محاضرة في أصول التفسير
تخصيص العام :
عرّف الأصوليون التخصيص بتعاريف متعددة وهي مختلفة في التعابير ومتفقة من حيث المآل ، فكلها تستهدف تحديد العام من كونها مشمولة بالحكم الوارد فيه بقصره على الباقي منها بدليل متصل بالنص العام ، أومنفصل ومستقل عنه .
فهناك كثير من النصوص القرآنية وردت عامة عند نزولها ، ومرادها خفي على كثير من الناس ، لأن النص العام المنزل لم يكن في الأصل يراد به العموم ، وإنما أريد به الخصوص . فإذا كان ظاهر آية يقتضي عموم المعنى فإن أخرى قد تخصصه فتكون قرينة منفصلة على إرادة معنى غير الأول الذي أشعر به عموم اللفظ أو التعبير في الآية الأولى ، وقد يكون الدليل المخصص للعام جزءاً من النص الذي وردت فيه صيغة العموم ، فيكون قرينة متصلة على تخصيص عموم القرآن .
والأدلة المخصصة قد تكون من القرآن الكريم نفسه أو من السنة النبوية المطهرة .
ففي قوله تعالى : ? للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ? [ النساء :7 ] ، فقد أخرج من عموم الرجال والنساء من الوارثين ، الوارث القاتل لمورثه بقول الرسول ?« لا يرث القاتل » وكذلك الوارث الذي يختلف فـــي الدين مع مورثه بقوله « لا يتوارث أهل ملتين » .
أقسام المخصص باعتبار الاستقلالية وعدمها :
الدليل المخصص للعام إما أن يكون جزءاً من النص الذي وردت فيه صيغة العموم ، أو يكون مستقلاً عنه ، ففي الحالة الأولى يسمى « الدليل المخصص المتصل » وفي الحالة الثانية يسمى « الدليل المخصص المنفصل » .
الأدلة المخصصة المتصلة :
1- الاستثناء المتصل : من النصوص الشرعية العامة المخصصة بالاستثناء قوله تعالى : ? والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذي آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحــق وتواصوا بالصبر ? [ العصر:1-3] وقول الرسول ?« الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرّم حلالاً أو أحل حراماً » . فلفظ (الإنسان) و( الصلح ) من صيغ العموم بسبب أل الاستغراق ، وقد خصص عمومها بالاستثناء .
2- الشرط : إذا تصدرت الجملة بأداة من أدوات الشرط مثل (إن) و(إذا) تسمى شرطية ، فقد خصص عموم قوله تعالى في آية المواريث : ? ولكم نصف ما ترك أزواجكم ? [ النساء:12 ] بالشرط الوارد بعده ? إن لم يكن لهن ولد ? ، فحالة عدم وجود الولد للزوجة ، هي الشرط الذي قصر استحقاق الأزواج لنصف ما تركت الزوجة من الميراث ، ولولا هذا الشرط لأفاد النص استحقاق الأزواج النصف في جميع الحالات .
3- الصفة : كما في قوله تعالى : ? ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ماملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ? [ النساء :25] ، فلفظ (الفتيات) في الآية عامة يشمل المؤمنات وغير المؤمنات ، ولكن وصفه بالمؤمنات جعله مقصوراً على المؤمنات دون غيرهن ، فالذي يحل من ملك اليمين لغير مستطع الطول ، هي( الفتاة الموصوفة بالإيمان) فهذه الصفة خصصت عموم الآية فيما جاءت به .
والمراد بالصفة هنا الصفة المعنوية ، قال الشوكاني : « والمراد بها – أي الصفة المخصصة – على ما حققه علماء البيان ، لا مجرد النعت المذكور في علم النحو » .
4- الغاية : غاية الشيء نهايته ، وألفاظها (حتى) و(إلى) ، والتخصيص بالغاية يقتضي أن يكون الحكم فيما وراء الغاية بخلاف حكم ما قبلها كتخصيص عموم (ولا تقربوهن) بـ (حتى يطهرن) في قوله تعالى : ? ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فآتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ? [ البقرة:222 ] .
وكذلك تخصيص عموم (لاتنكح الأيم) بـ (حتى تستأمر) وعموم (لاتنكح البكر) بـ (حتى تستأذن) في قـول الرسول? « لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن ،قالوا يا رسول الله : وكيف إذنها ؟ قال : أن تسكت » .
ومعنى الأيم : التي فارقت زوجها بطلاق أو موت .
ومعنى حتى تستأمر : أي يطلب أمرها يعني الرضاء والإذن الصريح .
والمراد بالبكر : البالغة العاقلة لأنه لا يعتقد بإذن غيرها .