انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

وجوه الاعجاز القرآني

الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم علوم القرآن     المرحلة 3
أستاذ المادة فاضل عبد العباس محسن النعيمي       10/06/2018 09:00:03
رابعـــاً : وجوه الإعجاز في القرآن الكريم :
إنَّ قضية الإعجاز قد فرضت نفسها من قديم على السلف من علماء المسلمين ، كما ذكرنا ، إلا أنّ أقوالهم تعددت في وجوهـــــها ، وأياً ما قالــــــــوا فيها ، فالذي لا ريب فيه هو أن إعجاز القرآن من جهة الفصاحة والبلاغة لم يكن موضع جدل أو خلاف ( ) ، وإنما كان الجدل بين أهل النظر في اعتباره معجزاً في غير ذلك من مختلف الوجوه ( ) .
فقد تعددت أوجه الإعجاز في كتاب الله بتعدد جوانب النظر فيه ، فكل آية من آياته فيها إعجاز لفظي وبياني ودلالي ، وكل مجموعة من الآيات ، وكل سورة من السور طالت أم قصرت ، بما فيها من قواعد عقدية ، أو أوامر تعبدية ، أو قيم أخلاقية ، أو ضوابط سلوكية ، أو إشارات علمية الى شيء من أشياء هذا الكون الفسيح ، وما فيه من ظواهر وكائنات ، وكل تشريع ، وكل قصة ، وكل واقعة تاريخية ، وكل وسيلة تربوية ، وكل نبوءة مستقبلية ، كل ذلك يفيض بجلال الربوبية ، ويتميز عن كل صياغة انسانية ويشهد للقرآن بالتفرد كما يشهد بعجز الإنسان عن أن يأتي بشيء من مثله .
ولقد أفاض المتحدثون عن أوجه الإعجاز في كتاب الله ، وكان منهم من رأى ذلك جمال بيانه ، ودقة نظمه ، وكمال بلاغته ، أو في روعة معانيه وشمولها واتساقها ودقة صياغتها ، وقدرتها على مخاطبة الناس على اختلاف مداركهم وأزمانهم ، واشعاعها بجلال الربوبية في كل آية من آياته .
ومنهم من أدرك أن إعجاز القرآن في كمال تشريعه ، ودقة تفاصيل ذلك التشريع وحكمته وشموله ، أو في استعراضه الدقيق لمسيرة البشرية ، ولتاريخ عدد من الأمم السابقة من لدن أبينا آدم عليه السلام الى خاتم الأنبياء والمرسلين عليه وعليهم أجمعين أفضل الصلاة وأزكى السلام ، مما لم يعلم تفاصيله أحد من الناس .
ومنهم من رأى إعجاز القرآن الكريم في منهجه التربوي الفريد ، وأطره النفسية السامية والعلمية في الوقت نفسه ، والثابتة على مر الأيام ، أو في إنبائه بالغيب مما تحقق بعد نزوله بسنوات طويلة ، أو في إشاراته الى العديد من حقائق الكون وسنن الله فيه مما لم يكن معروفاً لأحد من البشر وقت نزول القرآن ، ولا لمئات السنين بعد ذلك النزول .
ومنهم من رأى إعجاز القرآن في صموده على مدى يزيد على أربعة عشر قرناً لكل محاولات التحريف التي قامت بها قوى الشر المتعددة من مشركين وملاحدة وغيرهم على مدى تلك القرون العديدة ، وذلك لأن الله تعالى تعهد بحفظه في قوله : ژ? ? ? ? ? ? ? ںژ [الحجر:9]، ومن العلماء من يرى إعجازه في ذلك كله وفي غيره ( ) . حتى أن بعضهم ذكر أربعين وجهاً من أنواع الإعجاز في القرآن الكريم .
ونقل السيوطي (ت911ه/1505م) أنّ بعض العلماء قد أنهى وجوه الإعجاز الى ثمانين وجهاً ، ثم قال : «والصواب أنه لا نهاية لوجوه الإعجاز . . . » ( ) .
وقد ناقش هذه الوجوه الرماني (ت386ه/996م) ، والباقلاني (ت403ه/1013م) ، والرازي (ت606ه/1210م) ، والسكاكي (ت626ه/1229م) ، وابن الزملكاني (ت651ه/1253م) ، وغيرهم ، وعرضها الزركشي في كتابه «البرهان في علوم القرآن» ( ) .
ولكن القرطبي (ت671ه/1272م) في تفسيره «الجامع لأحكام القرآن» حدّد عشرة أوجه لإعجاز القرآن هي بإيجاز :
1- النظم البديع المخالف لكل نظم عهده العرب .
2- أسلوبه العجيب المخالف لجميع أساليب العرب التي كانت شائعة بينهم.
3- جزالته التي لا تمكن لمخلوق .
4- التصرف في الألفاظ العربية على وجه لا يستقل به عربي .
5- الإخبار عن الأمور التي تقدمت من أول الدنيا الى وقت نزوله بما لم تجر العادة بصدوره .
6- الوفاء بالوعد الوارد في القرآن ، كوعد المؤمنين بالنصر ، وإخراج الذين أخرجوه من وطنه ، وجزاء التوكل على الله .
7- الإخبار عن المغيبات في المستقبل ، كانتصار الروم وغيره .
8- ما تضمّنه القرآن من العلم الذي هو قوام الأنام في الحلال والحرام وسائر الأحكام .
9- اشتماله على الحِكَم البالغة التي لم تجر العادة بأن تصدر في كثرتها وشرفها من آدمي .
10- عدم الاختلاف والتناقض بين معانيه ، والتناسب في جميع ما تضمّنه ظاهراً وباطناً من غير اختلاف ( ) .
ومن المعلوم أن هذه الأوجه العشرة التي حددها القرطبي لا تستغرق كل جوانب أو وجوه الإعجاز القرآني .
وعلى كل ، فإنّ المتأمّل في الأدلة والبراهين المتعددة التي قدّمها علماؤنا لإظهار إعجاز القرآن ، يجد فيها من البيان وتوافر شواهد الصدق ما يكفي لإقامة الحُجّة على الناس ، بأنّ هذا القرآن لا يمكن أن يكون من كلام بشر ، وإنما تنزيل من العزيز الحكيم سبحانه .
ولعل الاختلاف الظاهر بين العلماء حول وجوه الإعجاز يكمن في حقيقة أن دراسة النص القرآني الكريم قد تأثرت من حيث النشأة وامتداداتها بالمناخ الثقافي السائد في كل عصر وزمان . فما من شك أنه بدوام اتساع دائرة المعارف الإنسانية ، وتكرار تأمّل المتأمّلين في هذا الكتاب العظيم ، وتدبّرهم لآياته عصراً بعد عصر ، وجيلاً بعد جيل ، يفتح الله تعالى على العلماء باكتشاف حقائق ومستجدّات ، لم يتنبّه إليها المتقدمون من السلف ( ) .
فالقرآن معجزة تخاطب كل عصر بما برع فيه أصحابه ، ولذلك يبقى عطاؤه دائماً لا ينقطع ، ليجد فيه كل جيل حاجته ومحجّته ، قــــال تعالى : ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ [الكهف:109] ، حقاً ! فلو كانت بحار الدنيا حبراً ومدداً ، وكُتبت به كلمات الله وحِكَمه وعجائبه ، لفني ماء البحر على كثرته وانتهى ، وكلام الله لا ينفد ، لأنه غير متناهٍ ، كعلمه سبحانه وتعالى .
وفي هذا يقــــول الزرقاني : « لقد اشتمل القرآن على آلاف من المعجزات ، لا معجزة واحدة فحسب ، فلم يذهب بذهاب الأيام ، ولم يمت بموت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، بل هو قائم في فم الدنيا يجابه كل مُكَذِّب ، ويتحدى كل منكر ، ويدعو أمم العالم جمعاء الى ما فيه من هداية وتشريعات ونظم تكفل السعادة لبني الإنسان »( ) .
ولذلك نجد أن ّدائرة الإعجاز القرآنية تتجلى عبر الأزمان بأوجه مختلفة ومتعددة « بحيث لم يجد العلماء موضوعاً من مواضيع المعرفة الإنسانية ، إلا وكان القرآن عليه دليلاً »( ) .
وإنّ في هذا التعليل نكتة ذات أهمية بالغة ، نحسبها السبب الرئيس في إقرار العلماء بأن «علوم القرآن وإن كثر عددها وانتشر في الخافقين مددها ، فغايتها بحر قعره لا يُدرك ، ونهايتها طود شامخ لا يُستطاع الى ذروته أن يُسلك ، ولهذا يُفتح لعالم بعد آخر من الأبواب ما لم يتطرّق إليه من المتقدّمين الأسباب» ( ) . وأنت تتبيّن هذه الحقيقة إذا تأمّلت كتب الإعجاز في القرآن قديماً وحديثاً ، وإذ ذاك سيلفت انتباهك تصريح كل مؤلف فيها ، أنه جاء بشيء جديد ، لم يسبقه إليه أحد من قبل .


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .