الإعجاز العلمي في القرآن الكريم
من أوضح سمات هذا العصر الحديث ، أنه عصر التقدم العلمي والتكنولوجي ،حيث تقدم الإنسان في العلوم والمعارف المادية البحتة والمخترعات الحديثة ، وبلغت البشرية في هذا المجال درجات بعيدة ، ما كان يحلم أن يصل إليها أحد من السابقين ، بل ما كان يدور بخيال أحدهم هذا التقدم العلمي .
ولذلك أعجب الإنسان المعاصر بالاكتشافات والمخترعات والمعارف العلمية ، وأشاد بالعقل الإنساني العجيب الذي تمكن من معرفة هذه العلوم والمكتشفات .
وقد وجه القرآن الإنسان إلى التدبر والتأمل والنظر في آيات الله في نفسه وفي جسمه ، وفي الأرض والكون من حوله : ? وفي الأرض آيات للموقنين . وفي أنفسكم أفلا تبصرون ? [ الذاريات :20-21] .
ووعد القرآن بالكشف عن مزيد من آيات الله في النفس والآفاق ، وأخبر أن هذا الكشف والبيـــان سيتحقق في مستقبل البشريـــة : ? سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنــه الحق ? [ فصلت :53] .
والتعبير بالسين في قوله : ? سنريهم ? يوحي أن الأمر مستقبلي ، أي أن هذه الرؤية التي ستحقق للناس ، ستزداد في المستقبل ، والعامل في زيادتها هو تقدم العلوم والمعارف والمكتشفات عند البشرية ، وهذه حقيقة علمية مدركة ، فكلما ازدادت البشرية علماً وكشفاً وتجربةً ، كلما قدمت لها آيات القرآن جديداً من آيات الله الكونية في النفس والآفاق ، حيث يقف العلماء على أبعاد علمية جديدة للآيات القرآنية ، لم يقف عليها العلماء والمفسرون في الماضي .
والهدف العلمي من هذا الكشف العلمي القرآني أن ? يتبين لهم أنه الحق ? والهاء في «أنه» تعود على القرآن . أي ليتبين للناس أن هذا القرآن الذي يقدم للعلماء هذه المعلومات العلمية ، التي تزيد كلما ازداد علمهم ، هو الحق من عند الله ، وليس من كلام محمد ? الذي عاش أمياً في بيئة أمية .
بين التفسير العلمي والإعجاز العلمي :
التفسير العلمي هو : النظر في الآيات ذات المضامين العلمية ، من الزاوية العلمية ، وتفسيرها تفسيراً علمياً ، وذلك بالاستعانة بالعلوم والمعارف والمكتشفات الجديدة ، في توسيع مدلولها ، وتقديم معناها . وهذا أمر مطلوب وضروري ، لتقديم معاني القرآن العلمية للناس ، وإشباع شوقهم العلمي وتلبية حاجتهم العلمية ، وزيادة تذوقهم للقرآن وإعجابهم به وأتباعهم له .
أما الإعجاز العلمي : فهو أن نعتبر تلك المضامين والأبعاد والإشارات والحقائق العلمية لتلك الآيات ، وجهاً من وجوه الإعجاز القرآني ، ونسميه « الإعجاز العلمي » ونضيفه إلى وجوه الإعجاز الأخرى .
نماذج لتلك الآيات ذات المضامين العلمية :
سنقدم فيما يلي نماذج لتلك الآيات ذات المضامين العلمية في شتى المجالات والموضوعات ونكتفي بذكرها دون بيان ما فيها من مضامين علمية ، بل نحيل على بيان العلماء المفسرين المعاصرين لذلك .
1- في ما يتعلق ببدء الكون وخلق السموات والأرض يقول اللـه تعالى : ? قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين . وتجعلون له أنداداً . ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواءً للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض أئتيا طوعاً أو كرهاً قالتا : أتينا طائعين فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزيّنا السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً ذلك تقدير العزيز العليم ? [ فصلت :9-12] .
2- عن تماسك بنيان السماء ، وعن تمدد الكون وتوسعه المستمر يقول الله تعالــى : ? والسماء بنيناها بأيــد وإنا لموســعون ? [ الداريات : 47] .
3- عن خلق السماء بغير عمد ، وعن الجاذبية بين الأفلاك في الفضاء ،يقول اللـه تعالـى : ? خلق السموات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كـــل دابة ... ? [ لقمان :10] .
4- عن كروية الأرض يقول الله : ? خلق السموات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ? [ الزمر :5] .
5- وعن دحو الأرض يقول الله تعالى : ? والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبــال أرساها متاعاً لكم ولأنعامكم ? [ النازعات :29-33] .
6- وعن الفرق بين الشمس والقمر ، واستمداد القمر لنوره من الشمس، يقول الله تعالى : ? وهو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً وقدرناه منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ? [ يونس:5]
7- عن مواقع النجوم العجيبة ، يقول الله : ? فلا أقسم بمواقع النجوم وأنه لقسم لو تعلمون عظيم ? [ الواقعة :75-76] .
8- عن وظيفة الجبال المثبتة للأرض ، وكونها لها بمثابة الأوتاد للخيمة ، قال الله تعالى : ? ألم نجعل الأرض مهاداً . والجبال أوتاداً ? [ النبأ :7-8] .
9- عن الماء العذب والماء المالح ووجودهما متجاورين بدون اختلاط أو امتزاج في البحار ، واستخراج اللؤلؤ والمرجان من كليهما ، قال الله تعالى : ? مرج البحرين يلتقيان.بينهما برزخ لا يبغيان . فبأي آلاء ربكما تكذبان ، يخرج منهما اللؤلؤ والمرجــــان ? [ الرحمن :19-22] .
10-عن حركة الرياح وتكون السحب وشحنها بالمطر ونزوله منها ، يقول الله تعالى : ? ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاماً فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ? [ النور :43] .
11-عن حركة النحل الدائبة ، وفوائد ومنافع ما يؤخذ منها من عسل يقول الله : ? وأوحى ربك إلى النحل أن أتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ? [ النحل :68-69] .
12-عن خلق الإنسان من الماء الخارج من بين الصلب والترائب ، يقول الله تعالى : ? فلينظر الإنسان مم خلق ، خلق من ماء دافق ، يخرج من بين الصلب والترائب ? [ الطارق : 5-7] .
13-عن السلالة التي خلق منها الإنسان ، قال الله تعالى : ? ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ، ثم جعلناه نطفة فــي قرار مكين ? [ المؤمنون : 12-13] .
14-عن مراحل النشأة الجنينية في رحم الأم ، يقول الله تعالى : ? ثم خلقنا النطفة علقة ، فخلقنا العلقة مضغة ، فخلقنا المضغة عظاماً ، فكسونا العظام لحماً ، ثم أنشأناه خلقاً آخر ، فتبارك اللـه أحسن الخالقين ? [ المؤمنون : 14] .
15-عن دور بصمات الإنسان في تحقيق شخصيته ، وعن عدم التشابه ما بين بصمات شخصين من البشر ، وعن دقة صنع تلك البصمات ، يقول الله تعالى : ? أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه ؟ بلى قادرين على أن نسوي بنانه ? [ القيامة :3-4] .
16-عن كون الجلد مركزاً للإحساس بالألم أو النعيم ، لتجمع الأعصاب الحساسة تحته ، يقول الله تعالى : ? إنّ الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً ، كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ? [ النساء :56] .
نكتفي بهذه النماذج من الآيات ذات الإشارات والمضامين العلمية ، في حقول العلم والمعرفة الواسعة المتنوعة على بديع صنع الله عزوجل . وهكذا فإن معاني القرآن الكريم ستظل تتسع باستمرار مع اتساع دائرة المعرفة الإنسانية تحقيقاً لنبوءة الرسول ? حينما وصف القرآن بقوله : « إنّ هذا القرآن لا تنتهي عجائبه » .
ضوابط الإعجاز العلمي :
لابد من وجود ضوابط علمية منهجية معينة في التعامـل مع قضية الإعجاز العلمي ، حتى لا نقع في غلو وإفراط ومبالغة ، وحتى لا نحمل الآيات مالا تحتمل ، وحتى لا ينحرف معناها أو نشتط في تفسيرها ، وحتى لا نخطئ في فهم الآيات وتقديمها للناس ، وحتى لا يتناقض القرآن مع حقائق العلم وبدهياته .
ومن هذه الضوابط : ألا توظف قضية الإعجاز العلمي إلا للثابت من الحقائق العلمية التي حسمها العلم ، والتي لا رجعة فيها ، ولا يجوز أن نوظف المتغير. إنّ الحقائق القرآنية حقائق نهائية قاطعة مطلقة . أما ما يصل إليه البحث الإنساني فهي حقاتق غير نهائية ولا مطلقة ، وهي مقيدة بحدود تجارب وظروف هذه التجارب وأدواتها .. فمن الخطأ المنهجي - بحكم المنهج العلمي الإنساني ذاته - أن نعلق الحقائق النهائية القرآنية بحقائق غير نهائية ، وهي كل ما يصل إليه العلم البشري .
هذا بالقياس إلى الحقائق العلمية ، والأمر أوضح بالقياس إلى النظريات والفروض العلمية ، التي تفسر أكبر قدر من الظواهر الكونية أو الحيوية أو النفسية أو الاجتماعية التي تكون دائماً قابلة للتغيير والتبديل والتعديل والنقص والإضافة ، بل قابلة لأن تنقلب رأساً على عقب ، بظهور أداة كشف جديدة ، أو بتفسير جديد لمجموعة الملاحظات القديمة
وكل محاولة لتعليق الإشارات القرآنية العامة بما يصل إليه العلم من نظريات متجددة متغيرة –أو حتى بحقائق علمية ليست مطلقة- تحتوي أولاً على خطأ منهجي أساسي ، كما أنها تنطوي على معان لا تليق بجلال القرآن الكريم .
ولا بد من الإلمام باللغة العربية وضوابطها وأساليب التعبير منها ، فبدون هذا الإلمام ربما يخرج التفسير العلمي لآيات الإعجاز في القرآن الكريم عن جادة الصواب ، كما لابد من فهم أسباب النزول والناسخ والمنسوخ وفهم المأثور من أحاديث الرسول ? ، فموضوع الإعجاز العلمي تخصص لايستطيع أن يخوض فيه أي خائض ، إذ يجب أن يكون المتصدر لهذا العمل متخصصاً على أعلى مستوى حتى يستطيع أن يستكشف لمحة الإعجاز في الآية القرآنية ، ولابد أن يهتم كل متخصص بجزئية محددة من الإعجاز العلمي ولا يخوض فيما لايعلم ، ولابد هنا من تأصيل القواعد الإسلامية الصحيحة في كل علم من العلوم ، وكل تخصص من التخصصات ، ولابد من إبراز دور المسلمين الأوائل في النهضة العلمية والتقنية المعاصرة .