل وأتباعه، ولا يزال إلى اليوم. إنّ الإنسان الذي ينادى من العرش، وبني آدم الذين وُضع على رؤوسهم تاج (كرّمنا بني آدم) والبشر الذين هم وكلاء الله في الأرض بمقتضى قوله سبحانه: (إنّي جاعل في الأرض خليفة) والإنسان الذي كان معلّماً للملائكة وسجدت له، كم يجب أن يكون ظلوماً جهولا لينسى كلّ هذه القيم السامية الرفيعة، ويجعل نفسه أسيرة هذه الدنيا، وتابعاً لهذا التراب، ويكون في مصاف الشياطين، فينحدر إلى أسفل سافلين؟! أجل .. إنّ قبول هذا الخطّ المنحرف ـ والذي كان ولا يزال له أتباع وسالكون كثيرون جدّاً ـ خير دليل على كون الإنسان ظلوماً جهولا، ولذلك نرى أنّه حتّى آدم نفسه، والذي كان رأس السلسلة ومتمتّعاً بالعصمة، يعترف بأنّه قد ظلم نفسه (ربّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين).(1) لقد كان «ترك الأولى» الذي صدر منه ناشئاً في الحقيقة عن نسيان جزء من عظمة هذه الأمانة الكبرى! وعلى أي حال، فيجب الإعتراف بأنّ الإنسان الضعيف والصغير في الظاهر، هو اُعجوبة علم الخلقة، حيث إستطاع أن يتحمّل أعباء الأمانة التي عجزت السماوات --- 1 ـ الأعراف، 23.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|