انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم علوم القرآن
المرحلة 7
أستاذ المادة حيدر محمد هناء حميد الشلاه
08/06/2018 23:20:09
المحاضرة السادسة أساليب التعلم والتعليم في السيرة النبوية لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مُعلِّماً اختاره الله تعالى لتعليم البشرية دينَ الله وشريعتَه الخاتمةَ والخالدةَ ، وليس في الدنيا أغلى على الله من (دين الله تعالى) ، فاختار الله سبحانه لنشرِه وتعليمِه أفضلَ الأنبياء والرُّسُل محمداً عليه وعليهم أفضلُ الصلاة والسلام . وكان هذا المُعلِّم المصطفى من الله تعالى لتبليغ شريعتِه للناس ، معلِّماً بمظهَرِه ومَخبَرِه ، وحالِه ومقالِه ، وجميع أحوالِه ، فتكامُلُ شخصيتِه الشريفة أسلوبٌ مُعلِّم للمُتعلِّمين أن يكونوا كمثالِه الشريف وهَدْيِه المُنيف . ومن أهم صفاتِ المعلِّم أن يكون في ذاته مُتكامِل المحاسِن عقلاً وفضلاً ، وعلماً وحكمةً ، ومَنظراً ورُواءً ، ولَباقةً ولَياقةً ، وحركةً وسكوناً ، وطِيبَ حديثٍ ، وذكاءَ رائحةٍ ، ونظافةَ ثيابٍ ، وجمالَ طَلْعةٍ ، وحُسنَ منطِقٍ وتَصرُّفٍ وإدارةٍ ... وقد كان كلُّ هذا في ذاتِ الرسول المُعلِّم صلى الله عليه وسلم على أتمِّ وجهٍ وأعلى حُسنٍ واكتمال ، فهو معلِّم بذاتِه الشريفة النَّموذجية لكل متعلِّم ومُسترشِد ، فهو صلى الله عليه وسلم تَتَمثَّل فيه غايةُ التعليم بأساليبِه المختلفة ، لأن كلَّ تلك الوسائل والأساليب تتوجَّه لأن يكون المسلمُ مُحقِّقاً لقوله تعالى : (كنتم خيرَ أمةٍ أُخرِجَتْ للناس) ، فهذا الكمالُ الجامعُ فيه صلى الله عليه وسلم غايةُ الغايات من جميع الأساليب ، وزُبدةُ التعليم والتهذيب ، ولقد حَظِيَتْ ذاتُه الشريفة بأعلى الثناء العزيز الفريد ، المؤكَّد من الله تعالى كلَّ التأكيد ، بقوله تعالى : (وإنك لَعَلى خُلُقٍ عظيم). فلا غرابةَ أن تُعدَّ محاسِنُه الشريفة من أساليب التعليم ، وأيُّ مُعلِّمٍ أثَّر في البشرية تأثيرَه ، وتقبَّل الناسُ ـ على اختلاف ألوانِهم وألسنتِهم ـ دينَه وشريعتَه؟ واتخذوه القدوة والأسوةَ الحسنةَ في سائر شؤونِ الحياة سوى هذا الرسول الكريم والنبي العظيم ، عليه من الله أفضلُ الصلاة والتسليم . هذه كُلَيمةٌ أحببتُ أن أجعلَها ختامَ الأساليب النبوية في التعليم ، لتكون أربعين أسلوباً ، وختامَ المِسكِ الذكي الذي تَعَطَّرَتْ به الصفحاتُ السابقةُ ، والحمد لله رب العالمين . ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ وبعدُ فهذه نماذجُ من أساليبِ التعليم سلكها وأرشد إليها سيدُنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أوردتُها على سبيل الذكرِ والبيان ، لا على سبيل الاستقصاء والحصر . ولا شك أن المتتبِّعَ الباحثَ في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته الشريفة ، سيَقِفُ على غيرها مما يزيدُ عليها ويُضاف إليها ، ولم أقصد إلى ذلك الآن ، بل اكتفيتُ بما تيسَّر لي الوقوفُ عليه على سبيل المصادفة أثناء قراءاتي ومُطالعاتي ، راجياً من الله التوفيق والإخلاصَ وشفاعةَ سيِّد الناس سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وأسأل الله سبحانه الرضا والقبولَ ، والتشرُّفَ باتّباع سنة الرسول ، كما أسأله الرضوانَ عن صحابته الأكرمين ، والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين ، والحمد لله رب العالمين . اتخاذُه صلى الله عليه وسلم الكتابة وسيلةً في التعليم والتبليغ ونحوِهما ومن أساليبه صلى الله عليه وسلم أيضاً التعليمُ عن طريق الكتابة ، وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم كُتّابٌ أكثرُ من خمسةَ عشر كاتباً ، يكتبون عنه القرآن ، وكُتّابٌ آخرون خَصَّهم بكتابة رسائله إلى الآفاق والملوك لتبليغهم الإسلام ودعوتهم إليه ، وكتاب آخرون خصهم بكتابة أمور اخرى ، كما ترى تفصيل كل ذلك مُستوعباً في كتاب شيخِنا حافظ المغرب في عصره العلامة عبد الحي الكتاني : ((التراتيب الإدارية))3. ومن الذين كانوا يكتبون القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه : الخلفاء الأربعة : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، ومنهم زيد بنُ ثابت وأُبيّ بن كعب ، والزبير بنث العوام ، وخالد بن سعيد ، وأخوه أبانُ بن سعيد بن العاص ، وحنظلةُ بنُ الربيع ، ومعاوية بنُ أبي سفيان ، وغيرهم رضي الله عنهم ، كانوا إذا نزل الوحيُ بالقرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، دعاهم فكتبوه تلقِّياً من فم النبي صلى الله عليه وسلم . وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه أَذِنَ لبعض أصحابه بكتابة حديثه بل أمَرَ بعض أصحابِه بكتابتِه أيضاً : روى أبو داود عن عبد الله بن عمرةو بن العاص رضي الله عنهما قال : ((كنتُ أكتبُ كلَّ شيء أسمعُهُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم أُريدُ حِفْظَه ، فنهتني قريش ، وقالوا : أتكتب كل شيء تسمعه؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشرٌ يتكلم في الغضب والرِّضا؟ فأمسكتُ عن الكِتاب ـ أي الكتابة ـ . فذكرتُ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأومأ بإصبعه إلى فيه ، فقال : اكتُبْ فوالذي نفسي بيده ما يَخرُجُ منه إلاّ حق)) . وروى البخاري ومسلم4، واللفظ للبخاري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ((لمّا فتح الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، قام في الناس فحمِد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إنَّ الله حبَس عن مكة الفِيلَ ، وسلَّط عليها رسولهُ والمؤمنين ، فإنها لا تحِلُّ لأحدٍ بعدي ، فلا يُنفَّر صيْدُها ، ولا يُختلى شوكثها ، ولا تحِلُّ لُقطَتُها إلاّ لمُنشِد ، ومن قُتل له قتيل فهو بخيرِ النظرينِ : إما أن يُفديَ وإما أن يُقيد . فقال العباس : إلاّ الإذْخِرَ ، فإنّا نجعله لقبورنا وبيوتنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إلاّ الإذخر . فقام أبو شاه رجلٌ من أهل اليَمَن ، فقال : اكتبوا لي يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اكتُبوا لأبي شاه . قلتُ للأوزاعي : ما قوله : اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال : هذه الخُطبة التي سَمِعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم)) . وروى البخاري5، عن أبي جُحَيفة قال : قلتُ لعليّ : ((هل عندكم كتابٌ6؟ قال : لا ، إلاّ كتابُ الله ، أو فَهْمٌ أُعطِيَهُ رجلٌ مسلم ، أو ما في هذه الصحيفة7. قال : قلتُ : وما في هذه الصحيفة؟ قال : العَقْلُ ، وفَكاكَ الأسير ، ولا يُقتَلُ مسلمُ بكافرٍ))8. وقد أرسل صلى الله عليه وسم كُتُباً باسمِه الشريف إلى الآفاق والملوك ، منها ما فيه الدعوةُ إلى الإسلام والإيمان بالله تعالى ، ومنها ما فيه بيانُ الأحكام وشرائع الإسلام للداخلين فيه ، وقد حَفِظَتْ كُتُبُ السيرة والحديث والتاريخ نصوصُ تلك الكتب الكريمة وألفاظها . وقد جُمِعَتْ تلك الكُتُب والرسائلُ في مجاميع مستقلّةٍ بعضُها مطبوع ومتداول ، ومن أجمعها كتاب ((إعلام السائلين عن كُتُب سيد المرسلين)) صلى الله عليه وسلم ، لابن طولون المشقي ، المتوفى سنة 953 رحمه الله تعالى1. ------------------------------------- 3 ـ 1 :114 ـ 172 . 4 ـ البخاري 5 :87 في كتاب اللُّقطة (باب كيف تُعرَّف لقطة أهل مكة) ، ورواه في كتاب العلم (باب كتابة العلم) 1 :205 بأتمَّ مما هنا ، ومسلم 9 :128 ـ 129 في كتاب الحج (باب تحريم مكة وتحريم صيدها) . 5 ـ البخاري 1 :204 في كتاب العلم (باب كتابة العلم) . 6 ـ أي مكتوب أخذتموه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أوحيَ إليه ، وإنما سأله أبو جُحيفة عن ذلك لأن جماعةً من الشيعة كانوا يزعمون أن عند أهل البيت ـ لاسيما علياً ـ أشياءَ من الوحي خَصَّهم النبي صلى الله عليه وسم بها لم يطَّلع غيرُهم عليها . 7 ـ أي الورقة المكتوبة ، وقد كتب فيها أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . 8 ـ وكانت في هذه الصحيفة أحاديثُ أخرى في غير هذه الموضوعات الثلاثة ، كما ترى تفصيل ذلك في ((فتح الباري)) 1 :205 ، و((فيض الباري)) للشيخ أنور الكشميري 1 :213 . 1 ـ طَبَعه الأستاذ حسام الدين القدسي رحمه الله تعالى بدمشق قبل سنة 1348 . ومن الكتب الجامعة في هذا الموضوع كتاب ((مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة)) للأستاذ محمد حميد الله حفظه الله تعالى ورعاه وأمتع به . اهتمامُه صلى الله عليه وسلم بتعليم النساء ووعظِهن وكان صلى الله عليه وسلم يهتم بتعليم النساء ما يحتجن إليه ، فكان يَخصُّهن ببعض مجالسِه ومواعظِه . روى البخاري في كتاب العلم من ((صحيحه)) ، في (باب عِظةِ الإمام النساءَ وتعليمهن) ، ومسلم1، واللفظ له ، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول : ((أشهدُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم لَصَلّى ـ صلاة العيد ـ قبل الخطبةِ ، قال : ثم خَطَب فرأى أنه لم يُسْمِعْ النساء فأتاهُنَّ فذكَّرهُنَّ ، ووعظهُنَّ ، وأمرهُنَّ بالصدقة ، وبلال باسط ثوبَه ، فجعلت المرأة تُلقي الخاتم والخُرْصَ والشيءَ))2. وروى البخاري أيضاً في كتاب العلم في (باب : هل يُجعَلُ للنساء يومٌ على حدةٍ في العلم) ، ومسلم3، واللفظ منهما ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال : ((قالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلم : غَلَبنا عليك الرجالُ ، فاجعلْ لنا من نفسك يوماً نأتيك فيه تُعلِّمُنا مما علَّمَك الله ، قال : اجتَمِعْنَ يوم كذا وكذا ، فاجتمعْنَ فأتاهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعلَّمَهن مما علَّمه الله ، ثم قال : ما منكُنَّ من امرأةٍ تُقدِّمُ بين يديها من ولدِها ثلاثةً إلا كانوا لها حِجاباً من النار ، فقالت امراةٌ : واثنين واثنين واثنين؟ فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : واثنين واثنين واثنين)) . --------------------------------- 1 ـ البخاري 1 :192 ، ومسلم 6 :173 في أول كتاب صلاة العيدين . 2 ـ (الخُرْص) الحلقة الصغيرة من حَلْي الأذن . وقوله (بلال باسط ثوبه) معناه أنه بسطه ليَجمَع الصدقة فيه ، ثم يُفرِّقُها النبي صلى الله عليه وسلم على المحتاجين ، كما كانت عادته صلى الله عليه وسلم في الصدقات المتطوع بها والزكَوات . وفي هذا الحديث استحبابُ وعظِ النساء وتذكيرهن الآخرة وأحكام الإسلام ، وحثِّهن على الصدقة ، وهذا إذا لم تترتَّب على ذلك مفسدة وخوف على الواعظ أو الموعوظ أو غيرهما . وفيه أيضاً أن النساء إذا حضرن صلاة الرجال ومجامعَهم يكُنَّ بمعزل عنهم خوفاً من فتنةٍ او نظرةٍ أو فكرٍ ونحوِه . قاله النووي في ((شرح صحيح مسلم)) 6 :172 . وجاء في روايةٍ أخرى لهذا الحديث عند مسلم 6 :174 قولُ ابن جُريج راويها لشيخه عطاء بن أبي رباح : أحقاً على الإمام الآن أن يأتي النساء حين يَفرُغ ـ من خطبة الرجال ـ فيُذكِّرُهُنَّ؟ قال عطاء : ((أي لعَمري إن ذلك لحقٌ عليهم ، ومالهم لا يفعلون ذلك؟)) . 3 ـ البخاري 1 :195 ، ومسلم 16 :181 في كتاب البر والصلة (باب فضل من يموت له ولد فيحتسِبهُ) .
اكتفاؤه صلى الله عليه وسلم بالتعريض والإشارة في تعليم ما يُستحيا منه وتارةً كان صلى الله عليه وسلم يكتفي بالتعريض والإشارة في تعليم ما يُستحيا منه . روى البخاري ومسلم1، واللفظ له ، عن عائشة رضي الله عنها : ((أنَّ أسماء بِنْتَ شَكَل ، سألَتْ النبي صلى الله عليه وسلم عن غُسْلِ المَحيض2؟ فقال : تأخُذُ إحْداكُنَّ ماءها وسِدْرَتَها3فتَطَهَّرُ ، فتُحسن الطُّهور ،ثم تصُبُّ على رأسها ، فتَدْلُكُه دلْكاً شديداً حتى تبْلُغَ شؤونَ رأسِها4، ثم تصُبُّ عليها الماء ، ثم تأخذ فِرْصةً مُمَسَّكَةً فتطهَّرُ بها5. فقالت أسماء : وكيف تطهَّرُ بها؟ قال : سبحان الله تطهَّرين بها6. فقالت عائشة ـ وكأنها تُخفي ذلك7ـ : تتبَّعي أثر الدم8. وسألته عن غسل الجنابة؟ فقال : تأخذ ماء فتطهَّرُ فتُحسِنُ الطُّهور ، أو تُبلِغُ الطُّهور ، ثم تَصُبّ على رأسها فتدْلُكُه حتى تبلُغ شؤون رأسها ، ثم تُفيض عليها الماء9. فقالت عائشة : نِعْمَ النساء نساء الأنصار ، لم يمنعهنَّ الحياءُ أن يتفقَّهنَ في الدين))10. -------------------------------------- 1 ـ البخاري 1 :353 و354 في كتاب الحيض (باب دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من المحيض) ، ، ومسلم 4 :15 في كتاب الحيض أيضاً . 2 ـ أي عن الغُسْلِ بعد انتهاء الحَيْض . 3 ـ السِّدْرة : واحدةُ ورق السِّدر ، وهو شجرٌ معروف ينبُت في الأرياف والجبال والرَّمْل ، ويُسْتَنْبَتُ فيكون أعظمَ ورقاً وثمراً . وثمرةُ الرّيفيِّ منه طيبةُ الرائحة ، وورقُه يَقلَعُ الأوساخ ويُنقّي البشرة ويُنعِّمُها ، ويشُدُّ الشعر . وإذا أُطلِقَ (السِّدر) في (باب الغُسل) فالمراد به الورق المطحون منه . أفاده الفيومي في ((المصباح المنير)) والحكيم داود الأنطاكي في ((تذكرته)) . 4 ـ شؤون الرأس : مَواصِلُ قبائل قُرون الشعر ومُلتَقاه . والمراد : طلبُ إيصال الماء إلى منابت الشعر ، مُبالغة في الغسل والنظافة . 5 ـ الفِرْصة بكسر الفاء : قِطعة من القُطن أو نحوه . و(مُمَسَّكةً) أي مُطيَّبةً بالمِسْك وهو من أفضل أنواع الطيب : أي تأخُذُ قطعة قطنٍ أو نحوِه مطيَّبةً تتطيَّبُ بها في موضع خروج الدم ، لدفع الرائحة الكريهة . وهذا الفعل من المرأة أمرٌ مستحبٌّ شرعاً ، أخذاً من هذا الحديث الشريف . 6 ـ لم يُفصِح لها رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تتطهَّرُ بتلك القِطعة الممسَّكة ، إذْ كان موضع ذلك مما يُستحيا من ذكره ، واكتفى بالتسبيح إيذاناً أن ذلك ينبغي أن يكون معلوماً لديها من أمثالِها من النساء . 7 ـ معناه : قالت لها عائشة كلاماً خَفِيّاً تَسمعُهُ المخاطَبة وحدها ، ولا يسمعه الحاضرون في المجلس . وجملة (كأنها تُخفي ذلك) مُدرجةٌ من كلام الراوي في الحديث ، وليست من كلام عائشة رضي الله عنها . 8 ـ أي موضعه الذي يخرُج منه ، فادلُكيه بتلك القُطنة المطيَّبةِ الممسَّكة ، لتزول الرائحة المُنفِّرة من بقايا الحيض . 9 ـ أرشدها صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الشريف إلى أن الغسل من الحيض ، يزيد على غُسل الجنابة ، باستحباب وضع السِّدر في مائه ، ثم بتطييب موضع الدم بعد الفراغ من الاغتسال منه . 10 ـ في هذا الحديث الشريف من الأمور التعليمية الشيءُ الكثير : *التسبيحُ من المعلِّم عند التعجُّب . ومعناه هنا : كيف يخفى عليكِ هذا الظاهرُ الذي لا يُحتاجُ في فهمه إلى فكر . *واستحبابُ الكنايات عند تعليم ما يتعلَّق بالعَوْرات . *وسؤالُ المرأةِ العالم عن أحوالها التي يُحتشَمُ منها . *والاكتفاءُ بالتعريض والإشارة في الأمور المستهجَنة . *وتكريرُ الجواب لإفهام السائل . وإنما كرَّره عليه الصلاة والسلام ، مع كونها لم تفهمه أوَّلاً ، لأن الجواب به يؤخذُ من إعراضه صلى الله عليه وسلم بوجهه عند قولِه للسائلة : (تطهَّري) ، أي في المحلِّ الذي يُستحيا التصريحُ به في مواجهة المرأة . فاكتفى بلسانِ الحال عن لسانِ المقال . وفهمَتْهُ عائشة رضي الله عنها ، فتَولَّتْ تعليمَ السائلة . *وفيه أيضاً من الأمور التعليمية : سَواغِيَةُ تفسير كلام العالم بحضرتِهِ ووجودِه لمن خَفِيَ عليه ، إذا عَرَف أن ذلك يُعجِبُه . *وجوازُ الأخذِ عن المفضولِ ـ وهو عائشة ـ بحضرة الفاضل وهو سيدُنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . *وصحّةُ العَرْضِ ـ أي القراءة من الطالب ـ على (المُحَدِّث) إذا أَقَرَّه، ولو لم يَقُل عَقِبَ ما عرَضه عليه : (نَعَمْ) . *وأنه لا يُشترَطُ في صحة تحميل العلم فهم السامع لجميع ما يسمعُه . *والرِّفْقُ بالمتعلِّم ، وإقامةُ العُذْر لمن لا يفهم . = *وأنَّ المرءَ مطلوبٌ منه ستر عيوبِه ، وإن كانت مما جُبِلَ عليها ، وذلك من جهة أمرِهِ صلى الله عليه وسلم للمرأة بالتطيُّبِ ، لإزالة الرائحة المكروهة . *وعدم مواجهة السائل بجوابه في مثل هذه الأمور المُستحيا منها ، فإنه قال لها : (تأخُذُ إحداكُنَّ) ولم يقل لها : (تأخذين) رعايةً لزيادةِ الأدب في هذا المقام . *وحُسْنُ خُلُق المعلِّم الأعظم صلى الله عليه وسلم ، وعظيم حاله وحَيائِه ، زاده الله تشريفاً وتكريماً وتعظيماً بأبي هو وأمي . تمهيده صلى الله عليه وسلم التمهيدَ اللطيف عند تعليم ما قد يُستَحيا منه وكان صلى الله عليه وسلم تارةً يُمهِّدُ التمهيدَ اللطيفَ الرقيقَ ، إذا شاء أن يُعلِّم أصحابَه ما قد يُستَحيا من التصريح به : روى مسلم مختصراً وأبو داود والنسائي وابن ماجه تامّاً ـ واللفظ لابن ماجه2ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إنما أنا لكم مثلُ الوالِدِ لولدِهِ أُعلِّمُكم ، إذا أتيتم الغائط3، فلا تستقبلوا القِبلة4،ولا تَستَدْبِروها5، وأمرَ بثلاثةِ أحجار6، ونهى عن الرَّوْث7، والرِّمّة8، ونهى أن يَستطيبَ الرجلُ بيمينه))9. ---------------------------- 2 ـ مسلم 3 :153 ، أبو داود 1 :30 ، النسائي 1 :38 ، ابن ماجه 1 :114 في كتاب الطهارة (باب الاستنجاء بالحجارة والنهي عن الروث والرِّمّة) . 3 ـ الغائط هنا على أصل معناه اللغوي ، وهو المكانُ المنخفِضُ من الفضاء والعراء ، وكانوا يقصدونه لقضاء الحاجة فيه ، بغيةَ السَّتْر بارتفاع ما حوله ، وذلك قبل أن تُتخَذَ المراحيضُ في المنازل والبيوت . ثم أطلِق لفظ (الغائط) على الخارج نفسه من الإنسان ، تجوُّزاً ، وهذا غيرُ مراد هنا . 4 ـ المراد بالقِبلة : الكعبةُ المعظمة . وأراد جهتها ، ولذلك عبَّر بلفظ (القِبلة) . والنهي يشمل قضاء الحاجة ببول أو غائط . 5 ـ أي لا تستدبروا الكعبة المعظمة عند قضاء الحاجة . 6 ـ يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم أمَرَ من يستنجي بالحجر ، أن يستنجي بثلاثة أحجار ، لأن النَّقاء يحصل بها غالباً . والاستنجاءُ بالماء لمن يجده أفضل . 7 ـ الرَّوْث هو خُرءُ ذوات الحوافر كالبقرة والفرس والغنمة . والاستنجاءُ به إنما يتصوَّر عند يُبْسِه ، بدلاً من الحجر ، وإنما نهى عنه لأنه النجاسة بعينها . 8 ـ الرِّمّة : العَظْمُ البالي . والمراد هنا مطلق العظم . 9 ـ الاستطابة : الاستنجاء . يقال : استطاب الرجلُ يستطيبُ فهو مستطيب إذا استنجى ، ومعنى الطيب هنا الطهارة . وذكرُ (الرَّجُل) في قول أبي هريرة رضي الله عنه : (ونهى أن يستطيب الرجل بيمينه) لفظ اتفاقي ، إذ المرأة مثله . وهذا النهي إنما جاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم رعايةً منه للنظام العام الذي رَسَمه الإسلامُ في أعمال اليدين : فكلُّ عمل رفيع يكون باليد اليمنى ، وكلّث عمل وضيع يكون باليد اليسرى . وفي هذا الحديث الشريف من الأمور التعليمية : تواضعُ المعلِّم الأول صلى الله عليه وسلم ، وكمالُ شفقته على المتعلمين ، وجميلُ تلطفه بهم لتعليمهم ما يُستحيا منه ، وتعليمُه لهم التزامَ النظام في تصرفاتهم وشؤونهم وأمور نظافتهم . ولفظُ الحديث من رواية أبي داود هكذا : ((إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم ، فإذا أتى أحدُكم الغائط ، فلا يستقبِل القِبلة ، ولا يستدبِرْها ، ولا يستطِبْ بيمينه . وكان يَأمُرُ بثلاثة أحجار ، وينهى عن الرَّوث والرُّمّة)) . وقد أجاد العلاّمة المُناوي في ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)) 2 :570 ، في شرح هذا الحديث الشريف أيَّما إجادة ، فأنا أنقل لك كلامه بطوله لنفاسته واحتوائه المعاني الرائعة ، فقال رحمه الله تعالى ما خلاصته : ((قوله صلى الله عليه وسلم : إنما أنا لكم ، أي لأجلكم ما أنا لكم إلاّ مثلُ الوالد وبمنزلةِ الوالد ، في الشفقة والحُنُوّ ، لا في الرُّتْبة والعُلُوّ ، وفي تعليم ما لا بُدَّ منه ، فكما يُعلِّمُ الأبُ ولدَه الأدب ، فأنا أُعلِّمُكم ما لكم وما عليكم . وأبو الإفادة أقوى من أبي الوِلادة ، وهو الذي أنقَذَنا الله به من ظلمة الجهل ، إلى نور الإيمان . وقدَّم صلى الله عليه وسلم هذه المقدِّمة أمام المقصود : إعلاماً بانه يجب عليه تعليمُهم أمرض دينهم ، كما يَلزم الوالد تعليمُ ولده ما يَحتاج إليها مطلقاً ، ولا يُبالي بما يُستحيا من ذكره ، فهذا تمهيد منه صلى الله عليه وسلم لما بيَّنه لهم من آداب قضاءِ الحاجة ، وهي من الأمور التي يُستحيى من ذكرها ، ولا سيما في مجالس العظماء . وإيناساً منه صلى الله عليه وسلم للمخاطَبين ، لئلا يحتشموا عن السؤال عما يَعرِضُ لهم ، مما يُستحيى منه . وبَسْطاً للعُذْرِ عن التصريح بقوله : (فإذا أتى أحدُكم الغائط) أي محلِّ قضاء الحاجة ، (فلا يَستقبلْ القِبلة) بفَرْجِه والخارج منه ، (ولا يَستدبِرْها) ببول ولا غائط وجوباً في الصحراء وندباً في غيرها ، (ولا يستطب بيمينه) أي لا يستنجِ بها بغَسْلٍ أو مَسْح ، فيُكرَهُ ذلك تنزيهاً ، وقيل تحريماً . وسُمّي هذا الفعلُ بالاستطابة لِطيب الموضع بطهارته من النجاسة ، أو لطيب نفس المستطيب بإزالة النجاسة . وقد أفاد الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم لجميع الأُمّةِ كالأب ، وكذا أزواجُه أُمَّهاتُ المؤمنين ، لأنَّ منه ومن أزواجه تعلَّمَ الذكورُ والإناثُ معانيَ الدين كلِّه ، ولم يتولَّد خيرٌ إلاّ منه ومنهن ، فبِرُّه وبِرُّهنَّ أوجَبُ من كل واجب ، وعقوقُه وعقوقُهن أهلَك من كل مُهلِك . قال ابن الحاج في كتابه ((المَدْخَل)) : أُمّةُ النبي صلى الله عليه وسلم في الحقيقة أولادُه ، لأنه السببُ للإنعام عليهم بالحياةِ السَّرْمَدِيّة ، والخلود في دار النعيم فحقُّهُ أعظَمُ من حقوق الوالدين . قال عليه الصلاة والسلام لبعض أصحابه : ((ابدَأْ بنفسِك ثم بمن تَعول)) ، فأفادَهُ تقديمَ نفسه على غيره والله سبحانه قدَّم النبي صلى الله عليه وسلم في كتابه على نفس كل مؤمن فقال : (النبيُّ أولى بالمؤمنين من = = أنفسهم) ، ومعناه إذا تعارَض للمؤمن حقّان حقٌّ لنفسه وحقٌّ لنبيه ، فآكدُهما وأوجبُهما حقُّ النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يَجعلُ حقَّ نفسه تبعاً للحق الأوَّل . وإذا تأمَّلتَ الأمرَ في الشاهد أي الواقع ، وجدتَ نفع المصطفى صلى الله عليه وسلم أعظمَ من نفع الآباء والأمَّهات ، وجميعِ الخلق ، فإنه أنقَذَك وأنقذ آباءك من النار ، وغاية أمرِ أبويك أنهما أوجداك في الحِسّ ، فكانا سبباً لإخراجك إلى دار التكليف والبلاء والمِحَن ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سبباً لنجاتك ودخولك إلى دار التشريف والمِنَح ، فجزى الله عنا نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم ما هو أهلُه)) . انتهى بزيادة يسيرة وتصرف يسير . ومن أجلِ هذا المعنى العظيم الذي تقدَّم في كلام ابن الحاج رحمه الله تعالى ، قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في ((إحياء علوم الدين)) 1 :55 ، وهو يتحدَّثُ عن عِظَم مسؤولية المعلِّم نحو المتعلِّمين منه ، ولزومِ شفقتِه عليهم ـ في الوظيفة الأولى من وظائف المعلِّم ، في الباب الخامس من آداب المتعلم والمعلِّم ـ : ((ولذلك صار حقُّ المعلِّم أعظمَ من حق الوالدين ، فإن الوالد سبَبُ الوجود الحاضر والحياة الفانية ، والمعلِّم سبب الحياة الباقية ، ولولا المعلِّم لانساق ما حصل من جهة الوالدين إلى الهلاك الدائم ، وإنما المعلِّم هو المُفيدُ للحياة الأخروية الدائمة ، أعني معلِّمَ علوم الآخرة ، أو علوم الدنيا على قصد الآخرة ، لا على قصد الدنيا . فأما التعليمُ على قصد الدنيا ـ أي على قصد تحصيل حُطام الدنيا ، والتمكن في زينتها ، والتفاخر بها في الملابس والمآكل والمراكب ـ فهو هلاك وإهلاك ، نعوذ بالله منه)) . انتهى . ومعذرةً من إطالتي هذه التعليقة ، فقد اقتضاني ذلك ما تضمَّنَتْه من نفائس العلم الرفيع ، أكرمني الله وإياك بالعلم والعمل والتقدير المستحقّ علينا مقام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . تعليمُه صلى الله عليه وسلم بالقَصَصِ وأخبار الماضين وكثيراً ما كان صلى الله عليه وسلم يُعلِّمُ أصحابَه بطريق القَصَصِ والوقائع التي يُحدِّثُهم بها عن الأقوام الماضين ، فيكونُ لها في نفوسِ سامعيها أطيبُ الأثر ، وأفضلُ التوجيه ، وتَحْظى منهم بأوفى النشاطِ والانتباه ، وتقَعُ على القلبِ والسَّمع أطيب ما تكون ، إذ لا يُواجَهُ فيها المخاطَبُ بأمْرٍ أو نَهْي ، وإنما هو الحديثُ عن غيره ، فتكونُ له منه العِبْرةُ والموعظةُ والقُدوةُ والائتساء . وقد سنَّ الله تعالى هذا الأسلوبَ الكريم في تعليمه لنبيِّه صلى الله عليه وسلم ، فقال سبحانه : (وكُلاًّ نقُصُّ عليك مِن أنباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ به فُؤادَكَ) . ومن ذلك حَديثُه صلى الله عليه وسلم في الترغيبِ في الحُبِّ في الله ، والمؤاخاةِ الخالِصَةِ للخيرِ والدّين . روى مسلم1عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ((أنَّ رجلاً زار أخاً له في قريَةٍ أخرى ، فأرصَدَ الله له على مَدْرَجَتِه مَلَكاً2، فلما أتى عليه قال3: أين تريد؟ قال : أريد أخاً لي في هذه القرية ، قال : هل لك عليه من نِعمةٍ تَرُبّثها4؟ قال : لا ، غير أني أحببتُه في الله عز وجل ، قال : فإني رسول الله إليك ، بأنَّ الله قد أحبَّك كما أحببتَه فيه)) . ومن تعليمه صلى الله عليه وسلم بطريق القصص والوقائع الماضية أيضاً : حديثُه في الحضِّ على الرحمةِ بالحيوان والإحسان إليه ، والتحذيرِ من أذاه والإساءةِ إليه . روى البخاري ومسلم5، واللفظ له ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((بينما رجلٌ يمشي بطريقٍ اشتدَّ عليه العطش ، فوجَدَ بِئراً فنزَلَ فيها ، فشَرِب ثم خَرَج ، فإذا كلبٌ يَلْهَثُ يأكُلُ الثَّرى من العطش6، فقال الرجل : لقد بلَغَ هذا الكلب من العطش مثلُ الذي كان بلغَ مني! فنزل البئرَ فملأ خُفَّه ماءً ، ثم أمسك بفيه حتى رَقِيَ فسقى الكلب7، فشكر اللهُ له فغفر له . قالوا : يا رسول الله ، وإنَّ لنا في البهائم لأجراً؟ فقال : في كل كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْر))8. يعني : في الإحسان إلى كل ذي روحٍ وحياةٍ أجر . وروى البخاري ومسلم9، واللفظ منهما ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((بينما كلبٌ يُطيفُ ببئرٍ قد كان يَقتُله العطشُ ، إذ رأته بَغِيٌّ من بَغايا بني إسرائيل ، فنزعَتْ خُفَّها فأوثَقَتْهُ بخِمارِها ، فنزعَتْ له من الماء ، فسَقَتْه إياه ، فغُفِر لها بذلك)) . وروى البخاري ومسلم10، واللفظ للبخاري ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((عُذِّبَتْ امرأةٌ في هِرَّة ربَطَتْها حتى ماتتْ11، فدخَلَتْ فيها النار ، لا هي أطعمتها ، ولا هي تركتها تأكُلُ من خَشاشِ الأرض))1. وروى البخاري ومسلم2، واللفظ له ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((لم يتكلَّم في المَهْدِ إلاّ ثلاثة3: 1 ـ عيسى بنُ مريم . 2 ـ وصاحبُ جُرَيج4، وكان جريجٌ رجلاً عابداً ، فاتَّخَذَ صَوْمَعة فكان فيها5، فأتَتْهُ أُمُّه وهو يُصلّي فقالت : يا جريج ، فقال : يا ربّ أمّي وصلاتي6، فأقبل على صلاتِه ، فانصرفَتْ! فلما كان من الغَدِ أتتْهُ وهو يُصلّي ، فقالت : يا جريج ، فقال : يا ربِّ أمي وصلاتي ، فأقبل على صلاته ، فانصرفت ! فلما كان من الغَدِ أتتْهُ وهو يُصلّي ، فقالت : يا جريج ، فقال : أيْ ربِّ أمي وصلاتي ، فأقبل على صلاته ، فقالت : اللهمَّ لا تُمِتْهُ حتى يَنْظُرَ إلى وجوهِ المُوْمِسات7! فتذاكَرَ بنو إسرائيل جريجاً وعبادتَه ، وكانت امرأةٌ بَغِيٌّ يُتَمثَّلُ بحُسْنِها ، فقالت : إن شئتم لأفتِننَّهُ لكم ، قال : فتعرَّضَتْ له فلم يَلتفِت إليها ، فأتَتْ راعِياً كان يأوي إلى صوْمَعَتِه ، فأمكَنَتْه من نفسِها فوقَعَ عليها فحَمَلَتْ . فلما ولدَتْ قالت : هو جريج ، فأتَوْه ، فاستَنزلوه ، وهَدَموا صوْمعتَه ، وجعلوا يضربونه8، فقال : ما شأنُكم؟ قالوا : زَنَيْتَ بهذه البَغِيَّ فولَدَتْ منك9! فقال : أين الصَّبيّ؟ فجاؤا به ، فقال : دَعوني حتى أُصلّي ، فصلّى10، فلما انصرَفَ أتى الصبيَّ فطَعَنَ في بَطْنِه11، وقال : يا غُلام من أبوك؟ قال : فُلانٌ الراعي . قال فأقبلوا على جريج يُقبِّلونَه ويتمسَّحون به وقالوا : نَبْني لك صومعتك من ذهب ، قال : لا ، أعيدوها من طين كما كانت ففعلوا12. 3 ـ وبَيْنا صبيٌّ يرضع من أمه ، فمرَّ رجلٌ راكبٌ على دابّة فارِهة13، وشارَةٍ حسنة14، فقالت أمُّه : اللهمَّ اجعل ابني مِثلَ هذا، فتَرَك ثَدْيَها وأقبَلَ إليه، فنظر إليه فقال : اللهمَّ لا تَجعلْني مِثلَه ، ثم أقبَلَ على ثَدْيه فجعلَ يرتَضِع ، قال : فكأني أَنظُرُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحكي ارتِضاعَهُ بإصبعه السبّابة في فمه ، فجعل يَمَصُّها . قال : ومرّوا بجاريةٍ وهم يَضْرِبونَها ، ويقولون : زَنَيتِ سَرَقْتِ ، وهي تقول : حَسْبِيَ اللهُ ونعم الوكيل ، فقالتْ أُمُّه : اللهمَّ لا تَجعَلْ ابني مِثلَ هذه ، فتَرَك الرَّضاعَ ونظَرَ إليها فقال : اللهمَّ اجعلْني مِثلَها . فهناك تراجَعا الحديث15، فقالت : حَلْقى16! مرَّ رجلٌ حسَنُ الهيئةِ فقلتُ : اللهم لا تجعلني مِثلَه ، ومرّوا بهذه الأمةِ وهم يضرِبونَها ويقولون : زَنَيتِ سَرَقْتِ ، فقلتُ : اللهم لا تجعل ابني مثلها ، فقلتَ : اللهم اجعلني مثلها؟ قال : إنَّ ذاك الرجل كان جبّاراً! فقلتْ : اللهم لا تجعلني مثله ، وإنَّ هذه يقولون لها : زنيتِ ولم تزْنِ ، وسرقتِ ولم تسرِق ، فقلت : اللهم اجعلني مثلها))1. وفي هذا القَصَصِ الحقِّ ، والخيرِ اليقينِ من التوجيه ، ترغيباً وترهيباً ، وتنفيراً وتحذيراً ، ما هو غَنِيٌّ عن الشرح والبيان . --------------------------------- 1 ـ 16 :124 في كتاب البر والصلة (باب فضل الحب في الله تعالى) . 2 ـ المدرجة : الطريق . وأرصده : أقعَدَه يرقُبُه ، والملَكُ الذي أرصده الله تعالى على طريق الرجل الزائر لأخيه في الله تعالى ، كان في صورة إنسان عاديّ ، لا في صورتِهِ على خِلْقتِهِ الحقيقيّة . 3 ـ أي الملَكُ للزائر المسافِرِ لزيارة أخيه في بلدٍ آخر . 4 ـ أي تقومُ بإصلاحها وتُسافِرُ إليه بسببها ، وتزورُهُ من أجلها . 5 ـ البخاري 10 :366 في كتاب الأدب (باب رحمة الناس والبهائم) ، ومسلم 14 :241 في كتاب السلام (باب فضل سقي البهائم المحرمة وإطعامها) . 6 ـ الثرى : التراب النَّدِيّ . ومعنى (يأكلُ الثرى) أي يَلْحَسُ الثرى بلسانه من شدة العطش ، ليتبرَّد بطراوته ونداوته . 7 ـ أمسكه بفيه أي بفمه . وذلك لأنَّ يدَيْه مشغولتان بصُعودِه من البئر! 8 ـ أي في كل كبدٍ حيَّةٍ . والمرادُ بالرطوبة في الكبد : رُطوبةُ الحياة فيها ، وهي لازمةٌ لكبد الإنسان أو الحيوان ما دام حياً ، والمعنى : في الإحسان إلى كل ذي حياة ـ حيواناً كان أو إنساناً ـ أجْر . 9 ـ البخاري 6 :256 في آخر كتاب بدء الخلق ، ومسلم 14 :242 في الموضع السابق . 10 ـ البخاري 6 :380 في آخر كتاب أحاديث الأنبياء ، ومسلم 14 :240 في الموضع السابق . 11 ـ وفي رواية : سجنَتْها . 1 ـ أي هَوامِّها وحشراتِها من فأرةٍ ونحوها من الحيوانات الصغيرة . 2 ـ سبَقَ العزوُ إليهما في ص122 برقم 67 . 3 ـ ذكر الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) 6 :344 أن هناك غيرَ هؤلاء الثلاثة تكلَّموا في المهد ، كما جاء ذلك في السنّة الثابتة ، وأشار إلى وجهِ التوفيق بين ظاهرِ هذا الحَصْر في الحديث والأحاديث الأخرى ، فراجعه إذا شئت . 4 ـ أي الغلامُ الذي اتُّهِمَ به جريج . 5 ـ الصومعة : البناء المرتفع المحدَّد أعلاه . مأخوذة من صَمَعْتُ إذا دَققتُ ، لأنها دقيقة الرأس . 6 ـ أي اجتمع عليَّ إجابةُ أمي وإتمام صلاتي ، فوفِّقْني لأفضلهما . قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) 6 :345 : ((وكلُّ ذلك قاله ـ أي في المرات الثلاث من مُناداةِ أُمِّه حال صلاتِه ـ محمولٌ على أنه قالَهُ في نَفْسِه ، لا أنه نَطَق به ، ويُحتمَلُ أن يكون نَطَق به على ظاهره ، لأن الكلام كان مُباحاً عندهم ، وكذلك كان في صدر الإسلام)) . 7 ـ المومسات : الزَّواني المتجاهِراتُ بذلك . وفي رواية ثانية عند مسلم 16 :105 . فقالت : اللهم إنَّ هذا جريج وهو ابني ، وإني كلَّمتُه فأبى أن يُكلذِمني ، اللهم فلا تُمِتْهُ حتى تُريَه وجوه المومسات ، قال : ولو دَعَت عليه أن يُفتَنَ لفُتِن!)) . أي لفتن بالزنى أو القتل! ولكن كانت رفيقةً رحيمةً به ، فكانت دَعْوَتُها أن تكون عُقوبتَهُ رؤيةَ وجوهِ الزَّواني فقط ، وما أشدَّها من عقوبة على قلوبِ العابدين الصالحين ، نسألُ الله السلامةَ والعافية . 8 ـ جاء في رواية : ((وجعَلوا يَطوفون به في الناس ، ويقولون : مُراءٍ تُخادِعُ الناس بعَمَلِك ، فلما مَرّوا به نحو بيت الزَّواني خَرَجْنَ يَنْظُرْنَ ، فتبسَّم! فقالوا : لم يَضْحَكْ حتى مرَّ بالزَّواني!)) وسيأتي بيانُ جريج سبب ضحكه في التعليقة الرابعة . 9 ـ وكان في حُكمهم أنَّ من زنى قُتِل . 10 ـ وقد صلى ركعتين ، وكانت الصلاةُ مشروعة عندهم . 11 ـ في روايةٍ ثانية عند مسلم 16 :106 ((ثم مَسَحَ رأس الصبي فقال : من أبوك؟)) . 12 ـ جاء في رواية : ((فرجَعَ في صومعته ، فقالوا له : باللهِ مِمَّ ضَحِكت؟ فقال : ما ضحكتُ إلاّ من دَعْوةٍ دَعَتْها عليَّ أُمّي )) . أي أنه تذكَّرَ أن هذه العُقوبة بسبب تلك المعصية! قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) 6 :347 و3 :63 ، ((وفي الحديث إثارُ إجابةِ الأمّ على صلاة التطوُّع ، لأنَّ الاستمرار فيها : نافلة ، وإجابَةَ الأم وبِرِّها : واجبٌ . وفي حديث يَزيد بن حَوشَب عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((لو كان جريج فقيهاً ـ وفي رواية : عالِماً ـ لعلِمَ أنَّ إجابة أُمِّه أولى من عبادة ربه)) أخرجه الحسن بن سفيان . و(يزيد) والد حَوْشَب : مجهول )) . 13 ـ أي نشيطة قوية . 14 ـ أي هيئةٍ حسنة وملبَسٍ حسن ، يُتعجَّبُ منه ويُشارُ إليه لحُسنه وجماله . 15 ـ قال الإمام النووي في ((شرح صحيح مسلم)) 16 :107 ((قوله (تراجعا الحديث) ، أي أقبلَتْ الأم على الرضيع تحدثه ، وكانت أولاً لا تراه أهلاً للكلام ، فلما تكرَّر منه الكلام ، علمَتْ أنه أهل ، فسألتْه وراجَعْته)) . 16 ـ أي عجباً لكَ؟! 1 ـ أي سالماً من المعاصي كما هي سالمة منها ، وليس المراد : اجعلني مِثلَها في النسبة إلى باطلٍ أكونُ منه بريئاً . تعليمُه صلى الله عليه وسلم بالترغيب والترهيب ومن أجلى أساليبه صلى الله عليه وسلم في التعليم الترغيبُ في الخير الذي يدعو إليه ، والترهيبُ عن الشرِّ الذي يُحذِّر منه ، فكان صلى الله عليه وسلم يُرغِّب في الخير بذكر ثوابِه والتنبيه على مَنافِعِه، ويُرهِّبُ عن الشرِّ بذكرِ عقابِه والتنبيه على مساويه . وكان يَجمَع في أحاديثه بين الترغيب حيناً والترهيب حيناً آخر ، وما كان يَقتَصِرُ على الترهيب فيُؤدّي إلى التنفير ، ولا على الترغيب فيؤدي إلى الكَسَل وترك العمل . وقد جَمَع أئمةُ الحديث رضوانُ الله تعالى عليهم (أحاديثَ الترغيب والترهيب) من السنة النبوية الشريفة ، في كُتُبٍ مستقلةٍ ، وأوفى تلك الكُتُب جمعاً لأحاديث هذا الصنف ، وأكثرُها فائدةً ، وأقربُها منالاً : كتابُ ((الترغيب والترهيب من الحديث الشريف)) للإمام الحافظ أبي محمد زكي الدين عبد العظيم المُنذِري رحمه الله تعالى ، وهو مطبوع متداول . وقد سبقَتْ في الأساليب السابقة أحاديثُ كثيرة من باب الترغيب والترهيب فاكتفيتُ بها عن ذكرِ أمثلةٍ أخرى لتعليم النبي صلى الله عليه وسلم بالترغيب والترهيب . تعليمُه صلى الله عليه وسلم بالوعظ والتذكير ومن أهمِّ وأبرزِ أساليبِه صلى الله عليه وسلم في التعليم ، الوعظُ والتذكير ، اقتداءً بالقرآن الكريم ، في قوله : (وذكِّرْ فإن الذِّكرى تَنفَعُ المؤمنين)11، وقولِهِ : (إنّما أنتَ مُذَّكِّر)12، وكثيرٌ من تعليماتِه صلى الله عليه وسلم إنما أُخِذَتْ منه في مَواعِظِه وخُطبه العامة1. روى أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه2، والسياق لأبي داود ، عن عبد الرحمن بن عمرو السُلمي وحُجْر بن حُجر ، قالا : أتينا العِرباضَ بن سارية ، فسَلَّمنا وقلنا : أتيناك زائرين وعائدين ومُقْتَبِسين ، فقال العِرْباضُ : ((صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ يوم ، ثم أقبَلَ علينا فوَعَظَنا مَوعِظةً بليغةً ، ذَرَفَتْ منها العيونُ ، ووَجِلت منها القلوبُ . فقال قائل : يا رسول الله كأن هذه موعظةُ مُودِّع؟ فما تَعهَدُ إلينا؟ فقال : أوصيكم بتقوى الله والسمعِ والطاعةِ وإن كان عَبْداً حبشياً ، فإنه من يعِش منكم بعدي فسَيَرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي وسنةِ الخلفاء الراشدين ، تمسَّكوا بها وعَضّوا عليها بالنواجِذ ، وإياكم ومُحدَثاتِ الأمور! فإن كلَّ محدثةٍ بدعةٌ ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ)) . وروى مسلم والنسائي وابن ماجه ، واللفظ لمسلم3، عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما ، قال : ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خَطَب احمرَّتْ عيناه ، وعلا صوتُه ، واشتد غضبه ، حتى كأنه منذِرُ جيش يقول : صبَّحكم مسّاكم . ويقول : بُعِثتُ انا والسّاعةَ كهاتين ، ويَقْرُن بين إصبعيه : السَّبّابةِ والوُسْطى . ويقول : أما بعد ، فإنَّ خيرَ الحديثِ كتابُ الله ، وخيرَ الهَدْي هَدْي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشرَّ الأمورِ مُحْدَثاتُها ، وكُلَّ بدعةٍ ضلالة . ثم يقول : أنا أولى بكل مؤمنٍ من نفسِه ، من ترَكَ مالاً فلأهله ، ومن تَرَك دَيْناً ، أو ضَياعاً : فإليَّ وعليّ)) . ------------------------------------ 11 ـ من سورة الذّاريات ، الآية 55 . 12 ـ من سورة الغاشية ، الآية 21 . 1 ـ وقد وقفتُ على كلمةٍ علميةٍ مهمةٍ لإمام العصر الشيخ محمد أنور الكشميري ، في إيضاحِ جانب (التذكير) في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم ، وبيانِ الفرق بين وظيفةِ الواعِظِ المذكِّرِ ووظيفةِ المَعلِّم الفقيه ، وقد أردتُ ذكر تلك الكلمةِ هنا بطولِها لما فيها من الفوائد ، قال رحمه الله تعالى في ((فيض الباري شرح صحيح البخاري)) 1 :280 ما لفظُه : ((اعلم أنَّ هناك وظيفتين : الأولى : وظيفةُ الواعظِ والمذكِّر ، فإنه يُحرِّضُ على العمل ويُرغِّب إليه فيختارُ من التعبيرات ما يكون أدعى لها ، ولا يَلتفتُ إلى تحقيق المسألة واستيفاءِ شرائِطها وموانِعها ، بل يُرسلُ الكلامَ فيعِدُ ويوعِدُ ، ويُرغِّبُ ويُرهِّبُ مطلقاً ، ويأمُرُ ويَنهى ولا يَلتفتُ إلى مزيدِ التفاصيل . والثانيةُ : وظيفةُ المعلِّم والفقيه وهو يُريدُ تلقينَ العلم وبيانَ المسألة ، أما العملُ بها فبمَعزل عن نظره ، فيُحقِّقُ البيانَ ، ويُدقِّقُ الكلامَ ، ويَستوفي الشروطَ ويختارُ من التعبيرات ما لا يكون مُوْهِماً بخلاف المقصود ، بل يكون أدلَّ عليه وأقربَ إليه ، فلا يُرسِلُ الكلامَ بل يذكُرُه بشرائطِه ، ويَعِدُ ويوعِدُ ويُرغِّبُ ويُرهِّبُ بشرائطِه . فهاتان وظيفتان ، ومَنصِبُ الشارع منصِبُ المُذكِّر ، قال الله تعالى : (إنما انتَ مُذَّكِّر لستَ عليهم بمسيطر) ، وليس له مَنصِبُ المعلِّم فقط فهو مُذَّكرٌ ومعلِّم معاً ، فوَجَب أن يُعبِّر بما هو أدعى للعمل وأبعدُ عمّا يوجِب الكَسَلَ . وهذا هو التعليم الفطري ، فإن أكثرَ تعليماتِه صلى الله عليه وسلم مستفادٌ من عمله ، فما أَمَر به الناسَ عَمِل به أولاً ثم تَعلَّم منه الناسُ ، ولذا لم يَحتاجوا إلى التعليم والتعلُّم ، ولو كان طريقُه كما في زماننا لَما شاع الدينُ إلى الأبد ، ولكنَّه علَّم الناس بعمله . ثم إذا قال لهم أمراً اختار فيه الطريق الفِطري أيضاً ، وهو الامرُ بالمطلوب والنهيُّ عن المكروهِ ، ولم يَبحَثْ عن مراتِبه ، قال الله تعالى : (وما آتاكم الرسولُ فخُذوه وما نَهاكم عنه فانتهوا) ، فهذا هو السبيلُ الأقوم . أما البحثُ عن المراتب فهو طريقٌ مُستحدَث سَلَكه العلماءُ لفساد الزمان ، وأما الصحابةُ رضي الله عنهم فإنهم إذا أُمِروا بشيءٍ أخذوه بجميع مَراتِبه ، وإذا عنه تركوه بالكلية ، فلم تكن لهم حاجةٌ إلى البحث . ولو كان الشارعُ تعرَّض إلى المراتبِ لفاته منصبُ المُذكِّر ولانعدم العملُ ، فإنه إذا جاء البحثُ والجدال لبطل العمل ، مثلاً لو قال تعالى : ((فاعتزلوا النساءَ عن مَوضِع الطَّمْث ، ولا تَقربوه فقط ، واستَمتِعوا بسائرِ الأعضاء)) ، لربما وقَعَ الناسُ في الحرام ، لان من يَرتَع حول الحِمى يوشِكُ أن يَقَع فيه ، وإنما أخَذَ الاعتزالَ في التعبير ليكون أسهلَ لهم في العمل ، ولا يَقَعوا في المعصية . وكذلك إذا أحب أمراً أمَرَ به مطلقاً ، ليأتمر به الناسُ بجميع مراتبه ، ويَقَع في حيز مرضاةِ الله تعالى ، مثلاً قال : ((من تركَ الصلاةَ فقد كفَر)) ، ولم يقل : فَعَل فِعلَ الكفر ، أو مُستَحِلاًّ ، أو قارَبَ الكفرُ ، مع أنه كان أسهلَ في بادىء النظر ، لأنه لو قال كذلك لفات غرضُه من التشديد ولانعدم العملُ ، ولذا كان السلفُ يَكرهون تأويلَه . فالحاصلُ أنه إذا أمَرَنا بشيءٍ فكأنه يُريدُ العَمَل به بأقصى ما يمكن ، بحيث لا تبقى مرتبةٌ من مراتِبه متروكةً ، وكذلك في جانب النهي ، ولذا كان يقولُ عند البيعة : ((فيما استطعتم)) فبذلُ الجهد والاستِطاعة لا يكون إلاّ إذا أُجمِلُ الكلامُ ، وإذا فُصِّل يحدث التهاوُن ، كما هو مشاهد في عمل العوام وعامةِ العلماء الذين مالهم وجاهة عند الله وقبولٌ في جنابِه ، فهم ليسوا من الذين لا تُلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله)) . 2 ـ أبو داود 4 :280 ـ 281 في كتاب السنة ، والترمذي 4 :150 في كتاب العلم ، وقال : ((هذا حديثٌ حسن صحيح)) ، وابن ماجه 1 :15 ، في المقدِّمة (باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين) . 3 ـ مسلم 6 :153 ـ 156 في الجمعة ، والنسائي 3 :188 في العيدين ، وابن ماجه 1 :17 في المقدِّمة (باب اجتناب البدع والجدل) . إجماله صلى الله عليه وسلم للمعدودات ثم تفصيلُها ومما يقرُبُ من الأسلوب المتقدِّم ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يَختارُه في التعليم ، من الإجمالِ للمعدودات ثم بيانِها واحداً بعدَ واحدٍ ، لتكون أضبط لدى السامع وأعون له على الحفظِ والفهم . روى الحاكم في ((المستدرك))7عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((اغْتَنِمْ خمساً قبلَ خمس : شَبابَك قبل هَرَمِك ، وصِحَّتَك قبل سَقَمِك ، وغِناكَ قبل فَقْرِك ، وفَراغَك قبل شُغُلِك ، وحَياتَك قبل موتِك))8. وروى البخاري ومسلم9عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((تُنكَحُ المرأةُ لأربع : لمالِها ولحَسَبِها ، وجمالِها ، ولدينِها ، فاظْفَر بذاتِ الدين ، تَرِبَتْ يداك))10. ------------------------------------ 7 ـ 4 :306 وقال : ((صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)) . 8 ـ في الحديث التنبيهُ على أهمِّيّةِ الأمور الخمسةِ المذكورة وعِظمِ نفعها ، وكلٌّ من هذه الأمور الخمسةِ لا يُعرَف قدرُه إلاّ بعدَ زوالِهِ واحتلالِ مُقابِله مَقامَه ، وفي الحديث : ((نعمتان مَغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس : الصحةُ والفراغ)) . 9 ـ البخاري 9 :132 في كتاب النكاح (باب الأَكْفاء في الدين) ، ومسلم 10 :51 في كتاب الرضاع (باب استحباب نكاح ذات الدين) . 10 ـ قوله : (تربت يداك) أي لَصِقَتا بالتراب ، وهي كنايةٌ عن الفقر ، وهو خبرٌ بمعنى الدعاء ، لكن لا يُراد به حقيقتُه ، كما في قولهم (وَيْحَكَ) و(وَيْلَكَ) . قال النووي في ((شرح صحيح مسلم)) 10 :52 : ((في هذا الحديث الحثُّ على مُصاحَبةِ أهل الدين في كل شيءٍ ، لأن صاحبَهم يَستفيدُ من أخلاقِهم وبركتِهم وحُسنِ طرائِقِهم ، ويأمَنُ المفسدةَ من جِهتِهم)) . إجمالُه صلى الله عليه وسلم الأمر ، ثم تفصيلُه ليكون أوضحَ وأمكَنَ في الحفظ والفهم وكان صلى الله عليه وسلم في بعض الأحيان يُجمِل الأمرَ في حديثِه لحضِّ المخاطَب على السؤالِ ، وتَشويقِه إلى الاستكشافِ عنه ، ثم يُفصِّلُه ببيانٍ واضحٍ فيكون أوقع في نفس المخاطَب وأمكن في حفظِه وفهمه . روى البخاري ومسلم وابن ماجه ، واللفظ لمسلم4، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ((مُرَّ بجنازةٍ فأُثنِيَ عليها خيراً5، فقال نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم : وجَبَتْ ، وجبت ، وجبت . ومُرَّ بجنازةٍ فأُثني عليها شراً ، فقال نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم : وجَبَتْ ، وجبت ، وجبت6. قال عمر : فِدىً لك أبي وأمي ، مُرَّ بجنازة فأُثني عليها خيراً ، فقلتَ : وجَبَتْ ، وجبت ، وجبت . ومُرَّ بجنازةٍ فأُثني عليها شراً ، فقلت : وجَبَتْ ، وجبت ، وجبت . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أَثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة ، ومن أَثنيتم عليه شراً وجبت له النار ، أنتم شُهداء الله في الأرض ، أنتم شُهداء الله في الأرض ، أنتم شُهداء الله في الأرض))7. وروى مسلم1عن مَعْبَد بن كعب بن مالك ، عن أبي قَتادة بن رِبْعِيّ رضي الله عنه ، أنه كان يُحدِّث ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مُرَّ عليه بجنازة ، فقال : مُستريحٌ ومُستَراحٌ منه . قالوا : يا رسول الله ، ما المستريحُ والمُستراحُ منه؟ فقال : العبدُ المؤمِنُ يَستريحُ من نَصَب الدنيا2إلى رحمة الله ، والعبدُ الفاجر يستريحُ منه العِبادُ والبلادُ والشجرُ والدوابُّ))3. ومن الإجمال ثم التفصيل قولُه صلى الله عليه وسلم في التحذير من أَذى الجار : روى البخاري4: عن أبي شُرَيح الخُزاعي رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((واللهِ لا يؤْمِن! واللهِ لا يؤْمِن! واللهِ لا يؤْمِن! قيل : من يا رسول الله؟ قال : الذي لا يَأمَنُ جارُهُ بَوائِقَه))5. ومن هذا الباب أيضاً قولُه صلى الله عليه وسلم في التحذير من التقصير في بِرِّ الوالِدَين : روى مسلم عن أبي هررة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم6: ((رَغِمَ أَنْفُه! ثمّ رَغِمَ أَنْفُه! ثمّ رَغِمَ أَنْفُه! قيل : من يا رسول الله؟ قال : مَن أدرَك والِدَيْهِ عند الكِبَرِ أحَدَهما أو كليهما ، ثم لم يَدْخُل الجنّة)) . --------------------------------- 4 ـ البخاري 3 :238 في كتاب الجنائز (باب ثناء الناس على الميت) ، و5 :252 في كتاب الشهادات (باب تعديل كم يجوز) ، ومسلم 7 :18 ، وابن ماجه 1 :478 كلاهما في كتاب الجنائز . 5 ـ قوله هنا : فأُثنِيَ عليها خيراً ، ثم قوله بعد قليل : وأثنِيَ عليها شراً ، هو بالبناء للمجهول فيهما . والثناء يُستعمل في الخير وفي الشر ، فيقال : أثنيتُ عليه خيراً ، وأثنيت عليه شراً ، لأنه بمعنى وصفتُه ، نصَّ عليه جماعة من أئمة اللغة المحققين ، كما بسطه الفيومي في ((المصباح المنير)) في (ثنى) ، وغلَّط من قال : لا يُستعمل الثناء إلاّ في الخير ، وزعم أنه جاء في الحديث مستعملاً في الشر للازدواج والمشاكلة . وأسهب في تغليطه وأجاد . 6 ـ قال الإمام النووي في ((شرح صحيح مسلم)) 7 :19 ((هكذا جاء هذا الحديث في الأصول : وجَبَتْ ، وجبت ، وجبت ثلاث مرات ، وأنتم شهداء الله في الأرض ثلاث مرات)) . وقال الإمام العيني في ((عمدة القاري)) 8 :195 ((والتكرير في الحديث لتأكيد الكلام ، لئلا يشكّوا فيه)) . 7 ـ قوله صلى الله عليه وسلم : (أنتم شُهداء الله في الأرض) ، خطابٌ منه صلى الله عليه وسلم للصحابة رضي الله عنهم ، ولكن قال العلماء : ليس هذا القولُ الكريم مخصوصاً بهم فحسب ، بل يَدخلُ فيه الصحابة ومن كان صفتهم من المتقين والمتقيات والمؤمنين والمؤمنات . واختلف العلماء في فهم معنى هذا الحديث الشريف ، قال الإمام النووي في ((شرح صحيح مسلم)) 7 :19 ، ونقله عنه الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) 3 :231 : ((قال بعضهم : معنى الحديث أن الثناء بالخير لمن أَثنى عليه أهلُ الفضل والدين ، وكان مطابقاً للواقع ، فهو من أهل الجنة ، فغن كان غيرَ مطابق فلا ، وكذا عكسُه . تعالى الناسَ الثناء عليه بخير ، كان دليلاً على أنه من أهل الجنة ، سواء كانت أفعالُه تقتضي ذلك أم لا ، فإن الأعمال داخلة تحت المشيئة ، فإذا أَلهم الله عز وجل الناسَ الثناءَ عليه بالخير ، استدللنا بذلك على أنه سبحانه قد شاء المغفرة له . وبهذا تظفر فائدةُ الثناءِ وقولِهِ صلى الله عليه وسلم : ((وجبت ، وأنتم شهداءُ الله في الأرض ...)) . ولو كان لا ينفعه ذلك إلاّ أن تكون أعماله تقتضيه لم يكن للثناء عليه فائدة ، وقد أثبَتَ النبي صلى الله عليه وسلم له فائدة)) . انتهى . وفي الحديث من الأمور التعليمية : استحبابُ توكيد الكلام المُهِمّ بتكراره ، ليُحفَظ ، وليكون أبلغ في نفس سامعه . وفيه من أساليب التعليم : الغجمال ثم البيان ليكون أشوق وأوقع في السمع ، فقد أَجملَ صلى الله عليه وسلم في قوله (وجبت) لكل من الجنازتين ، ثم بيَّن أن = = قوله لذي الخير : (وجبت) أي وجبت له الجنة ، وأنَّ قولَه لذي الشر : (وجبت) أي وجبت له النار . والمرادُ بالوجوب هنا : الثبوت ، لتحقق وقوعه . والأصل أنه لا يجب على الله شيء ، بل الثوابُ فضلُه ، والعقاب عدلُه . 1 ـ 7 :20 في كتاب الجنائز (باب ما جاء في مستريح ومستراح منه) . 2 ـ نَصَبُ الدنيا : تَعَبُها . 3 ـ قال الإمام النووي في ((شرح صحيح مسلم)) 7 :20 ((معنى الحديث أن الموتى قسمان : مستريح ، ومستراح منه . وأما استراحةُ العباد من الفاجر ، فمعناه اندفاعُ أذاه عنهم ، وأذاه يكون من وجوه ، منها ظُلمُهُ لهم ، ومنها ارتكابُه للمنكرات ، فإن أنكروها قاسَوْا مشقةً من ذلك ، وربما نالهم ضَررُه ، وإن سكتوا عنه أَثِموا . واستراحةُ الدوابّ منه كذلك ،، لأنه كان يؤذيها ويَضرِبُها ويُحمِّلُها ما لا تُطيقُه ، ويُجيعها في بعض الأوقات ، وغيرُ ذلك . واستراحةُ البلاد والشجر ، فقيل : لأنها تُمنع القطرَ بمَعْصِيَتِه ، قاله الداودي وقال الباجي : لأنه يَغْصِبُها ويَمنعُها حقَّها من الشُّرب وغيره)) . 4 ـ تقدم هذا الحديث الشريف في ص167 برقم 105 ، شاهداً لأسلوب القَسَم منه صلى الله عليه وسلم في بعض الأحيان ، وأوردته هنا شاهداً لأسلوب الإجمال ثم التفصيل . 5 ـ أي شُرورَه وأذاياه . 6 ـ 16 :108 في كتاب البر والصلة (باب رغم أنف من أدرك أبويه ... عند الكبر فلم يدخل الجنة) . إبهامُه صلى الله عليه وسلم الشيءَ لحملِ السامِع على الاستِكشافِ عنه للترغيب فيه أو الزَّجْر عنه8 وتارةً كان صلى الله عليه وسلم يُبهِمُ الشيءَ ترغيباً فيه لحملِ السامع على الاستِكشافِ عنه فيكونَ أوقعَ في نفسِه وأحَضَّ له على إتيانِه . عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال1: ((كُنّا جُلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يَطلُعُ الآن عليكم رجلٌ من أهل الجنةِ ، فطلَعَ رجلٌ من الأنصار2، تنطُفُ لحيتُه من وَضوئه3، قد علَّق نعلَيْهِ بيده الشِّمال4، فلما كان الغَدُ قال النبي صلى الله عليه وسلم مِثْلَ ذلك ، فطلع ذلك الرجلُ مثلَ المرةِ الأولى ، فلما كان اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم مِثْلَ مَقالتِه أيضاً ، فطلع ذلك الرجلُ مثلِ حالِه الأولى . فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم تَبِعَه عبد الله بن عمرو ـ أي تبعَ ذلك الرجل ـ ، فقال : إني لاحَيتُ أبي فأقسمتُ أني لا أدخُل عليه ثلاثاً55، فإن رأيتَ أنْ تُؤوِني إليك حتى تمضي فعلتَ ، قال : نعم . قال أنسٌ فكان عبد الله يُحدِّثُ أنه باتَ معه تلك الثلاثَ اللَّيالي فلم يَرَهُ يقوم من الليل شيئاً غير أنه إذا تَعارَّ وتقلَّبَ على فِراشِهِ ذكَرَ الله عز وجل1، وكبَّرَ حتى يقومَ لصلاةِ الفجر . قال عبد الله : غير أني لم أسمعْهُ يقولُ إلاّ خيراً ، فلما مَضَتْ الثلاثُ اللّيالي ، وكِدْتُ أن أحتقِرَ عملَه قلتُ : يا عبد الله2لم يكنْ بيني وبين أبي غَضَبٌ ولا هَجْرٌ ، ولكن سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك ثلاث مرّاتٍ : يَطلُعُ عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة فطَلَعتَ أنت الثلاثَ مرّات . فأردتُ أن آوي إليك ، فأنظُر ما عَمَلُك ، فأقتدي بك ، فلم أرك تعمَلُ كثيرَ عملٍ ، فما الذي بَلَغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال : ما هو إلاّ ما رأيتَ ، فلما ولَّيتُ دَعاني ، فقال : ما هو إلاّ ما رأيتَ يا ابن أخي غيرَ أني لا أجدُ في نفسي لأحدٍ من المسلمين غِشّاً ، ولا أحسُدُ أحداً على خيرٍ أعطاه الله إياه . فقال عبدُ الله : هذه التي بَلَغَتْ بك وهي التي لا نُطيقُ))3. ------------------------------------ 8 ـ تقدّم مثال لما كان الإبهام فيه للزجر عنه في ص167 ، في الحديث 105 ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ((والله لا يؤمن من لا يَأمَنُ جارُه بوائقه ...)) . 1 ـ رواه الإمام أحمد في ((المسند)) في (مسند أنس) 3 :166 ، من طريق (عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن الزهري ، عن أنس ...) . وهو كذلك في ((المصنَّف)) لعبد الرزاق 11 :287 ، و((الزهد)) لابن المبارك ص241 ، من طريق معمر ، عن الزهري ، عن أنس . واللفظُ عندهم متوافق إلاّ قليلاً . واللفظ المذكور هنا من ((المسند)) ومن ((الترغيب والترهيب)) للحافظ المنذري عنه ، في (باب الترهيب من الحسد) 5 :178 ، وقال المنذري : ((إسناده على شرط البخاري ومسلم)) . 2 ـ هو (سعد بن أبي وقّاص) رضي الله عنه ، كما جاء مصرَّحاً باسمه في ((البداية والنهاية)) للحافظ ابن كثير 8 :74 ، في ترجمة (سعد بن أبي وقاص) من طريق ابن وَهْب : ((عن انس بن مالك ، قال : بينا نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يَطلُعُ الآن عليكم رجلٌ من أهلِ الجنة ، فطلَعَ سعد بن أبي وقاص ...)) إلى آخر القصة بنحوِ اللفظ المذكور . وكما جاء مُصرَّحاً باسمه أيضاً في ((الترغيب والترهيب)) للمنذري 5 :178 ، من رواية البزّار عن أنس بن مالك ، وكذا من رواية البيهقي : ((عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ـ عبد الله بن عمر ـ ، قال : كنا جُلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : لَيَطْلُعَنَّ عليكم رجلٌ من هذا الباب من أهل الجنة ، فجاء سعد بن مالك فدخل منه ...)) إلى آخر الحديث المذكور هنا بنحو لفظه . و(سعد بن مالك) هو (سعد بن أبي وقاص) رضي الله عنه . وروى الإمام أحمد هذا الحديث مختَصَراً في (مسند عبد الله بن عمرو) في ((مسنده)) 2 :222 ، بسندٍ ضعيف ((عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أوَّلُ من يَدخُلُ من هذا الباب رجلٌ من أهلِ الجنة ، فدخل سعد بن أبي وقاص)) . ولم يذكر القصة التي في الحديث . وقال الحافظ الذهبي في ((تاريخ الإسلام)) 2 :282 في ترجمة (سعد بن أبي وقاص) أيضاً : ((وجاء عبد الله بن عمر ، وأنس ، وعبد الله بن عمرو من وجوهٍ ضعيفةٍ : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أوَّلُ من يَدخُلُ من هذا الباب عليكم رجلٌ من أهل الجنة ، فدخل سعد بن أبي وقاص)) . وذكر الحافظُ الذهبي أيضاً نحوَ هذا في ((سِيَر أعلام النبلاء)) 1 :72 ـ 73 . و(سعد بن أبي وقاص) رضي الله عنه : مكيٌّ مُهاجِريّ ، وليس من (الأنصار) قولاً واحداً ، فيكون لفظُ (من الأنصار) في رواية ((المسند)) وغيرِه : ((فطَلَعَ رجلٌ من الأنصار ...)) : مَزيداً سَهْواً من بعض الرواة فيما يبدو ، والله أعلم ، وقد خَلَتْ منه روايةُ ابن وَهْب من طريق أنس نَفْسِه ، كما ساقها الحافظ ابن كثير في ((البداية والنهاية)) 8 :74 . ويحتمل ـ على بعد ـ أن يكون المراد بقوله : (من الأنصار) المعنى الأعم ، لا المعنى الذي في مقابل (المهاجري) ، كما وُجِّهَ ما رُوي في قصة إسلام (عبد الله بن أبي السَّرْح) يوم فتح مكة : فقال رجل من الأنصار : يا رسول الله ، ألا أومأتَ إلينا بقتله؟ ... ، قال الزرقاني في ((شرح المواهب اللدنية)) 2 :371 ((الرجل : عباد بن بشر الأنصاري ، وقيل : عمر ، وتسمية (عمر) أنصارياً بالمعنى الأعم : (يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصارَ الله) )) انتهى . هذا ، وقد قال الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)) 3 :187 عند هذا الحديث ما نصُّه : ((رواه أحمد بإسنادٍ صحيحٍ على شرط الشيخين ، ورواه البزّارُ وسمّى الرجلُ المبهم في روايةٍ له سعداً ، وفيها ابنُ لهيعة)) . انتهى . وقد تصحَّف (سعد) في نسخةِ العلامة الزَّبيدي من ((تخريج الإحياء)) إلى (سفيان) كما تراه في ((إتحاف السادة المتقين) له 8 :51 ، فلم يتبيَّن له سفيان هذا من هو؟ والواقع أنه (سعد) كما في ((مسند البزار)) (3 :208 كشف) ، وكما في عِدَّةِ نُسَخٍ صحيحةٍ من ((تخريج الإحياء)) . وقول الحافظ العراقي رحمه الله تعالى : ((وفيها ابنُ لهيعة)) فيه نظر ، فليس في رواية البزار ابن لهيعة ، بل فيها (عبد الله بنُ قيس الرَّقاشي) فاعلمه . وقع في اسم الصحابي الذي بايَتَ (سعد بن أبي وقاص) تحريفٌ في كثير من الكتب ، فقد وقع في ((الترغيب والترهيب)) للمنذري 5 :178 ، عند ذكر رواية البيهقي لهذا الحديث هكذا : (فقال عبد الله بن عمر ...) . ووقع مثله تماماً في ((الزواجر)) لابن حجرٍ المكي ، في (الكبيرة الثالثة : الغَضَبُ بالباطل ، والحقدُ والحسد) . وما نقله ابن حجر في كتابه و نصُّ المنذري بحروفه في ((الترغيب)) ولكنه لم يَعْزُه إليه ، فدلَّ على أن التحريف في ((الترغيب)) قديم ، إذ الحادثةُ لا تَحتمِلُ التعدُّد . ووقع في ((مجمع الزوائد)) للحافظ الهيثمي 8 :78 هكذا : (وعن ابن عمر أن النبي قال ... وتَبِعَه عبد الله بن عمر) . انتهى . وقد جاء في هذه المواطن كلها تسمية التابعِ المُبايِتِ له بلفظ (عبد الله بن عمر) من غير واوٍ بعد الراء . وهو تحريفٌ مقطوع به . وصوابُه : (عبد الله بن عمرو) بفتح العين في أوَّله ، وبالواو بعد الراء في آخره ، فقد جاء في ((المسند)) للإمام أحمد ، و((المصنَّف)) لعبد الرزاق ، و((الزهد)) لابن المبارك التصريح باسمه : (عبد الله بن عمرو بن العاص) ، ولتصريحِ كُتُبِ ((الأطراف)) بذلك أيضاً . فقد ذكَرَ الحافظ المِزّيُّ في كتابه ((تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف)) 1 :394 طَرَفاً من الحديث ، من طريق (مَعْمَر بن راشد عن الزُّهري عن انس) كما هي رواية ((المسند)) ، ثم عزاه إلى ((المسند)) وإلى النسائي في ((اليوم والليلة)) ، وقال : ((وفيه قِصّةُ عبد الله بن عمرو بن العاص)) . وأقرَّه عليه الحافظ ابن حجر في ((النُّكَتِ الظِّراف)) . وأفاد أن البيهقي رواه في ((الشُّعَب)) ، ورواه الخرائطي في ((مَكارم الأخلاق)) . فتبين من هذا أن الذي بايَتَ (سعداً) هو (عبد الله بن عمرو بن العاص) ، لا (عبد الله بن عمر بن الخطاب) رضي الله عنهم ، إذ الحادِثةُ لا تَحْتَمِلُ التعدُّدَ كما أسلفتُه ، والحمد لله على توفيقِه وفضلِه .. 3 ـ أي يَقطُرُ منها قطراتٌ من ماء الوضوء . والوَضوء بفتح الواو : الماءُ الذي يتوضأُ به . 4 ـ أشار بقوله (علَّق نعليه بيدشه الشِّمال) إلى أن الرجل متمثِّلٌ بالسنّة في حَمْلِ الحِذاء ، فهو يحمله باليد اليُسرى كما هي السنة . 5 ـ قوله : (لاحيت أبي) أي خاصمتُه وجادلتُه في أمرٍ . وإنما احتال عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه بهذه الطريقة ليتوصَّل بها إلى الوقوف على عَمَل ذلك الرجلِ الصالِحِ فيَقتَدي به ، وهذا من الحِيَل المشروعةِ التي لا تُناقِضُ مقاصِدَ الشرع . = = والضابطُ العام في الحِيَل المشروعة أنها ما كان المقصودُ بها إحياءَ حقٍّ ، أو دفع ظلم ، أو فعل واجبٍ ، أو تركَ محرَّمٍ ، أو إحقاقَ حق ، أو إبطال باطل ، أو جَلْبَ محبوبٍ مشروعٍ ، أو دفعَ مكروهٍ ، أو نحو ذلك مما يُحقِّقُ مصلحةً مشروعةٍ ولا يُناقِضُ مقصودَ الشارعِ الحكيم ، ولا يكون فيه تفويتُ حق للخالق أو المخلوق . وقد أوسعَ بيانَ ذلك بحثاً وتمحيصاً واستدلالاً من الكتابِ والسنةِ وآثارِ السلف الصالح ، شيخُنا العلاّمة الأستاذ محمد عبد الوهاب البُحَيري رحمه الله تعالى في كتابه ((الحِيَل في الشريعة الإسلامية)) ص303 ـ 432 ، فقِفْ عليه إذا شئت . 1 ـ يقال : تَعارَّ فلان : أَرِقَ وتقلَّب في فراشه ليلاً مع كلام وصوت . 2 ـ ناداه بأعمِّ أسمائِه ، فإن الخلقَ كلُّهم عبدُ الله ، وإلاّ فاسمُه (سعد بن أبي وقاص) كما سبق . 3 ـ في هذا الحديث : فضلُ سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه وشهادةُ النبي صلى الله عليه وسلم له بأنه من أهل الجنة ، وهو أحدُ العشرة المشهود لهم بالجنة ، وفيه حرصُ عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه على الاقتداء بالصالحين في أعمالِهم . وفيه تعليم النبي صلى الله عليه وسلم وترغيبُه في الخير والبِرِّ بالثناء على أهلِهما بإبهامِ الأمر على المخاطَب ، ليقومَ هو بالكشفِ عنه فيكون أوقَعَ في نفسه ، وفيه فضلُ تزكيةِ القلب وطهارتِه من الغِلِّ والحَسَد وأن ذلك من الأعمال التي يَستحِقُّ المرءُ بها الجنةَ . إمساكُه صلى الله عليه وسلم بيد المُخاطَب أو منكِبِه لإثارةِ انتباهِه وتارةً كان صلى الله عليه وسلم يُثيرُ انتباهَ المخاطبِ بأخذ يدِه أو منكِبِه ، ليَزدادَ اهتمامُه بما يُعلِّمهُ ، وليُلقِيَ إليه سمعَه وبصَرَه وقلبَه ، ليكون أوعى له وأذكَر . روى البخاري ومسلم1، واللفظُ للبخاري عن عبد الله بنِ سَخْبَرَةَ أبي مَعْمَر قال : سمعتُ ابنَ مسعودٍ يقولُ : ((علَّمني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكفّي بين كفّيه ، التشهّدَ ، كما يُعلِّمني السورةَ من القرآن2: التحيّاتُ لله ، والصلواتُ والطيِّباتُ ، السلامُ عليك أيُّها النبيُّ ورحمةُ الله وبركاتُه ، السلامُ علينا وعلى عبادِ الله الصالحين ، أشهَدُ أن لا إله إلاّ الله ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه)) . وروى البخاري والترمذي3عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : ((أَخَذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمَنْكِبي ، فقال : كُنْ في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيل ، وعُدَّ نفسَك من أهل القبور))4. وكان ابن عمر يقول : ((إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء ، وخُذْ من صحتك لمرضك ، ومن حياتك لموتك ، فإنك يا عبد الله لا تدري ما اسمُك غداً))5. ومن هذا الباب أيضاً ضربُ النبي صلى الله عليه وسلم على فخِذ بعضِ أصحابه في بعضِ الأحيان . روى مسلم6عن التابعي الجليل أبي العالِية ، قال : ((أخَّر ـ الأميرُ ـ ابنُ زياد الصلاةَ . فجاءني عبدُ الله بنُ الصامت ، فألقيتُ له كُرْسياً فجلَس عليه ، فذكرتُ له صنيعَ ابن زياد ، فعضَّ على شفته وضَرَب فخذي ، وقال : إني سألتُ أبا ذر كما سألتَني ، فضَرَب على فخذي كما ضربتُ على فخذك ، وقال : إني سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني ، فضَرَب على فخذي كما ضربتُ على فخذك7، وقال : صَلِّ الصلاة لوقتها ، فإن أدركَتْك الصلاةُ معهم فصَلِّ ، ولا تقل : إني قد صلَّيتُ فلا أصلّي ، فإنها زيادةُ خير)) . ---------------------------------- 1 ـ البخاري 11 :56 في كتاب الاستئذان (باب الأخذ باليد) ، ومسلم 4 :118 في كتاب الصلاة (باب التشهُّدِ في الصلاة) . 2 ـ هذه العبارةُ تُصوِّرُ شدةَ اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بتعليم هذا التشهُّد . وفي الحديث من أمورِ التعليم : أنَّ المعلِّم ينبغي له أن يُبدي الاهتمامَ البالغَ بالأمر الهام يُعلِّمُه للمُستفيدين ، وأن يُشعِرَهم بذلك ، ليُلقوا إليه بسمعِهم وبَصرِهم وقُلوبِهم ، وليكونوا على كمالِ التيقُّظ فيما يَتَحمَّلونه عنه ، فيَضبِطوا لفظَه وفعلَه وإشارتَه وعبارتَه ، دون زيادةٍ أو نقصٍ أو تغييرٍ أو تبديلٍ أو تهاوُنٍ . وفيه أيضاً : التعليمُ والتلقين في حالةٍ مذكِّرةٍ ، من شدة القرب ، والأخذ بيد المتعلِّم ، ليَزدادَ انتباهُه بما يُعلَّمه ، وليكون أذكَر لما يُلقى إليه ، من تعليمِه بخطابٍ عامٍّ وحالٍ عاديّةٍ . وفيه زيادةُ عنايةِ المتعلِّم ببعض المُتعلِّمين لفرطِ ذكائهم ، أو توسُّمِ الخير فيهم ، أو لَمْحِ مَخايِل الرَّجاحةِ والأصالةِ فيهم . 3 ـ البخاري 11 :199 في أوائل كتاب الرقاق ، والترمذي 4 :567 في كتاب الزهد (باب ما جاء في قِصَر الأمَل) . 4 ـ لأنك ميِّت يقيناً ، والموتُ كامنٌ في بُنيتك وكيانِك ، قال سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : إنَّ رجلاً ليس بينه وبين أبيه آدم إنسانٌ حيّ لعريقٌ في الموت ، ولأنك تَشهدُ بعينيك الناس من أقارب وأباعد يموتون يوماً بعدَ يوم ، فلا بُدَّ أن يكون لك يوم . وقد كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : كلَّ يوم يقال : مات فلان وفلان ، ولا بُدَّ من يومٍ يقال فيه : مات عمر . فنحن كما قال القائل : نموتُ ونحيا كلَّ يومٍ وليلةٍ ولا بد من يومٍ نموتُ ولا نحيا وقد تدرَّج النبي صلى الله عليه وسلم في تذكير عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، فذكر له الغريب ، ثم عابرَ السبيل ، ثم ساكن القبور . فالغريب المتنقل من بلد إلى بلد ، قلبُه معلَّقٌ بوطنه ، لا يُثقِل على نفسه بالتوسع في أمتعته لعزمه العودة إلى بلده ، فلا يستقر بدار غربته إلاّ بقدر الضرورة أو الحاجة . وعابرُ السبيل أي المارُّ على الطريق من جانب إلى جانب ، لا أرب له إلاّ فيما يُبلِّغُه إلى مقصِده فلا يلتفتُ إلى شيء يُحوِّلُه عنه ، ولا يُغريه بالتوقف بُستانٌ جميل ، ولا هواء بليل ، ولا ظل ظليل . وساكنُ القبور هم الموتى الذين سبقوا إلى لقاء الله تعالى ، ومصيرُ الأحياء إلى ما صاروا إليه ، فلذا كان عبد الله بن عمر يقول : إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح ... 5 ـ جملة (وعُدَّ نفسَك من أهل القبور) ، وجملة (فإنك يا عبد الله ...) جاءت في رواية الترمذي ، وليست في رواية البخاري . قال الحافظ ابن حجر : ((وفي الحديث : مَسُّ المعلِّم أعضاء المتعلم عندالتعليم ، والموعوظِ عند المَوعِظةِ ، وذلك للتأنيس والتنبيه ، ولا يُفعَل ذلك غالباً إلاّ بمن يميل إليه . وفيه : مخاطبةُ الواحد وإرادةُ الجمع ، وحرصُ النبي صلى الله عليه وسلم على إيصال الخير لأمته ، والحضُّ على ترك الدنيا والاقتصار على ما لا بُدَّ منه)) . 6 ـ 5 :15 في كتاب المساجد (باب كراهية تأخيرِ الصلاة عن وقتِها) 7 ـ قال الإمام النووي في ((شرح صحيح مسلم)) : قوله : فضرب على فخذي ، أي للتنبيه وجَمْعِ الذهن على ما يقوله)) . إثارتُه صلى الله عليه وسلم انتِباهَ السامعِ بتكرار النداء مع تأخير الجواب
وكان صلى الله عليه وسلم في بعض الأحيان يُكرِّرُ نداء المُخاطَب مع تأخير الجواب ، لتأكيد الانتباه والاهتمام بما يُخبِرُه به ، وليُبالِغَ تفهُّمِه وضبطِه عنه . روى البخاري ومسلم5، واللفظُ للبخاري ، عن مُعاذ بن جبل رضي الله عنه ، قال : ((بينما أنا رَديفُ النبي صلى الله عليه وسلم ، ليس بيني وبينه إلاّ آخِرةُ الرَّحْلِ6، فقال : يا مُعاذ ، قلتُ : لبَّيك يا رسول الله وسَعْدَيك7. ثم سار ساعةً ، فقال : يا مُعاذ ، قلتُ : لبَّيك يا رسول الله وسَعْدَيك. ثم سار ساعةً ، فقال : يا مُعاذ بن جبل ، قلتُ : لبَّيك يا رسول الله وسَعْدَيك8.قال : هل تَدري ما حقُّ الله على عبادِه9، قلتُ : الله ورسوله أعلمُ ، قال : حقُّ الله على عبادِه : أن يَعبُدوه ولا يُشركوا به شيئاً . ثم سار ساعةً ، ثم قال : يا مُعاذ ، قلتُ : لبَّيك يا رسول الله وسَعْدَيك ، قال : هل تَدري ما حقُّ العباد على الله10إذا فَعَلوه11؟ قلتُ : الله ورسوله أعلم ، قال : حقُّ العبادِ على الله : أن لا يُعَذِّبَهم))12. ----------------------------------- 5 ـ البخاري في الجهاد (باب اسم الفَرَس والحِمار) 6 :44 ، واللباس (باب إرداف الرجلِ خَلْفَ الرجل) 10 :334 ، وفي الاستئذان (باب من أجاب بلبَّيك وسَعْديك) 11 :52 ، وفي الرِّقاق (باب من جاهدَ نفسَه في طاعة الله) 11 :290 ، وهنا شَرَحه الحافظ ابنُ حجر بتوسُّعٍ ، وفي التوحيد (باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أُمَّتَه إلى توحيد الله تبارك وتعالى) 13 :300 . ومسلم 1 :229 في كتاب الإيمان (باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخَل الجنة قطعاً) . 6 ـ الرَّحْل للبعير كالسَّرْج للفَرَس والحِمار ، وآخِرَةُ الرَّحْل : هي العود الذي يُجعَلُ خلف الرّاكِب يَستَنِدُ إليه . وفائدةُ ذكر ذلك بيانُ شدة قُربِه من الرسول صلى الله عليه وسلم ، إذ هو رديفُه خلفَ ظهرِه على الدّابةِ ، فهو أوعى ما يكون وأضبطُ ما يكون لما يسمَعُه منه ، فهو يَذكُرُ الهيئةَ والحالَ التي كان عليها وقت سماعه هذا الحديث ، وهذا قرينُه زيادةِ الضبط . وكان مركوبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الحال حِماراً ، كما جاء ذلك مُصرَّحاً به في رواية مسلم 1 :232 عن عمرو بن ميمون ، عن معاذ بنِ جبل ، وفي رواية ((مسند أحمد)) 5 :238 عن عبد الرحمن بن غَنْم ، عن معاذ ، فيكون المرادُ (بآخِرَةِ الرَّحْلِ) موضعُ آخِرَةِ الرَّحل . 7 ـ معنى (لبيك) : أجبتُك إجابةً بعدَ إجابةٍ ، و(سعديك) : ساعَدتُ طاعتَك مُساعدةً بعدَ مُساعَدةٍ .8 ـ هذا النداءُ المكرَّر ثلاثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم لمُعاذ ، مع تأخير جوابِ النداء ، لتأكيد الاهتمام بما يُخبِره ، وليَكْمُلَ انتباه معاذ فيما يَسمعُه ، ليتَدبَّره ويَعيَه كما ينبغي . 9 ـ أي ما يَستحقُّه الله تعالى على عبادِه مما جَعَله حَتْماً عليهم . 10 ـ قال بعضُ العلماء : يُريد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : (حق العباد على الله) : حقّاً عُلِم من جهةِ الشرع ، لا بإيجابِ العقلِ ، فهو كالواجب في تحقُّقِ وقوعِهِ . أو هو على جهة المُشاكَلَةِ ، كقوله تعالى : (فيَسخَرون منهم سَخِرَ الله منهم) ، وقوله سبحانه على لسان سيدنا عيسى عليه السلام : (تعلَمُ ما في نفسي ولا أعلَمُ ما في نفسك) . 11 ـ أي إذا فَعَلوا العبادة له مُخلِصين له فيما دون إشراكِ أحَدٍ معه . 12 ـ وذلك فضلاً منه وكرماً ، بحكم وعدِه الصادقِ . وفي الحديث من الأمور التعليمية ـ كما قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) 11 :291 ـ : ((حُسنُ أدب معاذ رضي الله عنه = = في القولِ ، وفي العلم بردِّه لما لم يُحِطْ بحقيقتِه إلى علمِ الله ورسولِه ، وفيه قُرب منزلتِه من النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه تكرار الكلام لتأكيدِه وتفهيمه ، وفيه استِفسارُ الشيخِ تلميذَه عن الحكم ليَختَبِر ما عنده ، ويُبَيِّن ما يُشكلُ عليه منه . إشعارُه صلى الله عليه وسلم بتغيير جِلْسَتِه وحاله ، وتكرار المقال
وتارةً كان صلى الله عليه وسلم يُغيِّر جِلسته وحالَه ، مع تكرار مقالِه تعبيراً عن الاهتمام والخُطورَةِ لما يقولُه أو يُحذِّرُ منه . روى البخاري ومسلم7، واللفظُ للبخاري ، عن أبي بَكْرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ألا أنبِّئُكم بأكبرِ الكَبائر؟ ألا أنبِّئُكم بأكبرِ الكبائر؟ ألا أنبِّئُكم بأكبرِ الكَبائر8؟ قلنا : بلى يا رسول الله ، قال : الإشراكُ بالله1، وعُقوقُ الوالدين2، وكان متَّكِئاً فجلسَ فقال : ألا وقولُ الزّور وشهادةُ الزّور ، ألا وقولُ الزّور وشهادةُ الزّور3، فما زال يقولُها حتى قلتُ : لا يَسكُتُ)) . وفي روايةِ مسلم : ((فما زال يُكرِّرُها حتى قلنا : ليتَه سَكَت))4. وما هذا التكرارُ وتغييرُ الحال التي هو عليها إلاّ للَفْتِ أذهانِ السامعين إلى خُطورةِ ذلك العمل الذي يُحذِّر منه ، وهو شهادةُ الزّور . ------------------------------------ 7 ـ البخاري 1 :405 في كتاب الادب (باب عقوق الوالدين من الكبائر) ، ومسلم 2 :81 ـ 82 في كتاب الإيمان (باب الكبائر وأكبرها). 8 ـ قالها ثلاث مراتٍ ، جرياً على عادتِه صلى الله عليه وسلم في تكرير الشيء ثلاث مراتٍ تأكيداً ، ليُنبِّه السامع إلى إحضارِ قلبِه وفهمِه للخبر الذي يَذكُره . 1 ـ قوله ((الإشراكُ بالله)) يُرادُ به مطلقُ الكفرِ ، لأنَّ بعضَ الكفر ـ مثل الإلحاد وجحد الخالق ـ أعظمُ من الإشراك بالله ، وإنما خَصَّه بالذكرِ لغَلَبةِ الشِّركِ آنئذٍ في بلادِ العرب ، فذكره تنبيهاً على غيرِه من أصنافِ الكفر . 2 ـ قال الشيخ أبو عمرو بنُ الصلاح رحمه الله تعالى في ((فَتاويه)) 1:201 : ((العقوقُ المحرَّم كلُّ فعل يتأذى به الوالدُ أو الوالدةُ تأذِّياً ليس بالهيِّن ، مع كونه ليس من الأفعال الواجبة ، قال : وربما قيل : طاعةُ الوالدين واجبةٌ في كلِّ ما ليس بمعصيةٍ ، ومُخالفَةُ أمرِهما في ذلك عقوق)) . نَقَله النووي في ((شرح صحيح مسلم)) 2 :87 . 3 ـ قول الزور وشهادة الزور بمعنى واحد ، وعطفُ أحدِهما على الآخر عطفُ تفسيرٍ ، ومن باب التوكيد وزيادة التفظيع له . وإنما كرَّر قوله : ألا وقولُ الزّور وشهادةُ الزّور ، ولم يُكرِّر قوله : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، اهتماماً منه صلى الله عليه وسلم بالزجر عن شهادة الزور ، لأنها أسهلُ وُقوعاً على الناس ، والتهاوُنِ بها أكثر ، ومفسدتُها أيسرُ وقوعاً . لأن الشرك يَنبو عنه المسلم ، والعقوق ينبو عنه الطبعُ ، وأما شهادةُ الزور فالدَّوافعُ والبواعثُ عليها كثيرة ، فحَسُنَ الاهتمامُ بها ، وليس التكرارُ لعِظَمِها بالنسبةِ إلى ما ذُكِر معها ، فالشركُ أو الكفرُ أعظمُ الذنوبِ جميعاً . وشهادة الزور هي الشهادةُ بالكذبِ ليَتَوصَّل بها إلى الباطل من إتلافِ نَفْسٍ ، أو أخذِ مالٍ ، أو إلى إبطالِ حقٍّ للغير ، ولا شيء من الكبائر أعظمُ ضرراً منها ، ولا أكثرُ فساداً ، بعد الشرك بالله ، ومن ثم جُعِلَتْ عَدْلاً للشرك ، ووَقع من النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكرِها من الغضب والتكرير ما لم يَقَع منه عند ذكر أكبَرَ منها كالقتلِ والزنا . 4 ـ قال الحافظ ابنُ حجر في ((فتح الباري)) 10 :412 : ((وفي هذا الحديث : استحبابُ إعادة الموعظة ثلاثاً لتُفهَم ، وانزِعاجُ الواعظِ في وعظِه ليكون أبلغَ في الوعي عنه ، والزجرِ عن فعل ما يَنهى عنه . وفيه إشفاقُ التلميذ على شيخِه إذا رآه مُنزعِجاً وتمنّي عدم غضبه لما يترتَّب على الغضب من تغيُّر مزاجه)) . انتهى . وفيه أيضاً : أنه ينبغي للعالم أن يَعرِضَ على أصحابِه ما يُريدُ أن يُخبِرهم به ، لحَثِّهم على التفرُّغِ والاستماعِ له . تكرارُه صلى الله عليه وسلم القولَ ثلاثاً لتأكيد مضمونه
وكان صلى الله عليه وسلم يُكرِّرُ حديثَه تأكيداً لمضمونِه ، وتنبيهاً للمخاطب على أهمِّيَّته ، وليفهَمَه السامعُ ويُتقِنَه، وقد تَرجَمَ الإمام البخاري لهذا المعنى (بابَ من أعادَ الحديث ثلاثاً ليُفهَمَ عنه)6، وأخرجَ فيه الحديثين التّاليين : عن أنس رضي الله تعالى عنه ، ((عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا تَكلَّم بكلمةٍ أعادَها ثلاثاً حتى تُفهَم عنه)) . وعن عبد الله بنِ عمرو رضي الله تعالى عنهما قال : ((تَخلَّفَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في سَفَرٍ سافَرناه ، فأدرَكنا وقد أرْهَقَتْنا صلاةُ العصر7ِ ، ونحن نتوضَّأ ، فجَعلْنا نَمسَحُ على أرجُلِنا ، فنادى بأعلى صوتِه (ويلٌ للأعْقاب من النار) مرَّتين أو ثلاثاً))1. وروى أحمد في ((مسنده))2عن عبد الرحمن بن غَنْم ، عن مُعاذ بن جبَل رضي الله تعالى عنه : ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بالناس قِبَلَ غزوةِ تَبوك ، فلما أن أصبح صلّى بالناسِ صلاةَ الصبح ، ثم إن الناسَ رَكِبوا ، فلمّا أنْ طَلَعتْ الشمسُ نَعَس الناسُ على أثر الدُّلْجةِ3، ولَزِم مُعاذٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَتلو أثَرَه ُ... ثم إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كَشَف عنه قِناعَه ، فالتَفتَ فإذا ليس من الجيشِ رجلٌ أدنى إليه من مُعاذ ، فناداه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا مُعاذُ ، قال : لَبَّيك يا نبي الله ، قال : ادْنُ ، دونَكَ ، فدَنا منه حتى لَصِقَتْ راحلتاهما إحداهما بالأخرى . فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما كنتُ أحسِبُ الناسَ مِنّا كمَكانِهم من البُعد ، فقال معاذ : يا نبي الله ، نَعَس الناسُ فتفرَّقَتْ بهم رِكابُهم تَرتَعُ وتَسيرُ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنا كنتُ ناعِساً . فلما رأى معاذٌ بُشْرى4رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه وخَلْوَتَه له ، قال : يا رسول الله ، ائذَنْ لي أسألُك عن كلمةٍ قد أمرضَتْني وأسْقَمَتْني وأحْزَنَتْني ، فقال نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم سَلْني عَمَّ شئت . قال : يا نبي الله ، حَدِّثني بعمل يُدْخِلُني الجنةَ لا أسألُك عن شيءٍ غيرِها5، قال نبي الله صلى الله عليه وسلم : بَخْ بَخْ بَخْ ، لقد سألتَ عن عظيمٍ ، لقد سألتَ عن عظيمٍ ، لقد سألت عن عظيمٍ ، وإنه ليَسيرٌ على من أراد الله به الخير ، وإنه ليَسيرٌ على من أراد الله به الخيرَ ، وإنه ليَسيرٌ على من أراد الله به الخيرَ ، فلم يُحدِّثه بشيءٍ إلاّ قاله ثلاث مرّاتٍ ، يعني ثلاثَ مرّاتٍ ، حِرصاً لكي ما يُتْقِنَه . فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : تُؤمِنُ بالله واليومِ الآخِر ، وتُقيمُ الصلاةَ ، وتَعبُدُ الله وحده لا تُشرِك به شيئاً حتى تموتَ وأنتَ على ذلك ، فقال : يا نبي الله ، أعِدْ لي ، فأعادها له ثلاث مرّات . ثم قال نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم : إن شئتَ حدَّثتُك يا مُعاذ برأسِ هذا الأمرِ ، وقِوامِ هذا الأمرِ ، وذُرْوَةِ السَّنام ، فقال معاذ : بَلى بأبي وأمي أنتَ يا نبيَّ الله فحدِّثني ، فقال نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم : إن رأسَ هذا الأمرِ6أن تَشهَد أنْ لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأنَّ محمداً عبدُه ورسولُه . وإنَّ قِوامَ هذا الأمرِ إقامُ الصلاة وإيتاءُ الزكاة . وإنَّ ذُرْوَةَ السَّنام منه الجهادُ في سبيلِ الله . إنما أمِرتُ أن أقاتِلَ الناسَ حتى يُقيموا الصلاةَ ، ويؤتوا الزَّكاةَ ، ويَشهَدوا أنْ لا إله إلاّ اللهُ وحدَهُ لا شريك له ، وأنَّ محمداً عبدُه ورسولُه ، فإذا فَعَلوا ذلك فقد اعتَصَموا ، وعَصَموا دِماءهم وأموالَهُم إلاّ بحقِّها ، وحِسابُهم على الله عز وجل ...)) . ------------------------------- 6 ـ 1 :188 ـ 189 في كتاب العلم . قال الحافظ ابنُ حجر في ((فتح الباري)) 1 :189 : ((قال ابنُ المنيِّر : نَبَّه البخاري بهذه الترجمة على الرد على من كَرِه إعادةَ الحديث ، وأنكَرَ على الطالب الاستعادة ، وعَدَّه من البَلادَةِ . قال : والحقُّ أن هذا يَختَلِفُ باختلاف القَرائحِ ، فلا عيب على المُستفيد الذي لا يَحفَظ من مرةٍ إذا ستعادَ ، ولا عُذرَ للمفيدِ إذا لم يُعِد ، بل الإعادةُ عليه آكدُ من الابتداء ، لأن الشروعَ مُلزِم . وقال ابنُ الِّيْن : في هذا الحديث أنَّ الثلاثَ غايةُ ما يَقَع به الاعتذارُ والبيان)) . انتهى كلام الحافظ ابن حجر . وقد عَقَد البخاري نفسُه 1 :196 (بابَ من سمع شيئاً فلم يَفهَمْه فراجَعَ حتى يَعرِفَه) ، وأخرج فيه حديثَ ابن أبي مُلَيكَةَ أن عائشة زوجَ النبي صلى الله عليه وسلم كانت لا تسمع شيئاً لا تعرِفُه إلاّ راجعَتْ فيه حتى تَعرِفه ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((من حوسِبَ عُذِّب)) . قالت عائشة فقلتُ : أوَليس يقولُ الله تعالى : (فسوف يُحاسَبُ حساباً يسيراً) ، قالت : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنما ذلكِ العَرْضُ ، ولكن مَنْ نوقِشَ الحسابَ يَهْلِكْ)) . قال ابنُ حجر في ((فتح الباري)) 1 :197 : ((في هذا الحديث بيانُ ما كان عند عائشة من الحرص على تفهُّم معاني الحديث ، وأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يَتَضَجَّرُ من المُراجَعَةِ في العلم ، وفيه بيانُ جوازِ المناظرة ، ومُقابَلَةِ السنةِ بالكتاب ، وتفاوُت الناس في الحساب)) . 7 ـ قولُه (أَرْهَقَتْنا) أي أدركَتْنا الصلاةُ وضاق وقتُها . 1 ـ قوله (ويلٌ للأعقاب من النار) الويلُ : وادٍ في جهنَّم ، يريدُ الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا تهديدَ من لم يَستوف غَسْل قدمَيْه بالماء . و(الأعقاب) جمعُ عَقِب ، وهو مؤخَّر القَدَم ، قال البغوي : معناه ويلٌ لأصحاب الأعقاب المُقصِّرين في غَسْلِها . وفي الحديث من المسائل : تعليمُ الجاهل ، ورفعُ الصوت بالإنكار ، وتكرارُ المسألة لتُفهم ، كما في ((فتح الباري)) 1 :266 . وقولُه (مرتين أو ثلاثاً) قال الحافظ ابنُ حجر في ((فتح الباري)) 1 :189 : ((هو شك من الراوي ، وهو يَدُلُّ على أن الإعادةَ ثلاثَ مرَاتٍ ليستْ شرطاً ، بل المرادُ التفهيمُ ، فإذا حَصَل بدونِها أجزأ)) . 2 ـ 5 :245 ـ 246 ، وإسنادُه حَسَنٌ ، وأصلُ الحديث من طريقٍ آخر عند الترمذي 4 :124 ـ 125 في أبواب الإيمان (باب ما جاء في حروة الصلاة) ، وعند ابن ماجه 2 :1314 ـ 1315 في كتاب الفِتَن (باب كفِّ اللسان في الفتنة) . قال الترمذي : ((حديث حسنٌ صحيحٌ)) . 3 ـ الدُّلْجَةُ السفر من أول الليل ، أي بسبب سفرهم من أول الليل نَعَسوا . 4 ـ أي ارتياحَه وتوجهه إليه . 5 ـ كذا اللفظة في ((المسند)) ، وليست واردة عند الترمذي وابن ماجه ، والسياقُ يقتضي أن تكون (لا أسألك عن شيء غيرِه) . 6 ـ المرادُ بقوله (هذا الأمر) الدّين ، أو العَمَلُ الذي يُدخِلُ الجنة . تعليمه صلى الله عليه وسلم بالمُمازَحةِ والمُداعَبة9 وكان صلى الله عليه وسلم يُداعِبُ أصحابَه في بعضِ الأحيانِ ويُمازِحُهم ، ولكنه ما كان يقولُ إلاّ حقاً10، وكان يُعلِّم كثيراً من أمورِ العلم خلال المُداعَبةِ والمُمازحةِ . روى البخاري1، ومسلم2، وأبو داود3، والترمذي4، وابنُ ماجه5، واللفظُ لأبي داود ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَدخُل علينا ، ولي أخ صغيرٌ يُكنَّى أبا عُمَير ، وكان له نُغَرٌ يَلعَبُ به ، فمات ، فدخَلَ عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذاتَ يوم فرآه حزيناً ، فقال : ما شأنُه؟ قالوا : مات نُغَرُه ، فقال : يا أبا عُمير ما فَعَل النُّغَير؟))6. وروى أبو داود والترمذي7عن أنس رضي الله عنه قال : ((إنَّ رجلاً استَحمَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم8: إني حامِلُك على وَلَدِ النّاقة ، فقال الرجل : يا رسول الله ، ما أصنَعُ بولدِ الناقة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وهل تَلِدُ الإبلَ إلاّ النّوقُ؟)) . فأفهمه صلى الله عليه وسلم من طريق هذه المداعبة اللطيفة ، أن الجمَلَ ولو كان كبيراً يَحملُ الأثقال ، ما يَزالُ وَلَد الناقة9. ---------------------------------- 9 ـ الدُّعابةُ اللطيفة تُروِّح عن الإنسان ، وتُلطِّفُ من ثِقَلِ المتاعِب التي تَنْتابُه أو تُصاحِبُه ، فإن الحياةَ لا تخلو من المرارة والمَكارِه ، فالدُّعابةُ تُخَفِّفُ من وَطأةِ ذلك على النفسِ . والمرءُ يَتعلَّمُ بالابتسامِ والبِشْر أكثرَ مما يَتعلَّمُ بالعُبوس والقُطوب . وما أعذَبَ الدُّعابةَ المُعلِّمةَ ، والإحْماضَةَ الهاديةَ المُبَصِّرةَ ، فإن الجِدَّ الدائمَ يورِثُ رَهَق الذهنِ ، وكلَلَ الفِكرِ ، فالمزاحُ اللطيفُ الهادي بين الحين والحين ، يُعيدُ إلى الإنسانِ نشاطَه وانتباهَه ، فما أعْلَمَ هذا المُعلِّمَ الحكيمَ ، الوقورَ الرؤوفَ الرحيمَ صلى الله عليه وسلم . قال العلاّمة ابنُ قُتَيبة رحمه الله تعالى : إنما كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَمزَحُ ، لأنَّ الناسَ مأمورون بالتأسّي به والاقتداءِ بهَدْيه ، فلو ترك الطَّلاقةَ والبَشاشَةَ ، ولزم العُبوسَ والقُطوبَ ، لأخَذَ الناسُ أنفُسهم بلك على ما في مخالفةِ الغَريزة من المشقةِ والعَناءِ ، فمَزَح ليَمزحوا . وكان لا يقولُ إلاّ حقاً)) . انتهى من ((الفتوحات الربانية على الأذكار النووية)) للشيخ ابن عَلاّن 6 :297 . وقال الإمام النووي في كتاب ((الأذكار)) ص29 : ((المِزاحُ المنهيُّ عنه هو الذي فيه إفراطٌ ، ويُداوَمُ عليه ، فإنه يورث الضحكَ ،وقسوةَ القلب ، ويَشغلُ عن ذكر الله تعالى ، والفكرِ في في مُهمّاتِ الدين ، ويَؤولُ في كثير من الأوقات إلى الإيذاء ويورِثُ الأحقاد ، ويُسقِط المَهابَةَ والوقار . فأما ما سَلِم من هذه الأمور فهو المباحُ الذي كان رسولُ الله صلى الله عليه وسم يَفعَلُه في نادرٍ من الأحوال ، لمصلحةٍ وتَطييبِ نفسِ المُخاطَبِ ومُؤانَستِه ، وهذا لا مَنْعَ منه قطعاً ، بل هو سنة مستحبَّةٌ إذا كان بهذه الصفة ، فاعتمِدْ هذا ، فإنه مما يَعظُم الاحتياجُ إليه وبالله التوفيق)) . 10 ـ روى الترمذي 3 :241 في البر والصلة (باب ما جاء في المزاح) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ((قالوا : يا رسول الله ، إنك تُداعِبُنا؟ قال : إني لا أقولُ إلاّ حقاً)) . قال الترمذي : ((هذا حديث حَسَنٌ ، ومعنى قولهم : (إنك تُداعِبُنا) إنك تُمازِحنا)) . 1 ـ 1 :526 في كتاب الأدب (باب الانبساط إلى الناس) و10 :582 (باب التكنية للصبي وقبل أن يولَدَ للرجل) . 2 ـ 14 : 128 في كتاب الآداب (باب جواز تكنية من لم يولد له وتكنية الصغير) . 3 ـ 4 :293 في كتاب الأدب . 4 ـ 2 :128 في كتاب الصلاة مختصراً (باب الصلاة على البُسُط) ، و8 :157 في البر والصلة (باب ما جاء في المِزاح) . 5 ـ 2 :1231 في كتاب الأدب ، مُقتَصِراً على ذكر الكنية . 6 ـ (النُّغَير) تصغير النُّغَر ، وهو طائر يُشبِهُ العُصفورَ أحمرُ المِنقار . وفي حديث أنسٍ هذا من الفوائد والأمور التعليمية : تخصيصُ الإمام بعضَ الرعية بالزيارة . مخالطة بعض الرعية دون بعض . جوازُ حَمْلِ العالم علمَه إلى من يستفيدُه . جوازُ الممازحة وأن ممازحة الصبي الذي لم يُميِّز جائزة . جوازُ تكنية من لم يولَد له ولد . جوازُ لعب الصغيرِ بالطَّير دون تعذيب له ، وجواز تمكين الولي إياه من ذلك . جواز إنفاقِ المال فيما يَتَلَهّى به الصغير من المباحات . جوازُ إمساكِ الطير في القفص ونحوِه . معاشرةُ الناس على قَدْر عقولِهم ومَدارِكهم . جوازُ نداءِ الشخصِ باسمِه المصغَّر عند عدم الإيذاء به لقوله (يا أبا عُمَير) . جواز السؤالِ عما السائلُ به عالم من غير أن يكون استهزاءً ، لقوله (ما فعل النُّغَير)؟ بعد علمه بأنه مات . وبعضُ العلماء شرَح هذا الحديث في جزءٍ مستقل ، استخراج منه أكثرَ من ستين فائدةً كما في ((فتح الباري)) 10 :481 ، وبعضُهم أوصلَها إلى أكثر من ثلاث مئة فائدةٍ ، كما أشار إلى ذلك شيخُنا عبد الحي الكتاني رحمه الله تعالى في ((التراتيب الإدارية)) 2 :150 . وقال العلاّمةُ المؤرِّخُ الأديبُ المَقَّري في ((نفح الطيب)) 6 :215 في (الباب الخامس) عند ذكر كلام لسان الدين ابن الخطيب في وصف مدينة (مكناسة) : ((أَملى ابن الصَّبّاغ بمجلسِ درسِه بمِكْناسة في حديث (يا أبا عمير ، ما فعل النغير) أربعَ مئةِ فائدة)) . 7 ـ أبو داود 4 :300 في كتاب الأدب(باب ما جاء في المزاح) ، والترمذي 8 :158 في كتاب البر والصلة (باب ما جاء في المزاح) ، وفي ((الشمائل)) للترمذي ص152 ، واللفظُ للترمذي . 8 ـ أي سأله أن يُعطِيَه بعيراً من إبل الصدقة ، ليَحمِل عليه مَتاعه . 9 ـ وفيه من الأمور التعليمية : تنبيه النبي صلى الله عليه وسلم المتعلِّمَ وغيرَه على أنه إذا سمع قولاً ينبغي له أن يتأمَّلَه ، وأن لا يُبادِرَ بردِّه . وهذا خُلقٌ هامٌّ جداً يتعيَّن سلوكُه على المتعلِّم ليُفلِح . وفيه أيضاً : أن الرسول المعلِّم صلى الله عليه وسلم يمزَحُ ولا يقول إلاّ حقاً ، إذ الإبلُ كلُّها وَلَدُ النّوق . وفيه لَفْتُ الذهن إلى إدراكِ المعاني الدقيقة . نتِهازُه صلى الله عليه وسلم المناسباتِ العارِضةَ في التعليم
وكان صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يَنْتهِزُ المناسَبَةَ المُشاكِلةَ لما يُريدُ تعليمَه ، فيَربِطُ بين المناسبةِ القائمة ، والعلمِ الذي يُريد بَثَّه وإذاعتَه ، فيكون من ذلك للمخاطبين أبيَنُ لوضوح ، وأفضلُ الفَهْم ، وأقوى المعرفة بما يَسمعون ويُلقى إليهم . روى مسلم10عن جابر رضي الله عنه : ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بالسّوق ، داخلاً من بعضِ العالِيَة11، والناسُ كنَفَتَيْه12، فمرَّ بجَدْيٍ ميِّتٍ أسَكَّ13، فتناولَه فأخذَ بأُذُنِه ، ثم قال : أيُّكم يُحِبُّ أنَّ هذا له بدرهم؟ قالوا : ما نُحِبُّ أنه لنا بشيء ، وما نَصنَعُ به؟ قال : أتُحِبّون أنه لكم14؟ قالوا : واللهِ لو كان حيّاً كان هذا السَّكَكُ عَيْباً فيه ، لأنه أسَكّ ، فكيف وهو ميِّت؟! فقال : فواللهِ للدُّنيا أهونُ على الله من هذا عليكم)) . وروى البخاري ومسلم15عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : ((قَدِمَ على النبي صلى الله عليه وسلم سَبْيٌ16، فإذا امرأةٌ من السبي تَحلَّبَ ثَدْياها17تَسْعى18، إذْ وَجَدَتْ صَبِياً ـ لها ـ في السبي ، أخذَتْهُ فألصَقَتْه ببطنها وأرضعته1، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم : أتُرَوْن2هذه طارحةً ولدَها في النار؟ قلنا : لا ، وهي تَقْدِرُ على أن لا تَطرحه3، فقال : للَّهُ أرحمُ بعِبادِه من هذه بوَلَدِها))4. فانتَهَزَ صلى الله عليه وسلم المُناسبةَ القائمةَ بين يديه مع أصحابه ، المشهودَ فيها حنانُ الأُمِّ الفاقِدة ، على رَضيعها إذْ وَجَدَتْه ، وضرَبَ بها المُشاكَلَةَ والمُشابهةَ برحمة الله تعالى ، ليُعرِّفَ الناسَ رحمةَ رَبِّ الناسِ بعباده ، ولم يَبتدِئهم أو يقْتَبِلهم بهذا المعنى اقتبالاً وابتداءً دون مناسبة ، بل أورده لهم في هذه المناسبة ، فكان ذلك دَرْساً وشَرْحاً لسَعَةِ رحمة الله تعالى ورأفتِه بمخلوقاته سبحانه (واللهُ رَؤوفٌ بالعِباد)5. وروى البخاري6عن جَرير بن عبد الله البَجَلي رضي الله عنه ، قال : ((كنا جلوساً ليلةً مع النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ نَظَرَ إلى القمر ليلةَ البَدْر ، فقال : إنكم سَتَرَوْن ربَّكم يومض القيامة ، كما ترون هذا القمر، لا تُضامون في رُؤيَتِه7، فإن استطعتم أن لا تُغْلَبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس ، وصلاةٍ قبل غروبها ، فافعلوا ، ثم قرأ : (وسَبِّحْ بحَمْدِ ربِّك قبلَ طُلوعِ الشَّمْسِ وقبلَ الغُروب)8. فانتهز صلى الله عليه وسلم مُشاهدةَ الصَّحابةِ للقمر ليلةَ البدر ، فبيَّنَ لهم أن رؤية الله تعالى في الآخرة ، ستكون للمؤمنين في الجنة بهذا الوضوح وتلك السُّهولةِ واليُسْر . -------------------------------------- 10 ـ 18 :93 في أول كتاب الزهد والرقائق . 11 ـ العالية : قُرى بظاهر المدينة . 12 ـ أي جانِبَيهْ . 13 ـ أي صغيرِ الأذنين . 14 ـ أي بلا شيء مّا . 15 ـ البخاري 10 :360 في كتاب الأدب (باب رحمة الولد وقبلته ومعانقته) ، ومسلم 17 :70 في كتاب التوبة (باب سعة رحمة الله وأنها تغلب غضبه) . 16 ـ السَّبْيُ : الأسرى ، وكان هذا السبي سبي هَوازِن . 17 ـ أي سال حليبُ ثدييها . 18 ـ أي تمشي بسرعة باحثة عن رضيعها الذي ذهب منها . 1 ـ يعني وهي على تلك الحال فوجئت بلقاءِ طفلها في السبي ، فأخذَتْه بحنانٍ شديد وشفقةٍ بالغة ، فضمَّتْه إلى قلبها وصدرِها فرِحةً مسرورةً بلُقياه ، فهو عندها أغلى الأطفال ، وأحبُّ الراضعين ، وقُرّةُ العين والقلب جميعاً . 2 ـ أي أتظنون؟ 3 ـ أي لا تطرحه ما دامت تقدر على حفظه معها ووقايتِه . 4 ـ قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) 10 :361 وهو يشرح فوائد هذا الحديث وما يستخرج منه من أحكام : ((فيه ضَرْبُ المَثَلِ بما يُدرَك بالحواسِّ لما لا يُدرَكُ بها ، لتحصيل معرفةِ الشيء على وجهه ، وإن كان الذي ضُرِبَ به المَثلُ لا يُحاطُ بحقيقته ، لأن رحمة الله لا تُدرَك بالعقل ، ومع ذلك فقد قَرَّبها النبيُّ صلى الله عليه وسلم للسامعين بحال المرأةِ المذكورة . وفي الحديث أيضاً : جواز نظرِ النساءِ المَسْبِيّات ، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يَنْهَ عن النظر إلى المرأةِ المذكورة ، بل في سِياق الحديث ما يقتضي إذْنَه في النظر إليها)) . 5 ـ من سورة البقرة ، الآية 207 . 6 ـ 2 :27 في كتاب مواقيت الصلاة (باب فضل صلاة العصر) ، و8 :458 في كتاب التفسير (تفسير سورة ق) ، و13 :357 في كتاب التوحيد (باب قول الله تعالى : وجوه يومئذ ناضرة) . وقد جمعتُ بين هذه الروايات هنا . 7 ـ أي لا يَحصُلُ لكم ضَيمٌ حينئذٍ . ورُوي : (لا تَضامّون في رؤيَته) . أي تتضامّون من الضمّ ، والمراد نفيُ الازدحام ، كما يقع للذين يَشهدون الهلالَ في أوَّلِ الشهر ، أنهم يَتضامّون لتتركَّزَ أحداقُهم على موضعٍ معيَّن ، فيشتركوا في رؤيتِه دون سواهم . قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) 13 :357 وهو يُفسِّرُ رواية (لا تَضامّون في رؤيتِه) : ((أي لا تَضامّون في رؤيته باجتماعٍ في جهة ، فإنكم تَرَوْنَه سبحانه في جهاتكم كلِّها ، وهو مُتعالٍ عن الجهة . والتشبيهُ برؤية القمر ، للرُّؤية دون تشبيه المَرْئي ، تعالى الله عن ذلك)) . ورُوي : (لا تُضارّون في رؤيته) أي لا يَلْحَقُكم في رؤيته سبحانه مَشقّةٌ أو ضَرر . 8 ـ من سورة ق ، الآية 39 .
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|