انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم علوم القرآن
المرحلة 7
أستاذ المادة محمد طالب مدلول الحسيني
09/06/2018 16:41:11
مفهوم الوحي ورد لفظ الوحي ومشتقاته في القرآن (78) مرة، وباستعراض مادته بكافة اشتقاقاتها _وعلى ضوء معاجم اللغة_ يمكن القول بأنه يطلق في اللغة على: الإشارة والإيماء، كما يطلق على الإلهام الذي يقع في النفس، وهو أخفى من الإيماء. قال ابن منظور: هو إعلام في خفاء، ولذلك صار الإلهام يسمى وحياً. وقال الفيروزابادي: الوحي: الإشارة، والكتابة، والمكتوب، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك، وأوحى إليه: بعثه وألهمه. ? ويتناول الوحي بهذا المعنى اللغوي: - 1ــ الإلهام الفطري للإنسان، كالوحي إلى أم موسى:(وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ)[القصص:7]. 2ـ الإلهام الغريزي للحيوان، كالوحي إلى النحل: ( وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) [النحل: 68]. 3ـ الإشارة السريعة على سبيل الرمز كإيحاء زكريا عليه السلام: ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا )[مريم: 11]. 4 ــ وسوسة الشيطان وتزيينه الشر في نفوس الناس: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ )الانعام:121 5ــ ما يلقيه الله إلى ملائكته من أمر: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا) [الأنفال: 12]. 6 ــ كما يطلق على الإعلام بالشيء في الخفاء، وهو أن تُعلِم إنساناً بأمر تخفيه على غيره، كما حكى الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ) [الأنعام: 112]. 7 ــ ووحي الله إلى أنبيائه هو ما يلقيه إليهم من العلم الضروري الذي يخفيه عن غيرهم. إنّ إطلاقات اللغة على (مفهوم الوحي) أكدت أنَّ السرعة والخفاء من سمات الوحي ومزاياه. الوحي في الشرع: الوحي إنما سمي وحياً؛ لأن المَلَك أسرَّه عن الخلق، وخص به النبي صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله إليه، وقد تعددت تعريفاتهم له، إلا أن أجمعها كان تعريف الزرقاني الذي عرفه بقوله: ((أن يُعْلِمَ الله تعالى من اصطفاه من عباده كلَّ ما أراد اطلاعه عليه من ألوان الهداية والعلم، ولكن بطريقة سرية خفية غير معتادة للبشر)). ? وعرف الوحي الالهي بأنه: الفعل الذي يكشف به الله للإنسان عن الحقائق التي تجاوز نطاق عقله ? مفهوم الوحي عند اليهود والنصارى : ? جاء تفسير كلمة (وحي) في قاموس الكتاب المقدس : « هو حلول روح الله في روح الكتاب الملهمين لإطلاعهم على الحقائق الروحية والأخبار الغيبية من غير أن يفقد هؤلاء الكتاب بالوحي شيئا من شخصياتهم فلكل منهم نمطه في التأليف ، وأسلوبه في التعبير ». ? وهذا التعبير عن الوحي بهذا الفهم ، يختلف جذريا عن المفهوم القرآني للوحي ويضفي مناخا باطنيا في الحلول والاتحاد ، يدفعه الإسلام ، وهو سبيل مختصر إلى تقمص الصفاء الروحي وادعائه من قبل من لم يحصل عليه وفيه استهواء للدجل الاجتماعي عند الكهنة والكذبة ، وبعد هذا : فهو مغاير لمفهوم الوحي وطريقته اللذين خاطب الله بهما رسله وعلمهم من خلالهما ، مع استقلال في شخصية الوحي ، بعيدة عن مراتب الفراسة والتجانس الروحي ، واستقلال في المتلقى بعيد عن الاستنتاج الذاتي ، أو التعبير المطلق بكل صوره. ? ويأتي الوحي عند اليهود: بمعنى الإلهام أو انبثاق الفكرة في ذهن النبي. الفرق بين الوحي والكشف والإلهام ما يميز الوحي عن المكاشفة ، والوحي النفسي ، والإلهام ، إذ أن مرد الإلهام يعود عادة إلى الميدان التجريبي لعلم النفس ، ونزعة الوحي النفسي تعتمد على التفكير في الاستنباط ، والمكاشفة تتأرجح بين الشك واليقين. أما الوحي فحالة فريدة لا تخضع إلى التجربة أو التفكير ومتيقنة لا مجال معها للشك. والوحي بالمعنى المشار إليه يختص بالأنبياء ، وليس الإلهام أو الكشف كذلك ، فهما عامان وشائعان بين الناس. ويتجلى الفرق بين الإلهام والوحي، أن مصدر الإلهام باطني ، وأن مصدر الوحي خارجي ، بل الإلهام من الكشف المعنوي ، والوحي من الواقع الشهودي ؛ لأن الوحي إنما يتحصل بشهود الملك وسماع كلامه ، أما الإلهام فيشرق على الإنسان من غير واسطة ملك فالإلهام أعم من الوحي ، لأن الوحي مشروط بالتبليغ ، ولا يشترط ذلك في الإلهام. والإلهام ليس سببا يحصل به العلم لعامة الخلق ، ويصلح للبرهان والإلزام ، وإنما هو كشف باطني ، أو حدس ، يحصل به العلم للإنسان في حق نفسه لا على وجه اليقين والقطع ، كما هي الحالة في الوحي ، بل على أساس الاحتمال الاقناعي . قال مالك بن نبي في الظاهرة القرآنية ـ وصبحي الصالح في مباحث علو القرآن : ان عملية الوحي الإلهي إنما تخضع لتصور حوار علوي بين ذاتين : « ذات متكلمة آمرة معطية ، وذات مخاطبة مأمورة متلقية » . ولم تتشاكل في مظهر من مظاهر الوحي وظاهرته ، الذات المتكلمة والذات المخاطبة في قالب واحد ، ولم يتحدا في صورة واحدة على الإطلاق فهما متغايران. وقال الدكتور محمد حسين الصغير نقلا عن الطباطبائي صاحب الميزان : إن ظاهرة الوحي الإلهي مرئية ومسموعة. ولكنها خاصة بالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وحده فما اتفق ولو مرة واحدة ، أن سمع أصحابه صوت الوحي ، ولا حدث أن رأوا هذا الكائن الموحي ، ومع هذا فقد أدركوا صحة ما نزل عليه وصدق ما أوحي إليه ، بدلائل الإعجاز ، وقرائن الأحوال واعتبارات الاختصاص ، فالنفس الإنسانية وإن كانت واحدة في الأصل والجوهر ، ولكنها تختلف شفافية كما تختلف تخويلا من قبل الله تعالى ، فالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يرى ويسمع ويعي ما حوله من الظاهرة بيقين مرئي مشاهد ، ومن حوله لا يرون ولا يسمعون ولكنهم يصدقون ويؤمنون. وربما قيل : إن ما يتلقاه النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم من الروح الأمين وهو رسول الوحي : « هو نفسه الشريفة من غير مشاركة الحواس الظاهرة ، التي هي الأدوات المستعملة في إدراك الأمور الجزئية فكان صلىاللهعليهوآلهوسلم يرى ويسمع حينما يوحى إليه من غير أن يستعمل حاستي البصر والسمع .. فكان صلىاللهعليهوآلهوسلم يرى الشخص ، ويسمع الصوت مثل ما نرى الشخص ونسمع الصوت غير أنه ما كان يستخدم حاستي بصره وسمعه الماديتين كما نستخدمها ، ولو كانت رؤيته وسمعه بالبصر والسمع الماديين لكان ما يجده مشتركا بينه وبين غيره ، فكان سائر الناس يرون ما يراه ويسمعون ما يسمع والنقل القطعي يكذب ذلك ، فكثيرا ما كانت تأخذه برحاء الوحي وهو بين الناس فيوحى إليه ، ومن حوله لا يشعرون بشيء ، ولا يشاهدون شخصا يكلمه » . إنّ طهارة النفسيّة العلوية، ونقاوة الروح التي كان علي (ع) يتحلىّ بها، والتربية المستمرّة التي كان يحظى بها في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كل ذلك كان سبباً في أن يتّصف علي (ع) _ ومنذ نعومة أظفاره _ ببصيرة نفّاذة وقلب مستنير، واُذن سميعة واعية تمكّنه من أن يرى أشياءً ويسمع امواجاً تخفى على الناس العاديين ويتعذّر عليهم سماعها ورؤيتها، كما يصرّح نفسه بذلك اذ يقول: «أرى نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريح النبوّة»(نهج البلاغة: الخطبة القاصعة الرقم 187.). ويقول الإمام الصادق (عليه السلام): «كان علي (ع) يرى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل الرسالة، الضوء ويسمع الصوت». وقد قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لولا أنّي خاتم الأنبياء لكنت شريكاً في النبوّة فإن لا تكن نبيّاً فإنّك وصيّ نبيّ ووارثه، بل أنت سيّد الاوصياء وإمام الأتقياء(ابن ابي الحديد: شرح نهج البلاغة 13 / 310.). ويقول الإمام علي (ع) :لقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان ايس من عبادته»(نهج البلاغة: الخطبة القاصعة الرقم 187).
صور الوحي الإلهي: أشرنا فيما سبق أن الوحي هو الطريقة والواسطة بين الله تعالى وبين من اختصهم بتبليغ رسالته بيد أن هذه الواسطة كانت على صور عدة وهو ما أوضحته الآية الكريمة من سورة الشورى (ومَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) (سورة الشورى/ آية51)، فمن صوره : أ ـ الإيحاء: ويعني: «إلقاء المعنى في قلب النبي أو نفثه في روعه بصورة يحس بأنه تلقاه من الله تعالى» وهنا يطرح السؤال: من أين للنبي أن يعرف بأن الصوت أو النفث هو من عند الله تعالى؟ يمكن الإجابة على ذلك: بأنه «يحصل للأنبياء في تلك الحالة نوع من المكاشفة الباطنية والإحساس الداخلي تبلغهم وتوصلهم إلى القطع واليقين الكامل وتزيل عنهم كل أنواع الشك والشبهة ومن الممكن أن تكون بداية الوحي مقترنة بأمور خارقة للعادة». ب ـ تكليم النبي من وراء حجاب كما كلم الله تعالى موسى (ع) من وراء الشجرة ([14])، وهذا التكليم يسمعه النبي ويدركه مع اليقين التام بأنه كلام الله وليس كلام أحد سواه ،لقوله تعالى: (وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ الله مُوسَى تَكْلِيمًا) (سورة النساء/آية164). وقد اختلف في الحجاب على ثلاثة أقوال ذكرها ابن إدريس: «أحدها: حجاب عن إدراك الكلام لا المكلم وحده، والثاني: حجاب لموضع الكلام، الثالث: أنه بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب» وأنّ الوحي الذي عناه الله تعالى في هذه الآية ما سمعه الرسول بغير واسطة، والمسموع من وراء الحجاب هو الكلام الذي تؤدّيه الوسائط إلى الرسل والبشر من غيرهم، وليس الحجاب المعني في هذه الآية هو الشيء الذي يستر المتكلَّم عمّن كلَّمه ويحول بينه وبين مشاهدته، لكنّه ما وصفناه من الرسل، وإن الوسائط بين الخلق وبين الله U، فشبّههم بالحجاب الذي يكون بين الإنسان وبين غيره عند الكلام فيسمعه من ورائه ولا يرى المتكلم من أجله . بقي أن نعرف ما كيفية الكلام المنسوب لله تعالى هل الحروف والكلمات المتعارف عليها؟ فبين الشريف المرتضى تحت عنوان (كلام الله تعالى كيف يكون) قوله: «كلام الله تعالى هل يكلم به أو أحدثه مثل غيره من المحدثات، وكلامه لموسى (ع) من الشجرة كيف كان وقد قال تعالى: )وَمَا كَانَ أَنْ يُكَلّمَهُ اللهُ إلّا وَحْياً(، (الجواب) وبالله التوفيق: إنه إذا أحدثه فقد تكلم به، لأن المتكلم هو فاعل الكلام، فإذا فعل الكلام فقد تكلم به وقد أحدثه، والمعنى فيهما واحد، وأما كلام موسى (ع) من الشجرة، فالله تعالى كلمه، ولذلك قال تعالى: )وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ الله مُوسَى تَكْلِيمًا( (سورة النساء/الآية 164)»([17])، ومن هنا فان الله (ع) خلق هذا الكلام في الشجرة التي كلمت موسى (ع). ت ـ ما يكون بواسطة الوحي جبرائيل (ع) وهذا أغلب أنواع الوحي لرسولنا محمد (ص)، ولغيره من الرسل والقران كله من هذا القبيل.. وقد أشارت الآيات القرآنية الكريمة إلى الرسول أو واسطة الوحي القرآني لقوله تعالى (إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ) (سورة الشعراء/آية192-193). وقد اشتمل الوحي المحمدي على هذه الصور الثلاث فضلا عن الرؤيا الصادقة ، وقد أضيفت إليها صورة صلصلة الجرس جملة من المفسرين مستدلين بمجموعة من الروايات الموجودة في كتبهم التي تلحق بالنبي حالة الهوس عندما ينزل عليه الوحي . نماذج من الروايات التي اعتمدها المستشرقون في شبهاتهم حول الوحي القرآني 1 ـ الأعراض المصاحبة للوحي: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن الحارث بن هشام سأل رسول الله (ص)، فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله (ص): أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليّ فيفصم عني قد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول، قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا» ولو ناقشنا هذه الرواية نجدها لا تصمد أمام الانتقاد، فرواتها عبد الله بن يوسف ([100]) الذي ذكره ابن حبان في الثقات([101])، ووثقه الذهبي([102]) وابن حجر([103])، ومالك بن أنس ([104]) من أئمة الحديث وصاحب كتاب الموطأ، وهشام بن عروة([105]) وأبوه عروة بن الزبير([106])، فأما الابن فقيل عنه أنه : «... لم يكن يحسن يقرأ كتبه، كتبت عنه ثلاثة مجالس ،وأغلب رواياته عن أبيه عن عائشة كما يعلم من البلاذري، ولابدّ من أنّه سرّ جدّه وأبيه » ([107]) ، وقال ابن حجر: ربّما دلّس([108])، وقال الذهبي: تناقص حفظه([109])، وذكره السيوطي في المدلسين([110])، أما الأب فقد وثقه الجمهور([111])، والحارث بن هشام المخزومي([112])، فله صحبة ([113])، فالرواية ضعيفة الإسناد في هشام بن عروة أما المتن فلا يسلم من انتقادات مثل: 1 ـ توحي الروايات ثقل الوحي على النبي محمد (ص) وتصويره بحالة من الفزع والمرض أثناء تلقيه حتى أن النبي (ص) يصعب تمييز ما كان عليه الوحي. 2 ـ نلاحظ أن زمن بعض الروايات يرجع إلى العهد الأموي والعصر العباسي اللذين تميزا بكثرة الوضع واختلاق الأحاديث. 3 ـ تنسب الروايات إلى الرسول محمد (ص)، أو لأحد الصحابة ونالت السيدة عائشة الحظ الأوفر من هذه الروايات فحاولت الروايات أن تظهر ميزة التفضيل لبعض الصحابة دون غيرهم . 4 ـ الروايات الواردة عن عائشة قد شاعت وانتشرت حتى باتت مألوفة عند كثيرين ويستفاد منها ما نزل أول الوحي فنلاحظ أن السيدة عائشة قد نقلت هذه الحادثة وكأنها عاصرتها وقد جرت قبل ولادتها بأكثر من عام، فيؤول ابن حجر ذلك «هكذا رواه أكثر الرواة عن هشام بن عروة فيحتمل أن تكون عائشة حضرت ذلك وعلى هذا اعتمد أصحاب الأطراف فأخرجوه في مسند عائشة ويحتمل أن يكون الحرث أخبرها بذلك بعد فيكون من مرسل الصحابة وهو محكوم بوصله عند الجمهور»!([114]) . 5 ـ اشتملت الروايات على مجموعة من الصفات التي نسبت للنبي (ص)، فصورته تارة بثقل الوحي وشدة الأمر وصورته أخرى بأنه كان يسمع أصواتا كصلصلة الأجراس ودوي النحل أحيانا فضلا عن الآلام المصاحبة للنزول وشدة التعرق حتى أنه على هذه الحال في اليوم الشديد البرودة، فكلّ هذه الحالات تعكس التصور المادي لقضية الوحي والأعراض المرضية التي كانت تنتاب النبي محمداً (ص)، وهذه الأعراض ليس لها أثر في القرآن الكريم ،قال تعالى: (قلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (سورة الأحقاف /الأية9)، وقوله تعالى: (مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ) سورة فصلت /الآية 43)، وفضلاً عن ذلك فقد صورت الحالات اللاشعورية في تلقي الوحي وهي تنافي قدسية الوحي الإلهي وبلاغة القرآن الكريم التي يستبعد أن تصل إلى ذروتها عن طريق ما تصوره هذه الروايات، وأكثر ما يجوز قبوله في الموضوع هو أن النبي محمداً (ص) قد يكون في وضع خاص لا يمكن التكهن به ولكن الأرجح أنّ تنزيل الوحي يقتضي صورة أخرى تتصف بالثبوت والهدوء اللذين يستلزمان تبليغه بتمامه من دون زيادة أو نقصان، فقال السيد محمد حسين الطباطبائي في كيفية تلقي النبي محمد (ص) الوحي: «إنّ الذي كان يتلقاه من الروح هي نفسه الكريمة من غير مشاركة الحواسّ الظاهرة التي هي أدوات لإدراكات جزئيّة خارجيّة ... فكان (ص) يرى شخص الملَك ويسمع صوت الوحي، ولكن لا بهذه يسمع أو يبصر هو دون غيره، فكان يأخذه برحاء الوحي وهو بين الناس فيوحي إليه و لا يشعر الآخرون الحاضرون ...»([115]). وهكذا نرى أن المستشرق استغل هذه الروايات من دون أي استدلال واتخذها وسيلة للطعن بقداسة الوحي الإلهي. 2 ـ مشكلة الرجوع إلى ورقة: حدثنا يحيى بن بكير قال: حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت أول ما بدئ به رسول الله (ص) من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: إقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني فقال: إقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني فقال: إقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: (أقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم)، فرجع بها رسول الله (ص) يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد، فقال: زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا انك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة وكان امرءاً قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمى، فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة يا ابن أخي ماذا ترى فأخبره رسول الله (ص) ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى يا ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله(ص): أو مخرجي هم؟ قال: نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وان يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي»([116]). ذكر العيني أن هذا الحديث معلق ([117])، أما حال رواته فضعفاء ومنهم يحيى بن بكير([118])، وهو ليس بالموثوق عند الرجاليين كما نص على ذلك الذهبي في الميزان قائلا: «يكتب حديثه ولا يحتج به»([119])، وضعفه النسائي أيضا ([120])، أما الليث بن سعد ([121]) ثقة ([122])، وعقيل بن خالد([123])، قال الرازي: «عقيل لا بأس به»([124])، ونقل ابن الجوزي في الموضوعات إن عقيلا يروى عن الزهري أحاديث مناكير([125])، وذكر ابن حجر أن عقيلا كان جلوازا([126])، أما ابن شهاب (محمد بن مسلم بن شهاب الزهري)([127]) قال السيوطي: «مشهور بالتدليس»([128])، وعروة بن الزبير مرّ الحديث عنه أيضا، فالرواية ضعيفة الإسناد. مع تلك العلامات التي أظهرها الله للنبي محمد (ص)»، ومع أنه رأى الملك وأوحى إليه هذه الآيات من القرآن الكريم ،تظهر الروايات بأن النبي (ص) كان شاكا في أمره، وخائفا من مصيره، ولم يطمئن على نفسه إلا بعد أن بشره ورقة بن نوفل بالنبوة التي انتهت إليه وهذا مخالف لـ«يقين النبي (ص) بإلهية الظاهرة التي يتعرض لها، فمنذ اللحظة التي فاجأه فيها الوحي تمثل هذا اليقين في ذهنه وأدرك أن كل ما يوحى إليه صادر عنه تعالى وأنّ الملك الذي يأتيه هو رسول من الله وجاء استمرار الوحي وتكراره مرة بعد أخرى مؤكدا لهذا اليقين الذي رسّخ في نفسه الشريفة»([129]). وفضلاً عن ذلك أن الرواية مضطربة متنا ولا تمتلك وحدة موضوعية متناسقة فتبدأ بموضوع الرؤيا للنبي (ص) ثم تنتقل إلى ابتعاده عن تصرفات قومه وحبه للخلوة في غار حراء، ثم تنعطف إلى نزول الملك فتبتعد عن موضوعها الحقيقي بالتركيز على ما فعلته خديجة من استشارتها لورقة والأثر الفاعل له في تهيئة النبي لتلقي الوحي فضلا عن نبوءاته الغيبية عمّا سيحل للإسلام من النصر والانتشار، وما يلاحظ أيضا أنه: « كيف لورقة أن يعلم النبي (ص) وهو يصرح أنه يؤمن برسالته ويتبعه ويخبره بما يقع له من قومه، ثم كيف يكون عند النبي (ص) المادة كاملة في حين أنها اكتملت بعد ثلاثة وعشرين عاما والقرآن لم يرسل جملة واحدة مع تضمنه من معالجات لقضايا حادثة وأحكام متعلقة بها»([130])، ويعلق السيد الطباطبائي على الرواية بقوله: «والقصة لا تخلو من شيء وأهون ما فيها من الإشكال شك النبي (ص) في كون ما شاهده وحيا إلهيا من ملك سماوي ألقى إليه كلام الله وتردده بل ظنه أنه من مس الشياطين بالجنون، وأشكل منه سكون نفسه في كونه نبوة إلى قول رجل نصراني مترهب وقد قال تعالى: )قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ) (سورة الانعام /الآية 57) وأي حجة بينة في قول ورقة ؟ وقال تعالى: ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى الله عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ الله وَمَا أَنَا مِنَ الْـمُشْرِكِينَ ) (سورة يوسف / الآية108)، فهل بصيرته (ص) هي سكون نفسه إلى قول ورقة ؟ وبصيرة من اتبعه سكون أنفسهم إلى سكون نفسه إلى ما لا حجة فيه قاطعة ؟ وقال تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ) (سورة النساء /الآية 163)، فهل كان اعتمادهم في نبوتهم على مثل ما تقصه هذه القصة ؟ والحق أن وحي النبوة والرسالة يلازم اليقين من النبي والرسول بكونه من الله تعالى على ما ورد عن أئمة أهل البيت :»([131]).
3 ـ قصة الغرانيق: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري وعبدان بن أحمد قالا: ثنا يوسف بن حماد المعنى ثنا أمية بن خالد ثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير لا أعلمه إلا عن بن عباس أن رسول الله (ص) قرأ النجم فلما بلغ (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى) ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وشفاعتهم ترتجى، فلما بلغ آخرها سجد وسجد المسلمون والمشركون فأنزل الله تعالى )وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِي إِذا تَمنّى أَلْقَى الشَّيْطَان(([132]). الرواية الأولى، رواتها: الحسين ابن إسحاق التستري([133]) ،«ذكره أبو بكر الخلال فقال: شيخ جليل»([134])، وقال ابن حجر: «ثقة»([135])، وعبدان بن أحمد الاهوازي([136]): ثقة حافظ ([137])، ويوسف بن حماد المعني([138])، ذكره ابن حبان في الثقات([139])، أما أمية بن خالد([140]): عده ابن حبان من الثقات ([141]) وضعفه العجلي بقوله: «أمية بن خالد القيسي بصري حدثني الخضر بن داود قال: حدثنا أحمد بن محمد بن هانئ قال: سمعت أبا عبد الله يسأل عن أمية بن خالد فلم أره يحمده في الحديث وقال إنما كان يحدث من حفظه لا يخرج كتابا»([142])، أما شعبة([143])، قال الرازي عنه: هو «إمام في الحديث»([144])، وذكره ابن حبان من مشاهير علماء الأمصار([145])، وأشار العجلي انه كان يُخطئ في أسماء الرجال لقوله: «شعبة بن الحجاج يكنى أبا بسطام واسطي سكن البصرة ثقة في الحديث تقي وكان يخطئ في بعض الأسماء وفي موضع ثبت نقي الحديث كان يخطئ في أسماء الرجال قليلا»([146])، أما أبو بشر([147]): ليس به بأس ([148]) وعده العجلي من الثقات([149])، وتنسب الرواية إلى المحدث الفاضل سعيد بن جبير([150])، فالرواية ضعيفة في أمية بن خالد وشعبة بن الحجاج. إن متن الرواية مخالف لما ورد من الحرص والتهيئة الروحية والنفسية لتلقي الوحي فقد خاطب الله تعالى نبيه بأن لا يعجل في تلاوة القرآن الكريم لقوله تعالى: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ *إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) (سورة القيامة /الآيات 16-19)، وقوله تعالى: (فتَعَالَى الله الْـمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ) (سورة طه/الآية114 وكذلك مخالف لصريح الآيات الكريمة من سورة النجم لقوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (سورة النجم /الآيات 3،4)، وقد جاء الإنذار الإلهي : )وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ) (سورة الحاقة/الآيات 44-46)، كذلك « إنّ الحديث يخالف ظاهر القرآن الكريم حيث ورد فيه السجود بصيغة الأمر الظاهر في الوجوب، قال سبحانه: (أَفَمِنْ هذا الحَديثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سامِدُونَ * فاسجُدُوا لله واعْبُدُوا ) (سورة النجم / الآيات 59 ـ 62)، نعم لو ثبت فعل النبي (ص) يكون قرينة على حمل الأمر في الآية على استحباب السجود لكن الروايات المتضافرة دلّت على وجوبه»([151 ومن ملاحظة الآيات التالية للآية التي سمّت أوثان المشركين والأصنام، وبينت قبحها وسخفها، قد ذكرت بصراحة (إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْـهُدى)، ومع كل هذا الذم للأصنام، كيف يمكن مدحها؟! وإن جهاد النبي ص للأصنام جهاد مستمر طوال حياته ولم يقبل المساومة قط، وقد رفض الرسول (ص) الأوثان، وبرهنت سيرته المطهرة على استنكارها والتصدي لها، حتى في أصعب الظروف، فكيف ينطق بمثل هذه الكلمات. وقد ناقش الألباني الروايات التي نقلت هذه القصة مستخلصا أن ما ذكر فيها «طامّات يجب تنزيه الرسول منها»([153])، ولو كانت هذه القصة حقيقية لاتخذها المشركون ذريعة ليحاجوا النبي (ص) فيما بعد ولما رضخوا له ولما أسلموا يوم الفتح.
الشبه على ظاهرة الوحي لقد أثار أعداء الإسلام من جاهليّين قُدامى ومستشرقين جدد الشبهات الكثيرة حول الوحي القرآني، وكانت تستهدف هذه الشبهات في الغالب تأكيد أنّ الوحي القرآني ليس مرتبطاً بالسماء وإنّما هو نابعٌ من ذات محمّدٍ الإنسان (صلّى الله عليه وآله). وقد أشار القرآن الكريم إلى بعض هذه الشبهات في مواضع مختلفة ، وردّد بعض المستشرقين هذه الشبهات وغيرها وحاول إضفاء طابع البحث والدراسة وسمات الموضوعيّة عليها، كما هي الطريقة المضلِّلة المتّبعة لديهم في مثل هذه الحالات. وهناك ارتباط وثيق بين هذا الموضوع وبحث إعجاز القرآن؛ لأنّنا نتعرّف من خلال ذلك البحث، على أنّ القرآن ليس ظاهرةً بشريّة، ومن ثَمَّ ليس من صنع محمّدٍ (صلّى الله عليه وآله)، وإنّما يكشف بجوانب التحدّي فيه عن ارتباطه بعالم الغيب. كما نجد أنّ مناقشة الشبهات، التي تُثار حول الوحي القرآني، لا بُدّ وأن تعتمد بصورةٍ رئيسة على نتائج بحث إعجاز القرآن. الشبهة الاولى: القرآن وحيٌ نفسيٌّ لمحمّدٍ (صلّى الله عليه وآله) وخلاصة ما قيل في صياغة هذه الشبهة( نظرية الوحي النفسي ): أنّ محمّداً (صلّى الله عليه وآله) قد أدرك بقوّة عقله الذاتية، وممّا يتمتّع به من نقاءٍ وصفاءٍ روحيّ ونفسيّ، بطلان ما كان عليه قومه من عبادة الأصنام، كما أدرك ذلك أيضاً أفرادٌ آخرون من قومه، وأنّ فطرته الزكيّة ـ إضافةً إلى بعض الظروف الموضوعيّة كالفقر ـ حالت دون أن يمارس أساليب الظلم الاجتماعي من الاضطهاد، وأكل المال بالباطل، أو الانغماس بالشهوات، وارتكاب الفواحش: كالاستمتاع بالسُكر والتسرِّي وعزف القيان وغير ذلك من القبائح، وإنّه طال تفكيره من أجل إنقاذهم من ذلك الشرك القبيح، وتطهيرهم من تلك الفواحش والمنكرات. فمنازع نفسه العالية وسريرته الطاهرة ،وخياله الواسع وإحساسه العميق، وعقله الكبير ، وذكاؤه الوقّاد ، وذوقه السليم ، مما كان لذلك التأثير بأن يتجلى في ذهنه ، ويُحْدِثَ في عقله الباطن الرؤى والاحوال الروحية فيتصور أن ما يعتقده إلهياً نازلا عليه من السماء بدون وساطة ، أو عن طريق رجل يتمثل له يلقنه ذلك ، أو يسمعه يقول له شيئاً في المنام، والقرآن شيء من هذا الذي يراه ويتخيله وإنما ذلك نابع من نفسه ، ومن عقله الباطن ثم صاغها بأسلوبه المؤثر ، وخياله الخصيب نتيجة لخلواته الخاصة بغار حراء ، وتأملاته العميقة. واستدلوا على ذلك بقصة الفتاة الفرنسية (جان دارك) في القرن الخامس عشر الميلادي التي اعتقدت أنها مرسلة من عند الله لإنقاذ وطنها ودفع العدو الانكليزي. ولعلّ من أخبث الأساليب في إثارة الشبهة حول الوحي، هو الأُسلوب الذي حاول أن يُضفي على النبيِّ محمّدٍ (صلّى الله عليه وآله) صفات الصدق والأمانة والإخلاص والذكاء، ولكن يفترض أن يتخيّل له أنّه ممّا يوحى إليه، وهو ما يُسمّى بالوحي النفسي، فإنّ هذا الأُسلوب يحاول أن يستر دوافعه المغرضِة، بمظاهر الإنصاف والمحبّة والإعجاب. وهذا الأُسلوب طرحه بعض المستشرقين وتبعته بعض المذاهب والأحزاب المادّية في البلاد العربية. مناقشة الشبهة: وإذا أردنا أن ندرس هذه النظرية (نظرية الوحي النفسي)، لا نجدها تصمد أمام النقد والمناقشة العلميّتين، إذ يمكن أن يُلاحظ عليها من خلال أبعاد ثلاثة: الأوّل: إنّ الدلائل التأريخية القطعية وطبيعة الظروف التي مرّ بها النبيُّ (صلّى الله عليه وآله) تأبى التصديق بهذه النظرية وقبولها. الثاني: إنّ المحتوى الداخلي للقرآن الكريم ـ بما يضم من تشريع وأخلاق وعقائد وتأريخ ـ لا يتّفق مع هذه النظرية في تفسير الوحي القرآني. الثالث: إنّ موقف النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من الظاهرة القرآنية، يشهد بوضوحٍ على رفض تفسير الظاهرة القرآنية بنظريّة الوحي النفسي. أ ـ الدلائل التأريخية تناقض نظريّة الوحي النفسي: لقد ذكر السيّد رشيد رضا ـ بصدد مناقشته للمقدّمات التأريخية وغيرها التي رتّبها (درمنغام) لعرض نظريّة الوحي النفسي ـ عشر ملاحظات، وسوف نقتصر على تلخيص بعضها: الأُولى: إنّ أكثر المقدّمات التي بنى عليها أصحاب النظريّة بنيانهم ونظريّتهم، لا تقوم على أساس تأريخي صحيح، وإنّما تنطلق من نقطة مفروضة على البحث بشكل مسبق، وهي: أنّ الوحي القرآني ليس وحياً إلهيّاً منفصلاً عن الذات المحمّدية، الأمر الذي كان يدعو أصحاب النظرية إلى اختلاق الحوادث والأخبار، أو تخيّلها من أجل إكمال الصورة الكاذبة ووصل بعض الحلقات ببعضها الآخر. ومن الأمثلة على ذلك ما يذكرونه من تفاصيل ـ ليس لها مصدر تأريخي ـ في مسألة لقاء الراهب بحيرا مع محمّدٍ (صلّى الله عليه وآله) وهو بصحبة عمِّه أبي طالب، الأمر الذي يدعوهم إلى الاستنتاج وافتراض محادثات دينيّة وفلسفية معقّدة جرت بينهما. وما يذكرونه أيضاً بصدد تعليل اطّلاعه على أخبار عادٍ وثمود، من أنّه كان نتيجة مروره بأرض الأحقاف، بالرّغم من أنّ هذه الأرض لا تقع على الطريق الاعتيادي لمرور القوافل التجارية، كما أنّ التاريخ لم يذكر لنا مرور النبيّ بها. إلى غير ذلك من الأحداث والقضايا. الثانية: إنّ افتراض تعلُّم النبي (صلّى الله عليه وآله) من نصارى الشام وغيرهم لا يتّفق مع واقع الحيرة والتردد في موقف المشركين من دعوة رسول الله ونسبته الرسالة إلى الوحي الإلهي؛ لأنّ مثل هذه العلاقة ـ لو كانت موجودة ـ لا يمكن التستّر عليها أمام أعداء الدعوة من المشركين وغيرهم، الذين عاصروه وعايشوه في مجتمعٍ ضيِّقٍ وعرفوا أخباره وخبروا حياته العامّة بما فيها من سفرات ورحلات. وبالرّغم من أنّ هؤلاء لم يمسكوا عن إطلاق تهم وأراجيف شتّى ضد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وافترضوا في الوحي الفروض المتعدِّدة، ومنها: فرض التعلُّم والتلقّي من أشخاص معيّنين: كالرومي الحدّاد في مكّة(10)، ولكن مع ذلك كله لم يكن ليفرضوا أن يكون قد تعلّم من نصارى الشام أو غيرهم من أهل الكتاب. الثالثة: إنّه لم يُعرف عن الرسول محمّدٍ (صلّى الله عليه وآله) أنّه كان ينتظر أن يُفاجأ بالوحي، أو يأمل أن يكون هو الرسول المنتظَر؛ لينمو ويتطوّر هذا الأمل في نفسه، فيصبح واقعاً نفسيّاً، بالرّغم من تدوين كتب السيرة النبويّة لأدق الأحداث والتفصيلات عن حياة الرسول الشخصية. ولعلّ من القرائن التأريخية التي تشهد بكذب هذا الافتراض: هو ما ذكرته كتب السيرة من اضطراب النبي ـ في البداية ـ وخوفه حين فاجأه الوحي في غار حراء. الرابعة: إنّ هذه النظرية تفرض أن يكون إعلان النبوّة نتيجة مرحلةٍ معيّنةٍ من التكامل العقلي والنفسي، ونتيجة مراحل طويلةٍ من المعاناة والتفكير والتأمّل والحساب، وهذا يستلزم بطبيعة الحال أن ينطلق الرسول في اللحظة الأُولى من دعوته إلى طرح مفاهيمه وأفكاره ومناهجه عن الكون والحياة والمجتمع بجوانبه المتعدِّدة؛ لأنّ المفروض أنّ الصورة كانت متكاملة عنده نتيجة التفكير الطويل ودراسة الكتب وأعمال الأنبياء السابقين، مع أنّ التأريخ يؤكِّد أنّ أُسلوب الدعوة وطريقتها كانا يختلفان عن ذلك تماماً، وأنّ البداية كانت هي الخوف والاضطراب ثمّ الدعوة إلى التوحيد، ومن ثمّ الانطلاق إلى المجالات الأُخرى سواء على مستوى المفاهيم أو الموقف بشكلٍ تدريجيٍّ مع ما كان يتخلّل ذلك من حالات ركودٍ وانقطاعٍ في الوحي. ب ـ المحتوى الداخلي للظاهرة القرآنية يناقض نظريّة الوحي النفسي: إنّ للمحتوى الداخلي للظاهرة القرآنية وما تتّصف به من مواصفات، ولسعة النظرية القرآنية وآفاقها المتعدِّدة ومجالاتها المتشعّبة، أهميّة كبرى في رفض نظرية الوحي النفسي، غذ إنّ هذه المواصفات وهذا الاتساع والشمول لا يتفق مع طبيعة الوحي النفسي، إذ إنّ هذه المواصفات وهذا الاتساع والشمول لا يتّفق مع طبيعة المصادر التي تفرضها النظرية، ويتّضح ذلك عندما نلاحظ الأُمور التالية: 1ـ إنّ الموقف العام للقرآن الكريم تجاه الديانتين اليهودية والمسيحية هو موقف المصدِّق لهما والمهيمن عليهما، فقد صدَّق القرآن الكريم الأصل الإلهي لهاتين الديانتين وارتباطهما بالمبدأ الأعلى، ولكنّه في نفس الوقت جاء مهيمناً ورقيباً وحاكماً على ما فيهما من ضلالات. وجاءت هذه الرقابة دقيقةً شاملة، فلم تترك مفهوماً أو حكماً أو حادثةً إلاّ ووضعت المقياس الصحيح له. ولا يمكن أن نتصوّر محمّداً (صلّى الله عليه وآله) وهو يأخذ عن أهل الكتاب ويراهم قد أخذوا عن الوحي الإلهي، ومع ذلك يتمكّن من أن يصفهم بالجهل والتحريف والتبديل بمثل هذا اليقين والثبات، ثم يوضِّح الموقف الصحيح في المسائل الكبرى التي اختلفوا فيها أو خالفوا الواقع الصحيح للديانة، ثمّ تأتي نظريّته بعد ذلك كاملةً شاملةً ودقيقة، ليس فيها تناقضٌ ولا اختلاف! ولكنّ الحقيقة هي أنّ محمّداً لم يكن قد أخذ منهم شيئاً، وإنّما تلقّى كلّ ذلك عن الوحي الإلهي الذي جاء مصداقاً لما سبقه من الوحي ومهيمناً على الانحراف والتّحريف معاً. 2 ـ ونجد القرآن أيضاً يخالف التوراة والإنجيل في بعض الأحداث التأريخية، فيذكرها بدقّةٍ متناهيةٍ ويتمسّك بها بإصرار، في الوقت الذي كان بإمكانه أن يتجاهل بعضها على الأقل، تفادياً للاصطدام بالتوراة والإنجيل. ففي قصّة موسى، يشير القرآن إلى أنّ التي كفلت موسى هي امرأة فرعون، مع أنّ سِفْر الخروج من التوراة يؤكِّد أنّها كانت ابنته. كما أنّ القرآن يذكر غرق فرعون بشكلٍ دقيق، ولا يتجاهل حتّى مسألة نجاة بدن فرعون من الغرق مع موته وهلاكه: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ } [يونس: 92]. في الوقت الذي نجد التوراة تشير إلى غرق فرعون بشكلٍ مبهمٍ، ويتكرّر نفس الموقف في قضيّة العِجْل؛ حيث يذكر التوراة أن الذي صنعه هو هارون، وفي قصّة ولادة مريم للمسيح (عليهما السلام) وغيرهما من القضايا. ولا يصح لمحمّدٍ (صلّى الله عليه وآله) وهو الإنسان الصادق الأمين الذكي أن يذكر هذه التفاصيل التي لا وجود لها في التوراة والإنجيل، فيصطدم بالتوراة والإنجيل دون سببٍ معقول، لولا أن يكون قد تلقّى ذلك عن طريق الوحي الإلهي الذي لا يستطيع مخالفته. 3 ـ إنّ سعة التشريع الإسلامي وعمقه وشموله للمجالات المختلفة من الحياة، مع دقّة التفاصيل التي تناولها، والانسجام الكبير بين هذه التفصيلات، برهان واضح على تلقّيه ذلك عن طريق الوحي؛ إذ لم يكن محمّدٌ ـ وهو الإنسان الأُمّي، الذي كان يعيش في ذلك العصر المظلم، كما أنّه قضى أكثر حياة دعوته في خِضَمّ الصراع الاجتماعي ـ ليتمكن بصفته إنساناً أن يفعل ذلك لولا أن يكون قد تلقّى ذلك عن طريق الوحي والسماء. ج ـ موقف النبي من الظاهرة القرآنية شاهد على رفض نظريّة الوحي النفسي : إنّ موقف النبي محمّد (صلّى الله عليه وآله) هو من أفضل الشواهد على بطلان نظريّة الوحي النفسي ، فقد كان النبيُّ محمّد (صلّى الله عليه وآله) يدرك بشكلٍ واضح الانفصال التام بين ذاته المتلقّية والذات الإلهيّة الملقية من أعلى. وهذا الإدراك هو حقيقة الوحي الذي أشرنا إليه سابقاً، وقد صوّر الرسول (صلّى الله عليه وآله) هذا الوعي والإدراك في مناسبات متعدِّدة، وأوضحه للمسلمين فيما روى عنه، حيث قال: (أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثّل لي الملك رجلاً فيكلّمني فأعي ما يقول) (12). وقد انعكس هذا الشعور الواعي بالانفصال في الوحي، بين الذات الإلهيّة الآمرة المعطية والذات المحمّدية المخاطَبة المتلقِّية على الظاهرة القرآنية ونصوص القرآن الكريم. الشبه الثانية: الوحي عبارة عن انفعالات عاطفية. زعم نولديكة أن ظاهرة الوحي كانت بسبب تأثير النوبات الانفعالية الطاغية التي كانت تسيطر مما كان يدعو محمداً (صلى الله عليه وآله)الى الشعور بأنه تحت تأثيرات إلهية. الرد على الشبه: هذه الشبه لها قرب من الشبه الاولى وتدل على تجن، وسوء فهم واضح ـ ويرد على ذلك الوقوف على سيرته الطاهرة وعلى كيفية نزول الوحي عليه .فقد كان يأتيه الوحي في طروف اعتيادية ـ وينقطع في ظروف عصيبة وهو بأشد الحاجة اليه .فكل ذلك يدل على أن الوحي خارج عن ذاته وليس له فيه أدنى تدخل. ــ حادثة الافك ـ اسئلة المشركين الثلاثة الشبه الثالثة: لاسياب طبيعية عادية كباعثة النوم(التنويم الذاتي) الشبه الرابعة تجربة ذهنية فكرية. الشبه الخامسة :كحالة الكهنة والمنجمين. الشبه السادسة: حالة صرع وهستيريا.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|