النقائض
هيأ استعار العصبيات في البصرة وخراسان لاشتعال الهجاء طوال هذ العصر ، كما هيا لنمو فن النقائض نموا واسعا ، وقد أعدت لهذا النمو أسباب كثيرة ، يرجع بعضها الى عوامل اجتماعية وبعضها إلى عوامل عقلية 0
1- العوامل الاجتماعية : مردها إلى حاجة المجتمع العربي إلى ضرب من الملاهي يقطع به الناس أوقاتهم الطويلة ،ودائما حين تنشأالمدن تنشأ معها أوقات فراغ تبعث اهلها على ان يملئوها اما بالدرس والنظر العقلي واما بلهو يختلفون اليه وفعلا نهضت دراسات دينية وعقلية مختلفة ،وكان لابد أن تنشأبجانبها نوع من انواع الملاهي يجد فيه الفارغون عن العمل التسلية وقد رأينا المدينة ومكة تقبلان على الغناء وتجدان فيه حاجة أهلها من التسلية واللهو.ولم تتجه قبائل العراق هذا الاتجاه، إذ كانت شديدة الصلة بحياتها البدوية القديمة ،وأخذت نيران الهجاء تشتعل فيها اشتعالا شديدا. حينئذ انبرى الهجاءون يملؤون أوقات الناس هناك بأهاجيهم ،وسرعان ما تحولوا بها إلى نقائض مثيرة،فشاعر قبيلة من القبائل ينظم قصيدة من القصائد في الفخر بقبيلة أمجادها ويتعرض لخصومها من القبائل الأخرى فينبري له شاعر من شعراء تلك القبائل يرد عليه بقصيدة على وزن قصيدته ورويها ، وكأنه يريد أن يظهر تفوقه عليه من ناحية الفن نفسه ويتجمع الناس من حواليهما يهتفون ،وبذلك تحولت النقائض من غاية الهجاء الخالص إلى غاية جديدة هي سد حاجة الجماعة الى ضرب من الملاهي 0
2- العوامل العقلية : مردها إلى نمو العقل العربي ومرانه الواسع على الحوار والجدل والمناظرة في النحل السياسية والعقيدية وفي شوون التشريع ، وعلى ضوء من ذلك كله أخذ شعراء النقائض يتناظيها ظروف العصر رون في حقائق القبائل ومفاخرها ومثالبها ، وكل منهم يدرس موضوعه دراسة دقيقة ويبحث في أدلتها ليوثقها وفي أدلة خصمه لينقضها ودليلا دليلا ، وكأننا بإزاء مناظرات شعرية ، وهي مناظرات كانت تتخذ سوق المربد مسرحا لها فالشعراء يذهبون هناك ،ويذهب إليهم الناس ويتحلقون من حولهم ،ليروا من تكون له الغلبة على زملائه 0وأهم من وقفوا حياتهم على تنمية تلك النقائض القبلية مستلهمين فيها ظروف العصر وأحداثه السياسية جرير والفرزدق والأخطل 0
من ذلك هجاء الأخطل لجرير:
أما كليب بن يربوع فليس لهم عند التفارط إيراد ولا صدر
مخلفون ويقضي الناس أمرهم وهم بغيب وفي عمياء ما شعروا
جرير يرد على الأخطل :
نحن اجتبيناحياض المجد مترعة من حومة لم يخالط صفوها كدر
لم يخز أول يربوع فوارسهم ولا يقال لهم كلا إذا افتخروا