انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم علوم القرآن
المرحلة 3
أستاذ المادة اشرف عدنان حسن الموسوي
12/06/2018 18:39:22
موهبة البحث وشخصية الباحث: نريد أن نقول بصراحة إن البحث موهبة تمنح لبعض الناس ولا تمنح للآخرين، فالبحث خلق وإبداع، وتلك قدرة خاصة تبرز أو تتألق لدى بعض الأفراد، وتتضاءل أو تنعدم عند آخرين. وإذا أجرينا مقارنة بين الطالب في قسم الليسانس أو البكالوريوس، وبين الطالب في الدراسات العليا، نجد الأول يتبع أستاذه غالبا، يقرأ له أو يقرأ ما يوصي به، وقد يكون فيه بعض الذكاء أو قد يكون مجتهدا، فيستطيع أن يحيط بالمادة كما قدمت له، وينال تقديرا عاليا في الامتحان، أما الطالب في الدراسات العليا فتختلف حاله، لأنه يتحتم عليه أن يبتكر شيئا، وأن تكون فيه قدرة على الخلق، ولا يكتفي فيه بالاتباع. ومن هنا فإننا نؤكد أن العلاقة ليست مطردة بين التقدم في نتائج الامتحانات بقسم الليسانس أو البكالوريوس وبين عالم البحث والتأليف، فطالما تراجع أوائل الليسانس عن الصفوف الأولى عندما اتجهوا للبحث والتأليف، وعلى العكس من ذلك نجح في صفوف الباحثين جماعة ممن توفرت فيهم موهبة البحث وإن لم يكونوا في الصفوف الأولى إبان دراستهم بقسم الليسانس. وموهبة البحث عندما توجد يمكن تنميتها بالمعرفة والمثابرة، فكثرة الاطلاع على الأعمال الجيدة، وعمق التفكير فيها وفي خطواتها الفكرية، ثم الاستمرار على محاولات البحث والدراسة، والتعرف على أخطاء المحاولة كما يبرزها الأساتذة والمشرفون والنقاد، والاتجاه لتحاشي هذه الأخطاء في الأعمال الجديدة.. كل ذلك ينمي موهبة البحث ويبرز شخصية الباحث. ولكن عندما تكون موهبة البحث ضيئلة أو معدومة يكون من الصعب، وربما من الخطأ السير في طريق البحث، فإن الطالب في هذه الحالة لن يستطيع أن يخلق عملا علميا ذا بال، وكثيرا ما نصادف طلابا يحبون القراءة، ويميلون للجد والاجتهاد، ولكن قدراتهم في عالم البحث ضعيفة أو محدودة، فتكون أعمالهم جسدا لا روح فيه، ومجموعة اقتباسات لم تسيطر عليها عبقرية الدارس، فتبدو كالأشلاء والرقاع، دون جوهر طيب وقوة نفاذة. وليست موهبة البحث التي نتحدث عنها شيئا غامضا أو مبهما، بل إن هذه الموهبة لها مظاهر ومعالم تدل عليها وتكشف عن وجودها، ومن أهم العلامات التي تبرز موهبة البحث، القدرة على اختيار موضوع الدراسة لم تتضح بعد معالمه، فإذا رأيت الطالب يبهره موضوع مدروس فيقترحه موضعا له، فهذا الطالب جدير بالإشفاق، لأنه تابع وليس مبتكرا، والطالب الموهوب هو الذي يعمد إلى موضوع غامض فيقترحه ليبحثه ويتدارسه ويحاول أن يزيل غموضه.. ومن علامات هذه الموهبة القدرة على ابتكار خطة مناسبة للبحث، فهذه القدرة دليل على سيطرة الطالب على الموضوع وعلى جوانب الفكر فيه. ومن هذه العلامات استقلال شخصية الباحث، وعدم استعداده لينجذب بسهولة مع الريح، ومع الآراء هنا وهناك. ومن هذه العلامات الاستفادة من المقارنات وابتكار فكرة منها لم يسبق الباحث لها. ومن علامات هذه الموهبة ألا يسلم تسليما مطلقا بالآراء التي سبق بها والتي قررها أسلافه، بل لابد أن يقف عند المقدمات ويتدارسها، فقد تقوده إلى نتائج تخالف ما ذهب إليه السابقون. ومن علامات هذه الموهبة ألا يقنع بالكلمات المكتوبة أو المقولة، بل يحاول أن يقرأ "ما بين السطور" كما يقولون، وليس تعبير "ما بين السطور" شيئا غامضا، فطالما منعتنا ظروف قاهرة من أن ندون ما نريد، فنتجه لحيل مختلفة في الفكرة أو في التعبير لنضع بين السطور ما نريد أن نقول أن أو أكثره، ونترك للطالب الموهوب أن يتعرف على ذلك، ويكثر هذا جدا في الكتابات السياسية أو المتصلة بالسياسة. ومن هذه العلامات أن يشعر الباحث دائما بأنه سيد بحثه وخالقه، بمعنى أن يحاول دائما إدخال بعض التحسينات والإضافات عليه. ومن هذه العلامات أن تظهر في الباحث اللذة في العمل والرغبة في الاستمرار فيه، وإيثاره على كل شيء، لأن البحث أصبح حياة الباحث وأمله وحبه. ومن هذه العلامات في الدراسات التجريبية الصبر والدقة والفطنة، وفي الدراسات التاريخية التسلسل التاريخي وعدم التكرار، وفي كل الدراسات عدم التسرع للحصول على الدرجة العلمية التي يعمل لها، لأن الباحث الموهوب يهتم بالبحث وجودته، ويرى فيه شخصيته وأمله، ولهذا فهو يتطلع للكمال فيه أكثر مما يتطلع للإسراع في الحصول على الدرجة التي يسعى لها. ومن هذه العلامات التأنق في الأداء، فيكون الباحث كالمصور والمثال الذي يتحرك بريشته وأجهزته لجعل الصورة أو التمثال في أروع مظاهره. وعلى العموم فموهبة البحث تشبه قدرات النحلة، فالنحلة تقف على الزهور كما تقف الحشرات والطيور، ولكن النحلة وحدها تجعل من الرحيق عسلا شهيا، فهل تستطيع أيها الطالب أن تخرج شيئا مما تقرأ؟ إن كنت تستطيع فأنت جدير أن تدخل دنيا البحث والدراسة، وإن كنت لا تستطيع فلست كالنحلة ولست باحثا، إنما أنت قارئ تستفيد بما فعل الآخرون وتفيد به، وليس من الضروري أن تتجه إلى ما لا تجيده. بقي بعد ذلك أن أعطي بعض أمثلة عن العلامات التي سبق ذكرها: فيما يتعلق باستقلال شخصية الباحث نذكر أن المراجع الأساسية للدين الإسلامي وتشريعاته واحدة، ولكن شخصية المجتهدين من العلماء أدت إلى الاختلاف في فهم النصوص القرآنية والأحاديث الشريفة، فظهرت المذاهب المختلفة نتيجة لاختلاف الفهم واستقلال شخصية الباحثين. وفيما يتعلق بابتكار بعض المقارنات المفيدة أذكر هنا أنه كان في العراق دولة للمماليك بدأت سنة 1749م إبان الحكم العثماني الذي كان يسيطر على أكثر العالم العربي، وكان بعض باشوات المماليك بالعراق من طبقة الحكام الممتازين، كما كان بعضهم من الحكام العاديين، ومن خيرة باشوات المماليك بالعراق داود باشا الذي تذكر المراجع أنه كان يتمتع بموهبة أدبية ممتازة ومقدرة إدارية عالية، وكفاءة عسكرية رائعة، ومع هذا فقد حاربته الدولة العثمانية حربا قاسية، وأسقطته، وأزالت دولة المماليك من العراق وكان ذلك سنة 1831م، وقد أوحى هذا التاريخ لي بمقارنة مهمة فسرت إصرار الدولة العثمانية على إسقاط ممالك العراق آنذاك، فكتبت في الجزء السابع من موسوعة التاريخ الإسلامي أوضح أن محمد على باشا بمصر كان يطمع في أن ينال ولاية الشام مكأفأة له على الجهد الذي بذله في حرب اليونان ولما رفض الباب العالي هذا الأمل أعلن محمد علي استقلاله بل اتجه ليحقق أطماعه بالقوة، فاكتسحت الجيوش المصرية بلاد الشام ثم منطقة الأناضول سنة 1831 وخاف الباب العالي أن توجد بالعراق قوة استقلالية تقلد الحركات التي قام بها محمد علي، وإذا كان الباب العالي يحتمل بشكل ما استقلال مصر وقوتها فإن الوضع مختلف بالنسبة للعراق لأن حدود العراق تتاخم حدود تركيا. وهذا يفسر لنا تحديد الوقت للقضاء على المماليك بالعراق وهو سنة 1831 أي نفس السنة التي بدأ فيها محمد علي باشا زحفه على الشام والأناضول، ولم يشفع لداود باشا أن حكمه كان أحسن العهود فكرا واستقرار.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|