انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

دراسات إعجاز القرآن في عصر التصنيف

الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم علوم القرآن     المرحلة 4
أستاذ المادة محمد طالب مدلول الحسيني       31/12/2016 10:47:54
دراسات إعجاز القرآن في عصر التصنيف
بعد انصرام القرنين الثاني والثالث من الهجرة النبوية المباركة وورود الإشارات إلى إعجاز القرآن في المصنفات التي عُنِيَتْ بعلوم القرآن حاول العلماء أن يستثمروا هذه الإشاراتِ ليؤسَّسوا منهجاً جديداً في دراسة القرآن الكريم, حيث عملوا على إنضاج ما وصل إِليهم من إشارات بالتصنيف والتأليف في شقيّ مسألة إعجاز القرآن والمتمثلة بالصرفة والنظم مع بزوغ فجر القرن الرابع الهجري. ولعل أول مَن تصدّر في شرح الأعجاز وبسط القول فيه على طريقتهم في التأليف إنما هو أبو عبد الله محمد بن يزيد الواسطي (ت306هـ)( ) في كتابه (إعجاز القرآن) وهو كتاب شرحه عبد القاهر الجرجاني (ت471هـ) شرحاً كبيراً سماه (المعتضد) وآخر أصغر منه( ), ولا يبعد أن يكون الواسطي قد استفاد من كتاب الجاحظ (ت255هـ) (نظم القرآن) وبنى عليه حين صنف كتابه (إعجاز القرآن) الذي لم يصل ألينا( ).
وفي ضوء ما تقدم يمكن دراسة إعجاز القرآن بشقّيه (الصرفة والنظم) وبيان التأليف فيهما مبيناً ما ورد في كل منهما من مصنفات وما توصل إليه العلماء من آراء.
الإعجاز بالصرفة:
الصرفةُ في اللغة من الصَرْف (والصرفُ أن تصْرِفَ إنساناً عن وجهٍ يريده إلى مَصْرفٍ غير ذلك)( ), وقال الراغب الأصفهاني (ت 502هـ): (الصرفُ ردّ الشيءِ إلى حالةٍ أو أبداله بغيره, يُقال: صَرَفْتَهُ فانصرف)( ). وقال ابن منظور (711هـ): (الصرف ردّ الشيء عن وجهه, صَرَفهُ يصِرِفُهُ صرفاً فانصرف ... وصرَّفَ الشيء أعمله في غير وجه كأنّهُ يصرفْهُ إلى وجه. قال ابن الأعرابي: الصَرْفُ: الميل)( ).
والصَرفةُ في الاصطلاح هي صرف الهمم عن المعارضة( ) وأن كان مقدوراً عليها غيرَ معجوز عنها( ). وعد الشريف المرتضى (ت436هـ) الصرفة في سلب الله دواعيَهم إلى المعارضة مع أن أسباب توفر الدواعي في حقهم حاصلة( ).
هذه الوجهة التي ذهب أليها أهل الصرفة تفسيرها أن القرآن مؤلّفٌ من كلمات تنتظم مع بعضها في هذا النسيج, وأن من البلغاء من لهم من القدرة في أن يعملوا مثل هذا النظم والتأليف, لكن أمراً خارجاً عنهم قد سلبهم هذه المقدرة في التأليف مثله, وهم بذلك يذهبون إلى أن نظم القرآن ليس معجزاً بذاته لأنه كلام منظوم, والعرب هم أهل البيان فلا يُعجزهم القرآن بذاته, وإنما الذي أعجزهم الله تعالى. ذهب إلى هذا الرأي أبو إسحاق النظّام (ت221هـ) من المعتزلة وأختاره الشريف المرتضى (ت436هـ) وقال: (لو كان الأمر بخلاف ذلك لوجب أن تقع منهم – أي المعارضة بالتأليف والنظم – على كل حالٍ لأن العرب الذين خُوطِبوا بالتحدي والتقريع وَوُجُّهوا بالتعنيف كانوا متى أضافوا فصاحة القرآن إلى فصاحتهم وقاسموا كلامهم بكلامه علموا أن المزية بينهما تظهر لهم دون غيرهم ممن نقص عن طبقتهم ونزل عن درجتهم ودون الناس جميعاً ممن لا يعرف الفصاحة ولا يأنس بالعربية)( ).
ومن الذين ذهبوا إلى أن الصرفة وجهٌ من وجوه الأعجاز علي بن عيسى الرماني (ت386هـ) فقال: (وهذا – أي وجه الصرفة – عندنا أحد وجوه الأعجاز الذي يظهر منها للعقول)( ).
أما حمد بن محمد الخطابي (ت388هـ) فقد ذهب إلى قول بعض الناس في أن علة أن الإعجاز تكمن في الصرفة وتعد صحة المعجزة بأن تكون أمراً خارجاً عن مجاري العادات ناقضاً لها, وهذا وجه قريبٌ عنده( ).
لكنهُ أستدرك ليدفع عن نفسهِ القول بدلالة أن الآية تشهد بخلافه - حسب ما زعم( ) – وهي قوله تعالى [لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا]( ).
لقد ألّفَ الشريف المرتضى (ت436هـ) كتاباً سماه (الموضح عن جهة إعجاز القرآن) وأطلق عليه مختصراً (الصرفة), جمع فيه شتات آرائه وأبرز أدلته المبثوثة في كتبه, متأثراً في ذلك بأستاذه الشيخ المفيد (ت413هـ) الذي سبقه فقال: (إن جهة ذلك هو الصرف من الله تعالى لأهل الفصاحة واللسان عن معارضة النبي (صلى الله عليه وآلهِ وسلم) بمثله في النظام عند تحديه لهم, وجعل انصرافهم عن الإتيان بمثله وإن كان في مقدورهم دليلاً على نبوته (صلى الله عليه وآلهِ وسلم), واللطف من الله تعالى مستمر في الصرف عنه إلى آخر الزمان وهذا من أوضح برهان في الأعجاز, وأعجب بيان)( ).
لقد عرّف الشريف المرتضى في كتابه معنى الصرفة بقوله: (بأن يسلب الله تعالى كل مَن رام المعارضة وفكرّ في تكلفّها في الحال التي يتأتّى معها مثل فصاحة القرآن وطريقته في النظم)( ) غير أن التحدي لا يكون إلا في الفصاحة مع طريقة النظم, وأن القرآن مختص بطريقة مفارقة لسائر نظوم الكلام( ), ثم أنه يعزز رأيه في أن التحدي كان بالفصاحة والنظم معاً, بقوله: (إنا رأينا النبي (صلى الله عليه وآلهِ وسلم) أرسل التحدي إرسالاً, وأطلقه أطلاقاً من غير تخصيص يحصُرُهُ أو استثناء يقصره, فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) مخبراً عن ربه [لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا]( ))( ).
إن القول بالصرفة يؤدّي إلى القول بإن نظم القرآن ليس معجز بنفسه ونتيجة ذلك يمكن لكل قادر على صوغ الكلام الفصيح إن يحتذي نظم سور القرآن( ).
وذهب قوم إلى إنكار وجهة الصرفة منهم أبو بكر الباقلاني( ) (403هـ) فقال: (ومما يُبطل ما ذكروه من القول بالصرفة أنهُ لو كانت المعارضة ممكنة لم يكن الكلام معجزاً, وإنما يكون المنع هو
المعجز فلا يتضمن الكلامُ فضيلةً على غيره في نفسه)( ).
وكذلك القاضي عبد الجبار المعتزلي( ) (ت415هـ) إذا عدّ القول بالصرفة لا يجعل للقرآن مزية, قال: (ومن سلك هذا المسلك – أي الصرفة – في القرآن يلزمه أن لا يجعل له مزية البتة, على أن ذلك يُبطل بعض القرآن, لأنه تعالى قال: [لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا] ولو كان الوجه الذي له تعذر عليهم المنع لا يصح ذلك)( ).
وعقد عبد القاهر الجرجاني (ت471هـ) فصلاً (في الذي يلزم القائلين بالصرفة) في رسالته, وأكد أنه يبعدُ أن يرتكبَها العاقلُ ويدخلَ فيها وذلك أنه يلزم عليه أن يكون العرب قد تراجعت حالها في البلاغة والبيان( ). وذهب هذا المذهبَ يحيى بنُ حمزة العلوي( ) (ت745هـ) فقال: (لو كان الأمر كما زعموا من أنهم صُرِفوا عن المعارضة مع تمكنهم منها لوجب أن يعلموا ذلك من أنفسهم بالضرورة وأن يميزوا بين أوقات المنع ... لما كانوا مستعظمين لفصاحة القرآن)( ).
أما من المعاصرين فقد أنكرها قوم, وذهبوا مذاهب شتى, فحكوا أن القول بالصرفة شبيهٌ بقول العرب كما حكاه تعالى عنهم: [إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ]( ), وهذا ضرب من العبث ينبغي أن يُنزّه عنه المنكرون أنفسهم( ). وأكد أبو القاسم الخوئي بأن القول بالصرفة (واضح البطلان لأن كثيراً من الناس تصدَّوا لمعارضة القرآن فلم يستطيعوا ذلك واعترفوا بالعجز)( ), وأشكل كمال الحيدري على مذهب الصرفة بعدة إشكالات منها: (أنه يلزم بناءً على الصرفة أن يكون القرآن كلاماً عادياً صادراً من إنسان) والأشكال الآخر (سيفضي إلى أن تكون النبوة والوحي الإلهي للإنسانية لغواً لا محصل له, ومعه لا حاجة إلى إقامة المعجزة حتى لو كان ذلك عن طريق الصرفة)( ).


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .