-في تقسيم التشبيهِ باعتبار أداتهِ
ينقسمُ التشبيهُ باعتبار أداتهِ إلى:
أ - التشبيهُ المرسَلُ: هو ما ذكرِتْ فيه الأداةُ، كقول الشاعر :
إنما الدنيا كبيتٍ ... نسجتْهُ العنكبوتُ
ب ـ التشبيهُ المؤكَّدُ: هو ما حذفتْ منه أداته، نحو: يسجعُ سجعَ القمريِّ ،وكقول الشاعر(5):
أَنْتَ نجْمٌ في رِفْعةٍ وضِياءٍ تجْتَليكَ الْعُيُونُ شَرْقاً وغَرْبا
ومن المؤكدِ ما أضيفَ فيه المشبَّهُ به إلى المشبَّه، كقول الشاعر:
وَالرِّيحُ تَعبَثُ بِالْغُصُونِ، وقَدْ جَرَى ... ذَهَبُ الأَصيلِ عَلى لُجَيْنِ الْمَاءِ
أي أصيلٌ كالذهبِ على ماءِ كاللجَين.
والمؤكَّدُ أوجزُ، وأبلغ، وأشدُّ وقعاً في النفس.أما أنه أوجز فلحذف أداته، وأما أنه أبلغ فلإيهامه أن المشبه عين المشبَّهِ به.
ج-التشبيهُ البليغُ :هو ما حُذفتْ فيه أداةُ التشبيهِ ووجهُ الشبَّهِ، نحو قوله تعالى:{ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ } [البقرة/187] وكقول الشاعر:
فاقضُوا مآربَكُم عِجالاً إنما أعمارُكم سفَرٌ من َالأسفارِ
ونحو قول الشاعر :
عزماتهُم قُضُبٌ، وفيضُ أكفهم ... سحبٌ، وَبِيضُ وجوههم أقمارُ
والتشبيهُ البليغُ ما بلغَ درجةَ القبولِ لحسنهِ،أو الطيِّبَ الحسنِ، فكلما كانَ وجهُ الشبهِ قليلَ الظهور، يحتاجُ في إدراكهِ إلى إعمالِ الفكر كانَ ذلك أفعلَ في النفسِ وأدعَى إلى تأثُّرِها واهتزازِها، لما هو مركوزٌ في الطبعِ، منْ أنَّ الشيءَ إذا نيلَ بعدَ الطلبِ له، والاشتياقِ إليه، ومعاناة ِالحنينِ نحوَه كان نيلُه أحلَى، وموقعُه في النفس أجلَّ و ألطفَ، وكانتْ به أضنَّ وأشغفَ، وما أشبهَ هذا الضربُ من المعاني، بالجوهر في الصَّدفِ، لا يبرزُ إلا أنْ تشقَّهُ.
وسببُ هذه التسميةِ أنَّ ذكرَ الطرفينِ فقط، يوهمُ اتحادَهما، وعدمَ تفاضلهِما، فيعلو المشبَّهُ إلى مستوى المشبَّهِ به، وهذه هي المبالغةُ في قوةِ التشبيهِ.
----------------
-صورُ وقوعِ التشبيهِ البليغ :
يقع التشبيهُ البليغُ على الصورِ الآتيةِ :
أنَ يقعَ المشبَّهُ به خبراً، نحو : صدورُ الأحرارِ قبورُ الأسرار ِ .
أنَ يقعَ مفعولاً ثانياً في بابِ علمتَ ،نحو : علمتُ بذيءَ اللسانِ كلباً عقوراً .
أنَ يقعَ مصدراً مبيِّناً للنوعِ ، كقوله تعالى : {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ..} (88) سورة النمل .
أنْ يقعَ حالاً ، نحو : كرَّ عليَّ أسداً .
أنْ يقعَ مبيِّناً للمشبَّهِ، كقوله تعالى : { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ } [البقرة/187] .
أن َيقعَ مضافاً على المشبَّهِ به ،نحو : عقيقُ الشفقِ وثوبُ العافيةِ
=============
- تشبيهٌ على غيرِ طرقهِ الأصليَّةِ
أولاً-التشبيهُ الضمنيُّ :
هو تشبيه ٌ لا يوضعُ فيه المشبَّهُ والمشبَّهُ به في صورةٍ من صورِ التشبيهِ المعروفةِ، بل يلمحُ المشبَّهُ والمشبَّهُ به، ويفهمانِ من المعنَى، ويكونُ المشبَّهُ به دائماً برهاناً على إمكانِ ما أُسندَ إلى المشبِّه، كقول المتنبي :
مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الهَوَانُ عَلَيهِ ما لجُرْحٍ بمَيّتٍ إيلامُ
أيْ أنَّ الذي اعتادَ الهوانَ، يسهلُ عليه تحمّلُه، ولا يتألمُ له، وليس هذا الادعاءُ باطلاً ،لأنَّ الميتَ إذا جرِحَ لا يتألمُ، وفي ذلك تلميحٌ بالتشبيهِ في غير صراحةٍ، وليس على صورةٍ من صورِ التشبيهِ المعروفة، بل إنه (تشابهٌ) يقتضي التَّساوي، وأمَّا (التشبيهُ) فيقتضي التفاوتَ.
وكقول أبي فراس الحمداني:
سَيذْكُرني قَوْمي إِذا جدّ جِدُّهمْ … …وفي اللَّيْلَة الظَّلْماءِ يٌفْتَقَدُ الْبَدْر
-------------
-بلاغةُ التشبيهِ الضمنيِّ :
إنه دعوى مع البيِّنةِ والبرهانِ .
إنه إبرازٌ لما يبدو غريباً ومستحيلاً .
إنه جمعٌ بين أمرينِ متباعدينِ ،وجنسينِ غيرِ متقاربينِ .
إنهُ دلالةٌ على التشبيهِ بالإشارةِ والكنايةِ ، لا بالوضوحِ والصراحةِ .
--------------
ثانياً-التشبيهُ المقلوبُ :
التشبيهُ المقلوبُ : هو جعلُ المشبَّهِ مشبَّهاً به بادِّعاءِ أِنَّ وجهَ الشبَّهِ فيه أَقوَى وأَظهرُ.ويسمَّى ذلك بالتشبيهِ المقلوبِ أو المعكوسِ، نحو: كأنَّ ضوءَ النهارِ جبينُهُ، ونحو:كأنَّ نشرَ الروضِ حسنُ سيرتِه، ونحو: كأنَّ الماءَ في الصفاءِ طباعُهُ، وكقول محمد بن وهيب الحميري :
وبَدَا الصَّباحُ كأنَّ غرَّتَهُ … …وَجْهُ الخَليفةِ حِينَ يُمْتَدَحُ
شبَّهَ غرَّةَ الصباح بوجهِ الخليفةِ، إيهاماً أنهُ أتمُّ منها في وجهِ الشَّبهِ .
وكقول حافظ إبراهيم :
أحِنُّ لَهُم ودُونَهُمُ فَلاةٌ … …كأنَّ فَسِيحَها صدْرُ الحَليمِ
شُبِّهتِ الفلاةُ بصدرِ الحليمِ في الاتساعِ، وهذا أَيضاً تشبيهٌ مقلوبٌ.
وهذا التشبيهُ مظهرٌ من مظاهرِ الافتنانِ والإبداعِ، كقوله تعالى حكايةً عن الكفار: { قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ..} (275) سورة البقرة ،في مقامِ أنَّ الرِّبا مثلُ البيعِ ،عكسوا ذلك لإيهامِ أنَّ الرِّبا عندهمْ أحلُّ من البيعِ، لأنَّ الغرضَ الربحُ ،وهو أثبتُ وجوداً في الرّبا منه في البيعِ، فيكونُ أحقَّ بالحلِّ على حدِّ زعمِهم .
=============
_ في تقسيم التشبيهِ باعتبار الغرَضِ إلى مقبول وإلى مردود
ينقسمُ التشبيهُ باعتبار الغرضِ إلى حسنٍ مقبولٍ، وإلى قبيحٍ مردودٍ .
1-الحسنُ المقبولُ: هو ما وفَّى بالأغراضِ السابقةِ، كأنْ يكونَ المشبَّهُ به أعرفَ من المشبَّهِ في وجه الشَّبهِ، إذا كان الغرضُ بيانَ حالِ المشبَّه، أو بيانَ المقدارِ، أو أنْ يكونَ أتم َّشيءٍ في وجه الشَّبه، إذا قصِدَ إلحاقَ الناقصِ بالكاملِ، أو أنْ يكونَ في بيانِ الإمكانِ مسلَّمَ الحكمِ، ومعروفاً عند المخاطبِ، إذا كان الغرضُ بيانَ إمكان الوجودِ، وهذا هو الأكثر في التشبيهاتِ، إذ هي جاريةٌ على الرشاقةِ، ساريةٌ على الدقةِ والمبالغةِ ثم إذا تساوَى الطرفانِ في وجه الشَّبهِ عند بيانِ المقدارِ كان التشبيهُ كاملاً في القبولِ، وإلا فكلَّما كان المشبَّهُ به أقربَ في المقدارِ إلى المشبَّهِ كان التشبيهُ أقربَ إلى الكمالِ والقبولِ.
2 - القبيحُ المردودُ: هو ما لم يفِ بالغرض المطلوبِ منه، لعدمِ وجودِ وجهٍ بين المشبَّهِ والمشبَّهِ به، أو معَ وجودهِ لكنهُ بعيدٌ.
-------------
- تنبيهانِ:
الأولُ- بعضُ أساليب التشبيهِ أقوى من بعضٍ في المبالغةِ، ووضوحِ الدلالةِ ولها مراتبُ ثلاثةٌ:
أ - أعلاها وأبلغُها: ما حذفَ فيها الوجهُ والأداةُ، نحو: عليٌّ أسدٌ، وذلك أنكَ ادعيتَ الاتحادَ بينهما بحذف الأداةِ، وادعيتَ التشابهَ بينهما في كلِّ شيءٍ بحذفِ الوجهِ، ولذا سميَ هذا تشبيهاً بليغاً.
ب - المتوسطةُ: ما تحذفُ فيها الأداةُ وحدها، كما تقولٌ :خالدٌ أسدٌ شجاعةً ، أو يحذف فيها وجهُ الشبهِ،فتقولُ : خالدٌ كالأسدِ،وبيانُ ذلك أنكَ بذكركِ الوجهَ حصرتَ التشابهَ،فلم تدعْ للخيالِ مجالاً في الظنِّ بأن التشابهَ في كثيرٍ من الصفاتِ، كما أنك بذكرِ الأداةِ نصصتَ على وجودِ التفاوتِ بين المشبِّهِ والمشبِّهِ به، ولم تتركْ باباً للمبالغةِ.
جـ- أقلُّها: ما ذكرَ فيها الوجهُ والأداةُ، وحينئذ فقدتِ المزيتينِ السابقتينِ .نحو : خالدٌ كالأسدِ في الشجاعةِ
الثاني- قد يكونُ الغرضُ من التشبيهِ حسناً جميلاً، وذلك هو النمطُ الذي تسمو إليه نفوسُ البلغاءِ، وقد أتوا فيه بكلِّ حسنٍ بديعٍ، كقول ابن نباتةَ في وصفِ فرسِ أغرَّ محجَّلٍ :
وكأَنَّما لطَمَ الصَّباحُ جبينَهُ ... فاقْتَصَّ منهُ فخاضَ في أَحشائِهِ
وقد لا يوفَّقُ المتكلِّمُ إلى وجهِ الشَّبهِ، أو يصلُ إليه مع بعدٍ، وما أخلقَ مثل هذا النوعَ بالاستكراهِ وأحقَّه بالذمِّ،لما فيه من القبحِ والشناعةِ، بحيثُ ينفرُ منه الطبعُ السليمُ.
==============
- في فوائدِ التشبيهِ
- الغرضُ من التشبيهِ والفائدةُ منه: هي الإيضاحُ والبيانُ في التشبيهِ غير المقلوبِ ، ويرجعُ ذلك الغرضُ إلى المُشبَّهِ والمشبَّهِ به
أولاً- ما يعودُ على المشبَّهِ من أغراضٍ :
تهويلُ المشبَّهِ وجعله مهاباَ، إذا كان المشبَّهُ به أخوفَ عندَ الناس كقول عنترةَ :
وأنا المنيَّةُ حينَ تشتجرُ القنا ... والطّعنُ منِّي سابقُ الآجالِ
بيانُ حالهِ إذا كان المشبَّهُ به معلوماً عند السامعِ بتلك الصفةِ التي يقصَدُ اشتراكُ الطرفين فيها، كما في قول النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: « إِنَّهُمَا مِنَ الدِّينِ كَالرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ» (3)، وكقوله النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم-: « إِنَّ الْمُؤْمِنَ مِنْ أَهْلِ الإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ يَأْلَمُ الْمُؤْمِنُ لأَهْلِ الإِيمَانِ كَمَا يَأْلَمُ الْجَسَدُ لِمَا فِى الرَّأْسِ » .
أو حينما يكونُ المشبَّهُ مبهماً غيرَ معروفِ الصفةِ، الّتي يراد إثباتُها له قبلَ التشبيهِ، فيفيدُه التشبيهُ الوصفُ، ويوضحُه المشبَّهُ به، نحو: شجرُ النارنجِ كشجرِ البرتقالِ ، ومثلُ قول الشاعر :
إذا قامتْ لحاجتُها تَثَنَّتْ ... كأنّ عِظامَها منْ خَيزرانِ
شبهَ عظامَها بالخيزرانِ بياناً لما فيها من اللينِ .
بيانُ مقدار حالِ المشبَّهِ في القوةِ والضعفِ والزيادةِ والنقصانِ، وذلك إذا كانَ المشبَّهُ معلوماً معروفَ الصفةِ الّتي يرادُ إثباتُها له معرفةً إجماليةً قبلِ التشبيهِ ، بحيثُ يرادُ من ذلك التشبيهِ بيانُ مقدار نصيبِ المشبَّهِ من هذه الصفةِ، وذلك بأنْ يعمدَ المتكلِّمُ لأنْ يبينَ للسامعِ ما يعنيهِ من هذا المقدارِ ،كقوله تعالى : { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً }[البقرة/74]، ومثل قول الأعشى :
كأَنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ... مَرُّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ
وكتشبيهِ الماءِ بالثلجِ في شدةِ البرودةِ.
تقريرُ حالهِ وتقويةُ شأنِها، و تمكينُه في ذهن السامعِ، بإبرازِها فيما هي فيه أظهرُ ، كما إذا كان ما أسنِدَ إلى المشبَّهِ يحتاجُ إلى التثبيتِ والإيضاحِ، فتأتي بمشبَّهٍ به حسيٍّ قريبِ التصوُّرِ، يزيدُ معنى المشبِّهِ إيضاحاً لما في المشبَّهِ به من قوةِ الظهورِ والتمامِ ،كقوله تعالى : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً [النور/39] }، ومثل : ( العِلمُ في الصِّغَرِ كالنَّقشِ في الحجَرِ )
ومثلُ قول الشاعر :
إِنّ القُلوبَ إذا تنافر ودُّها شِبْهُ الزُجَاجَة ِ كسْرُها لا يُشْعَبُ
شبَّه تنافرَ القلوبِ بكسرِ الزجاجةِ، تثبيتاً لتعذرِ عودةِ القلوبِ إلى ما كانتْ عليه من الأنسِ والمودَّةِ.
بيانُ إمكانِ المشبَّهِ ، وذلك حينَ يسنَدُ إليه أمرٌ مستغرب ٌ لا تزولُ غرابتُه إلا بذكر شبيهٍ له، معروفٍ واضحِ مسلَّمٍ به، ليثبتَ في ذهنِ السامعِ ويقررَ ، كقول المتنبي :
فإنْ تَفُقِ الأنامَ وأَنْتَ مِنهُم ... فإنَّ المسكَ بَعْضُ دَمِ الغَزَالِ
يقولُ: إنْ فضلتَ الناسَ وأنتَ من جملتِهم فقدْ يفضلُ بعضُ الشيء جملتَه ،كالمسكِ وهو بعضُ دمِ الغزالِ ، وقد فضلهُ فضلاً كثيراً، أرادَ أنهُ فاقَ الأنامَ في الأوصافِ الفاضلة ِإلى حدٍّ بطلَ معه أن يكونَ واحداً منهم، بل صارَ نوعاً آخرَ برأسهِ أشرفَ من الإنسانِ .
مدحهُ وتحسينُ حالهِ، ترغيباً فيه، أو تعظيماً له، بتصويرهِ بصورةٍ تهيِّجُ في النفسِ قوى الاستحسانِ، بأنْ يعمدَ المتكلِّمُ إلى ذكر مشبَّهِ بهِ مُعجبٍ، قد استقرَّ في النفسِ حُسنُه و حبٌّه فيصوِّرُ المشبَّهَ بصُورتِه ، كقول الشاعر :
رُبّ سوْداءَ وهيَ بيضاءُ معنى ... نافَسَ المِسك في اسمِها الكافورُ
مثلُ حبِّ العُيون يَحْسبهُ النّا ... سُ سواداً وإنما هوَ نورُ
ونحو قول النابغة :
فإِنَّكَ شَمْسٌ والمُلُوكُ كَواكِبٌ ... إِذا طَلَعَتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهنَّ كَوْكَبُ
تشويهُ المشبَّهِ وتقبيحُه، تنفيراً منه أو تحقيراً له، بأنْ تصوِّرَه بصورةٍ تمجُّها النفسُ، ويشمئزُّ منها الطبعُ ، كقول الشاعر:
لها جِسم بُرْغوث وساقا بَعُوضةٍ ... ووَجْهٌ كَوَجْه القِرْد أو هو أقْبَحُ
و كقول المتنبيِّ :
وَإذا أشَارَ مُحَدّثاً فَكَأنّهُ قِرْدٌ يُقَهْقِهُ أوْ عَجوزٌ تَلْطِمُ
استطرافُه: أيْ عدُّهُ طريفاً حديثاً، بحيثُ يجيءُ المشبَّهُ به طريفاً، غيرَ مألوفٍ للذهن؛إما لإبرازهِ في صورة الممتنعِ عادةً، كما في تشبيهِ فَحم ٌفيه جَمْرٌ متقدٌ ببحرٍ من المسكِ موجَّهِ الذهبِ ،ونحو قول الشاعر:
وكأنَّ مُحْمرَّ الشَّقي ...قِ إِذا تصَوَّبَ أو تَصَعَّدْ
أعلامُ ياقوتٍ نُشِرْ ... نَ عَلى رماح من زَبَرْجَدْ
وإمَّا لندورِ حُضورِ المشبَّهِ به في الذهنِ عند حضورِ المشبَّه، كقول ابن المعتزِّ في الهلال (7) :
أنظرْ إليه كزورقٍ منْ فضَّةٍ قدْ أثقلته حُمولةٌ من عنبرِ
ثانياً- ما يعودُ على المشبَّهِ به من الأغراضِ :
المبالغةُ في شأنِ المشبَّهِ، كقول القائل : حجرٌ كقلبِ الظالمِ
الاهتمام بشأن المشبه به كقول عنترة :
وَلَقَد ذَكَرْتُكِ والرّمَاحُ نَواهِلٌ، ... مِنّي وبِيضُ الهندِ تَقْطُرُ من دَمي
فَوَدِدْتُ تَقبيلَ السّيُوفِ لأنّها ... لَمَعَتْ كَبَارِقِ ثَغْرِكِ المُتَبَسِّمِ
===================
- في بلاغةِ التشبيهِ
تَنشأُ بلاغةُ التشبيهِ منْ أنهُ ينتقلُ بكَ من الشيءِ نفسِه، إلى شيءٍ طريفٍ يُشبهُهُ، أو صورةٍ بارعةٍ تُمثلُه.
وكلما كانَ هذا الانتقال ُبعيداً، قليلَ الخطورِ بالبال، أو ممتزجاً بقليلِ أو كثيرٍ من الخيالِ، كان التشبيهُ أروعَ للنفس، وأدعَى إلى إعجابها واهتزازِها.
فإذا قلتَ: فلانٌ يشبهُ فلاناً في الطولِ، أو إنَّ الأرضَ تشبهُ الكُرة َفي الشكلِ، لم يكنْ في هذه التشبيهاتِ أثرٌ للبلاغةِ، لظهورِ المشابهةِ، وعدمِ احتياجِ العثورِ عليها إلى براعةٍ، وجُهْدٍ أدبيٍّ، ولخلوّها من الخيالِ.
وهذا الضربُ من التشبيهِ يُقْصَدُ به البيانُ والإيضاحُ، وتقريبُ الشيءِ إلى الأفهامِ، وأكثرُ ما يُستعملُ في العلوم والفنونِ.
ولكنكَ تأخذُكَ رَوْعةُ التشبيهِ، حينما تسمعُ قول المعرّي يصفُ نجماً:
يُسْرعُ اللمْح في احْمِرارٍ كما تُسْـ … …ـرِعُ في اللمْح مُقْلَةُ الغضبانِ
فإنَّ تشبيهَ لمحاتِ النجمِ وتألقهِ مع احمرارِ ضوئه، بسرعةِ لمحةِ الغضبانِ من التشبيهاتِ النادرة، الّتي لا تنقادُ إلا لأديبٍ.
ومن ذلك قولُ الشاعر:
وكأن النجوم بينَ دجاها سُننٌ لاحَ بَينهُنَّ ابتداعُ
فإنَّ جمالَ هذا التشبيهِ جاءَ من شعورِكَ ببراعةِ الشاعر، وحِذْقِه في عقدِ المشابهةِ بين حالتينِ، ما كانَ يخطرُ بالبالِ تشابهُهما، وهما حالةُ النجومِ في رُقعةِ الليل، بحالِ السُّننِ الدِّينية الصحيحةِ، متفرقةً بين البدَعِ الباطلةِ،ولهذا التشبيهِ روعةٌ أخرى، جاءت من أنَّ الشاعرَ تخيَّلَ أنَّ السُّننَ مضيئةٌ لمَّاعةٌ، وأنَّ البِدعَ مظلمةٌ قاتمةٌ.
و من أبدعِ التشبيهاتِ قولُ المتنبي:
بَليتُ بِلى الأطْلالِ إنْ لم أقِفْ بها وُقوفَ شَحيحٍ ضاعَ في التُّرْبِ خاتمُهْ
يدعو الشاُعر على نفسهِ بالبلى والفناءِ، إذا هو لم يقفْ بالأطلال، ليذكرَ عهدَ من كانوا بها، ثم أرادَ أن يصوِّرَ لك هيئةَ وقوفهِ،فقال: كما يقفُ شحيحٌ فقدَ خاتمهُ في التراب، من كان يُوَفَّقُ إلى تصويرِ حالِ الذَّاهلِ المتحيرِ المحزونِ، المطرقِ برأسه، المنتقلِ من مكانٍ إلى مكان ٍفي اضطرابٍ ودهشةٍ، بحالِ شحيحٍ فقد في الترابِ خاتماً ثميناً.
هذه بلاغةُ التشبيهِ من حيثُ مَبلغُ طرافتهِ، وبُعد مرماه، ومقدار ما فيه من خَيالٍ.
أما بلاغتهُ من حيثُ الصورةُ الكلاميةُ الّتي يوضع فيها، فمتفاوتةٌ أيضاً.
فأقلُّ التشبيهاتِ مرتبة في البلاغة ما ذُكرتْ أركانهُ جميعُها، لأنَّ بلاغةَ التشبيهِ مبنيةٌ على ادعاءِ أنَّ المشبَّهَ عينُ المشبَّهِ به، ووجودَ الأداةِ، ووجهَ الشبه معاً، يَحُولانِ دُون هذا الادّعاءِ; فإذا حذفتِ الأداةُ وحدَها، أو وجهُ الشبَّهِ وحدَهُ، ارتفعتْ درجةُ التشبيهِ في البلاغةِ قليلاً، لأنَّ حذفَ أحدَ هذين يُقوّي ادعاءَ اتحادِ المشبَّه والمشبَّه به بعضَ التقويةِ ـ أمَّا أبلغُ أنواعِ التشبيهِ «فالتشبيهُ البليغُ»، لأنه مبنيٌّ على ادعاءِ أنَّ المشبَّهَ و المشبَّهَ به شيءٌ واحدٌ.
هذا ـ وقد جرَى العربُ والمُحدَثون على تشبيهِ: الجوادِ بالبحرِ والمطرِ، والشجاعِ بالأسدِ، والوجهِ الحسنِ بالشمسِ و القمرِ، والشهمِ الماضي في الأمور بالأحلامِ ،والوجهِ الصبيحِ بالدينارِ، والشَّعرِ الفاحمِ بالليلِ، والماءِ بالسيفِ، والعالي المنزلةِ بالنَّجمِ، والحليمِ الرَّزينِ بالجبَلِ، والأمانِي الكاذبةِ بالعنقاءَ، والماءِ الصافي باللُّجَيْنِ، والليلِ بموجِ البحرِ، والجيشِ بالبحرِ الزَّاخرِ،والخَيْلِ بالرِّيحِ والبَرْقِ، والنجومِ بالدُّررِ والأزهارِ، والأسنانِ بالبَرَدِ واللؤلؤِ، والسفنِ بالجبالِ، والجداولِ بالحيَّاتِ المُلتويةِ، والشيبِ بالنهارِ ولَمعِ السيوفِ، وغُرَّةِ الفرسِ بالهلالِ، ويشبِّهونَ الجبانَ بالنَّعامةِ والذبابةِ، واللئيمَ بالثعلبِ، والطائشَ بالفرَاشِ، والذليلَ بالوَتدِ، والقاسيَِ بالحديدِ والصخرِ، والبليدِ بالحمارِ، والبخيلِ بالأرضِ الُمجْدِبةِ.
الأسئلةُ :
-عرفْ علمَ البيان لغةً واصطلاحاً
-ما هو موضوعُ علم البيان ؟
-ما فائدةُ علم البيان وثمرته ؟
-عرف التشبيهَ لغةً واصطلاحاً وهاتِ مثالا عليه
-عدد أركانَ التشبيهِ مع التمثيل
-بين أربعاً من فوائدِ التشبيه
-بين صور قوعِ التشبيه البليغ مع التمثيل
-هات مثالا يدلُّ على بلاغة التشبيه
-
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .