انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

علم البيان

الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم علوم القرآن     المرحلة 1
أستاذ المادة عدوية عبد الجبار كريم الشرع       6/16/2011 8:48:17 AM

علمُ البيانِ
-البيانُ لغةً : الكشفُ، والإيضاحُ، والظهُّورُ
            
واصطلاحاً: أصولٌ وقواعدُ، يعرفُ بها إيرادُ المعنَى الواحدِ، بطرقٍ يختلفُ بعضُها عن بعضٍ، في وُضوحِ الدّلالةِ العقليةِ على نفسِ ذلك المعنَى، فالمعنَى الواحدُ يُستطاعُ أداؤهُ بأساليبَ مُختلفةٍ، في وضوحِ الدّلالةِ عليه فإنكَ تقرأُ في بيانِ فضلِ العلمِ - مثلا - قولَ الشاعر:
              
العلمُ ينهضُ بالخسيسِ إلى العلَى… والجهلُ يقعدُ بالفتَى المنسوبِِ
وكقول الشاعر :
                 
تَعَلَّمْ، فَلَيْسَ المَرْءُ يُولَدُ عالِماً ... ولَيْسَ أَخُو عِلْمٍ كمَنْ هو جاهِلُ
ثمَّ تقرأُ في المعنى نفسِه،ما نسبَ للإمامِ عليٍّ رضي الله عنه(3): العلمُ نهرٌ، والحكمةُ بحرٌ، والعلماءُ حولَ النهّرَ يطوفونَ،والحكماءُ وسطَ البحرِ يغوصونَ، والعارفونَ في سفنِ النّجاةِ يسيرونَ.
فتجدُ أنَّ بعضَ هذه التراكيبَ أوضحُ من بعضٍ، كما تراه يضعُ أمام عينيكَ مشهداً حسياً، يقرَّبُ إلى فهمك ما يُريدُ الكلام عنه من فضلِ العلمِ.
فهو: يشبِّههُ بنهرٍ، ويشبِّهُ الحكمةَ ببحرِ.
ويصورُ لك أشخاصاً طائفين حول ذلك النهرِ همُ العلماءُ.
ويصورُ لك أشخاصاً غائصينَ وسطَ ذلك البحر ِهمُ الحكماءُ.
ويصورُ لك أشخاصاً راكبين سفناً ماخرةً في ذلك البحرِ للنجاةِ من مخاطرِ هذا العالمِ هم أربابُ المعرفةِ.
ولا شكَّ أنَّ هذا المشهدَ البديعَ يستوقفُ نظركَ، ويستثيرُ إعجابكَ من شدَّةِ الرَّوعةِ والجمالِ المُستمدَّةِ من التشبيهِ، بفضل البيانِ الذي هو سرُّ البلاغةِ.
- وموضوع ُ هذا العلمِ: الألفاظُ العربيةُ، من حيثُ التشبيهُ، والمجازُ، والكنايةُ.
- وواضعُهُ: أبو عبيدةَ الذي دَوّنَ مسائلَ هذا العلمِ في كتابهِ المُسمَّى مجازَ القرآنِ، وما زال ينمو شيئاً فشيئاً، حتى وصلَ إلى عبد القاهر الجرجانيِّ فأحكمَ أساسَهُ، وشيَّدَ بناءَه، ورتَّبَ قواعدَهُ، وتبعَهٌ الجاحظُ، وابنُ المعتزّ وقُدَامةُ بن جعفر وأبو هلالٍ العسكريِّ.
- وثمرتُهٌ: الوقوفُ على أسرارِ كلامِ العربِ منثورِه ومنظومِه ،ومعرفةُ ما فيه من تفاوتٍ في فنونِ الفصاحةِ، وتبايُنٍ في درجاتِ البلاغةِ التي يصلُ بها إلى مرتبةِ إعجازِ القرآنِ الكريمِ، الذي حارَ الجنُّ والإنسُ في مُحاكاتهِ وعجزوا عن الإتيانِ بمثلهِ.
وفي هذا الفنِّ أبوابٌ ومباحثُ.
- في التشبيهِ
-تمهيدٌ :
    للتّشبيهِ روعةٌ وجمالٌ، وموقعٌ حسنٌ في البلاغةِ، وذلكَ لإخراجهِ الخفيَّ إلى الجليِّ، وإدنائهِ البعيدَ منَ القريبِ، يزيدُ المعاني رفعةً ووضوحاً، ويكسبُها جمالاً وفضلاً، ويكسوها شرفاً ونُبلاً، فهو فنٌّ واسعُ النطاقِ، فسيحُ الخطوِ، ممتدُ الحواشي، مُتَشعبُ الأطرافِ ، مُتوعرُ المسلكِ، غامضُ المدركِ، دقيقُ المجرَى ،غزيرُ الجدَوى.

 

       ومنْ أساليبِ البيانِ أنكَ إذا أردتَ إثباتَ صفةٍ لموصوفٍ، مع التوضيحِ، أو وجهٍ من المبالغةِ، عمدتَ إلى شيءٍ آخرَ، تكونُ هذه الصفةُ واضحةً فيه، وعقدتَ بين الاثنينِ مماثلةً، تجعلُها وسيلةً لتوضيحِ الصفةِ، أو المبالغةِ في إثباتها ، لهذا كان التشبيهُ أولَ طريقةٍ تدلُّ عليهِ الطبيعةُ لبيانِ المعنَى.
-تعريفُ التشبيهِ :
 
التشبيهُ: لغةً التمثيل ُ ، قالَ: هذا شبهُ هذا ومثيلُه .
 
والتشبيهُ اصطلاحاً: عقدُ مماثلةٍ بينَ أمرينِ أو أكثرَ ، قصِدَ اشتراكهُما في صفةٍ أو أكثرَ، بأداةٍ لغرضٍ يقصُدهُ المتكلِّمُ للعلمِ، قال المَعَرِّى في الْمَديح :
              
أَنْتَ كالشَّمْس في الضِّياءِ وإِن جا … …وَزْتَ كيوانَ فِي عُلُوّ المكانِ
وأركانُ التشبيهِ أربعةٌ:
(1)- المُشبَّهُ: هو الأمر ُالذي يُرادُ إلحاقَهُ بغيرهِ ،
(2)- المُشبَّهُ به: هو الأمرُ الذي يُلحَقُ بهِ المشبَّهُ، وهذانِ الركنانِ يسميانِ طرفي التشبيهِ .
(3)- وجهُ الشبهِ: هو الوصفُ المشترَكُ بينَ الطرفينِ، ويكونُ في المشبَّهِ به أقوَى منهُ في المشبَّهِ ، وقد يُذكرُ وجهُ الشَّبهِ في الكلامِ، وقد يُحذَفُ كما سيأتي توضيحُه.
(4)- أداة ُالتَّشبيهِ: هي اللفظُ الذي يدلُّ على التشبيهِ، ويربطُ المشبَّهَ بالمشبَّهِ به، وقد تَُذكرُ الأداةُ في التشبيهِ، نحو: كان عمرُ في رعيَّتهِ كالميزان ِفي العدلِ، وكان فيهم كالوالدِ في الرحمةِ والعطفِ.
وقدْ تحذفُ الأداةُ ، نحو: خالدٌ أسدٌ في الشجاعةِ.
-----------------
-في تقسيمِ طرفي التشبيهِ إلى حِسيٍّ وعقليٍّ :
طرفا التشبيهِ، المشبَّهُ والمشبَّهُ به.
إمَّا حسيَّانِ ،أي مدركانِ بإحدى الحواسِّ الخمسِ الظاهرةِ، نحو: أنتَ كالشمسِ في الضياءِ.
وإمَّاعقليانِ ،أيْ مدركانِ بالعقلِ، نحو: العلمُ كالحياةِ، ونحو: الضلالُ عن الحقِّ كالعمَى ونحو: الجهلُ كالموتِ.
وإمَّامختلفانِ ، بأنْ يكونَ المشبَّهُ حسيٌّ، والمشبَّهُ بهِ عقليٌّ، نحو: طبيبُ السوءِ كالموتِ، أو بأنْ يكونَ المشبَّهُ عقليٌّ والمشبَّهُ به حسيٌّ، نحو : العلمُ كالنورِ.
واعلمْ أنَّ العقليَّ هو ما عدا الحسيِّ، فيشملُ المدركُ ذهناً: كالرأيِ، والخلقِ، والحظِّ، والأملِ، والعلمِ، والذكاءِ، والشجاعةِ.
ويشملُ أيضاً الوهميَّ، وهو ما لا وجودَ لهُ، ولا لأجزائهِ كلِّها، أو بعضِها في الخارجِ، ولو وُجدَ لكانَ مدركاً بإحدَى الحواسِّ.
ويشملُ الوجدانيَّ: وهو ما يدركُ بالقوى الباطنةِ، كالغمِّ، والفرحِ، والشبعِ، والجوعِ، والعطشِ، والريِّ.
فالحسيانِ يشتركانِ في الأمور التالية :
1 - في صفةٍ مبصرةٍ، كتشبيهِ المرأةِ بالنهارِ في الإشراقِ، والشَّعرِ بالليلِ في الظلمةِ والسوادِ، كما في قولِ الشاعر:
                     
فرعاءُ تسحبُ من قيامٍ شعرَها وتغيبُ فيهِ وهو ليلٌ أسحمُ
فكأنها فيه نهارٌ مشرقٌ وكأنه ليلٌ عليها مظلِمُ
2 - أو في صفةٍ مسموعةٍ، نحو: غرَّدَ تغريدَ الطيورِ، ونحو: سجعَ سجعَ القمريِّ ،ونحو:أنِّ أنينَ الثكلَى، ونحو: أسمعُ دويًّا كدويِّ النحلِ، وكتشبيهِ إنقاض الرحلِ بصوتِ الفراريجِ في قول الشاعر:
      
كَأَنَّ أَصْوَاتَ مِنْ إِيغَالِهِنَّ بِنَا أَوَاخِرِ الْمَيْسِ إِنْقَاضُ الْفَرَارِيجِ
وكتشبيهِ الأصواتِ الحسنةِ في قراءة القرآن الكريمِ بالمزاميرِ.
3- أو في صفةٍ مذوقةٍ، كتشبيهِ الفواكهِ الحلوةِ بالعسلِ
4 - أو في صفةٍ ملموسةٍ، كتشبيهِ الجسمِ بالحريرِ ، كما في قول ذي الرمة :
      
لها بَشَرٌ مثلُ الحَريرِ ومَنْطِقٌ ... رَخِيمُ الحَوَاشِي لا هُرَاءٌ ولا نَزْرُ
أو في صفةٍ مشمومةٍ، كتشبيهِ الريحان بالمسكِ، والنكهةِ بالعنبرِ.
---------------
-في تقسيم طرفي التشبيهِ: باعتبارِ الإفرادِ، والتركيبِ
طرفا التشبيهِ، المشبَّهُ والمشبَّهُ به:
1 - إمَّا مفردانِ مطلقانِ ، نحو: ضوءُهُ كالشمسِ،وخدُّه ُكالوردِ.
أو مقيَّدانِ ،نحو: الساعي بغيرِ طائل ٍ كالرَّاقمِ على الماءِ.
أو مختلفان ،ِنحو: ثَغرهُ كاللؤلؤِ المنظومِ، ونحو: العين ُالزرقاءُ كالسنانِ.
وإمَّا مركبانِ تركيباً لم يمكنْ إفرادُ أجزائهما، بحيثُ يكون المركَّبُ هيئةً حاصلةً من شيئينِ، أو منْ أشياءَ تلاصقتْ حتى اعتبرها المتكلِّمُ شيئاً واحداً، وإذا انتُزعَ الوجهُ من بعضِها دون بعضٍ، اختلَّ قصدُ المتكلِّمِ من التشبيهِ، كقول الشاعر:
      
كأنّ سُهَيْلاً والنجومَ أمامَهُ ... يعارِضُها راعٍ وراءَ قَطِيع
إذا قيل: كأن سهيلا أمام، وكأن النجوم قطيعٌ، لذهبتْ فائدة ُالتشبيهِِ.

 

 

2 - أو مركبانِ تركيباً إذا أُفردتْ أجزاؤهُ زالَ المقصودُ من هيئة ِ«المشبَّهِ بهِ» ،كما ترى في قول الشاعر الآتي حيثُ شبَّهَ النجومَ اللامعةَ في كبدِ السماءِ، بدرِّ منتثرٍ على بساطٍ أزرقَ.
وكأنَّ أجرامَ السماء لوامعا دررٌ نثرن على بساط أزْرق
إذ لو قيلَ: كأنَّ النجومَ دُررٌ، وكأنَّ السماءَ بساطٌ أزرقُ، كان التشبيهُ مقبولاً، لكنهُ قد زالَ منه المقصودُ بهيئةِ المشبَّهِ به.
3 - وإمَّا مفردٌ بمركبٍ: كقول الخنساء:
               
أغرُّ أبلجُ تأتمُّ الهداة به ... كأنه علمٌ في رأسه نارُ
4- وإمَّا مركَّبٌ بمفردٍ، نحو: الماءُ المالحُ كالسُّمِّ .
واعلمْ أنهُ متى رُكِّبَ أحدُ الطرفينِ لا يكادُ يكون الآخرُ مفرداً مطلقاً، بل يكونُ مركباً،أو مفرداً مقيَّداً، ومتى كان هناك تقييدٌ أو تركيبٌ كان الوجهُ مركباً،ضرورةَ انتزاعه من المركَّبِ، أو من القيد والمقيَّد.
=================
-في تقسيم طرفي التشبيه: باعتبار تعددهما
ينقسِمُ طرفا التشبيهِ، المشبَّهِ والمشبَّهِ به باعتبارِ تعدُّدِهما، أو تعدُّدِ أحدهِما،إلى أربعةِ أقسامٍ: ملفوفٌ، ومفروقٌ، وتسويةٌ، وجمعٌ.
1 - فالتشبيهُ الملفوفُ: هو جمعُ كلِّ طرفٍ منهما مع مثلِه، كجمعِ المشبَّهِ مع المشبَّهِ، والمشبَّهِ به معَ المشبَّهِ به، بحيثُ يؤتَى بالمشبَّهاتِ معاً على طريقِ العطفِ، أو غيره، ثم يؤتَى بالمشبَّهات بها كذلك أو بالعكسِ ،كقول الشاعر:
          
ليلٌ وبدرٌ وغصنٌ شعرٌ ووجهٌ وقدَُّ
          
خمرٌ ودرٌّ و وردٌ ريقٌ وثغرٌ وخدُّ
وكقول البحتريِّ:
             
تَبَسّمٌ، وَقُطوبٌ، في نَدًى وَوَغًى، كالبرْقِ وَالرّعدِ وَسطَ العارِض البرِدِ
وكقول الشعر :
      
وضوء الشهب فوق الليل باد كأطراف الأسنة في الدروع
فإنَّ المشابهةَ بين الكواكبِ والأزهارِ لا تغيبُ عن كثيرٍ من الناس، أما التشابهُ بين النجومِ وبين أطرافِ الأسنَّةِ اللامعةِ عند نفوذِها في الدروعِ لا يحومُ عليه إلا خيالٌ بارعٌ .
2 - والتشبيهُ المفروقُ: هو جمعُ كلِّ مشبَّهٍ مع ما شُبِّهَ به، كقول الشاعر:
   
النَّشْرُ: مِسْكٌ والوُجُوهُ دَنَا ... نِيرُ وأَطْرَافُ البَنَانِ عَنَمْ
3 - وتشبيهُ التسويةِ: هو أن يتعددَ المشبَّهُ دون المشبَّهِ به ،كقول الشاعر:
                   
صُدْغُ الحَبيبِ وحالِي ... كِلاهُمَا كاللَّيَالي
             
وثغرهُ في صفاءٍ ... وأدمعي كاللآلي
سميَ بذلك: للتسويةِ فيه بين المشبَّهاتِ.
4 - والتشبيهُ الجمعٌ: هو أن يتعددَ المشبَّهُ به دون المشبَّهِ، كقول البحتريِّ :
          
كأنما يبسمُ عن لؤلؤٍ ... مُنَضُّدٍ أو بَرَدٍ أو أقاحْ
سميَ بتشبيهِ الجمعِ للجمعِ فيه بين ثلاثِ مشبَّهاتٍ به ،وكقول الشاعر:
       
بدَا ورَنَتْ لواحظُهُ دلالاً ... فما أَبهى الغَزالَةَ والغَزَالا
==================
- في تقسيمِ التشبيهِ باعتبارِ وَجهِ الشَّبهِ
وجهُ الشبهِ: هو الوصفُ الخاصُّ الذي يقصَدُ اشتراكُ الطرفين فيه، كالكرم في نحو: خليلٌ كحَاتِم، ونحو: له سيرةٌ كالمسكِ، وأخلاقُه كالعنبرِ.
واشتراكُ الطرفينِ قد يكون ادِّعائياً بتنزيلِ التضادِّ منزلةَ التناسبِ، وإبرازِ الخسيسِ في صورةِ الشريفِ تهكُّماً أو تمليحاً ،ويظهرُ ذلك مِنَ المقامِ.
وينقسمُ التشبيهُ باعتبارِ وجهِ الشبَّهِ إلى:
1 - تشبيهُ تمثيلٍ: وهو ما كان وجهُ الشبَّهِ فيه وصفاً منتزَعاً من متعددٍ، حسِّياً كان أو غيرَ حسِّيٍّ، كقول الشاعر لبيد :
             وما المَرْءُ إِلاَ كالشِّهَابِ وضَوْئِهِ ... يَحُورُ رَمَاداً بَعْدَ إِذْ هُوَ ساطِعُ

 

   فوجهُ الشبَّهِ سرعةُ الفناءِ انتزعَهُ الشاعرُ من أحوالِ القمرِ المتعددةِ، إذ يبدو هلالاً، فيصيرُ بدراً، ثم ينقصُ، حتى يدركَه المحَاقُ.ويسمَّى تشبيه التمثيل.
2 -تشبيهٌ غيرُ تمثيلٍ: وهو ما لم يكنْ وجهُ الشبَّهِ فيه صورةً منتزعةً من متعددٍ، نحو: وجهُه كالبدرِ، ومثل قول الشاعر
                
لا تَطْلُبَنَّ بآلة لَكَ حاجةً … قَلمُ البليغ بغيْر حظٍّ مِغْزَلُ
فوجهُ الشبَّهِ قلةُ الفائدةِ، وليسَ منتزعاً من متعددٍ.
3 - مفصَّلٌ: وهو ما ذكر فيه وجهُ الشبَّهِ، أو ملزومُهُ، نحو: طبعُ فريدٍ كالنسيمِ رقَّةً، ويدُهُ كالبحرِ جوداً، وكلامُه كالدرِّ حسناً، وألفاظُهُ كالعسلِ حلاوةً، ومثل قول الشاعر :
            
يا شبيهَ البدرِ حُسْناً ... وضياءً ومنالا
           
وشبيهَ الغُصنِ ليناً ... وقواماً واعتدالا
4 -مجمَلٌ: وهو مالا يذكَرُ فيهِ وجهُ الشبَّهِ، ولا ما يستلزمُه، نحو: النحوُ في الكلامِ كالملحِ في الطعامِ.
فوجهُ الشبَّهِ هو الإصلاحُ في كلٍّ، ومثل قول الشاعر :
                  
إنما الدنيا بلاء ... ليس لدينا ثبوتُ
                  
إنما الدنيا كبيتٍ ... نسجتُه العنكبوتُ
                  
إنما يكفيك منها ... أيها الراغبُ قوتُ
           
واعلمْ أنَّ وجهَ الشبَّهِ المجملِ: إمَّا أنْ يكونَ خفيًّا، وإمَّا أنْ يكونَ ظاهراً، ومنه ما وصِفَ فيه أحدُ الطرفينِ أو كلاهُما بوصفٍ يشعرُ بوجهِ الشبَّهِ، ومنه ما ليسَ كذلك.
5 -قريبٌ مبتذَلٌ: وهو ما كان ظاهرُ الوجهِ يَنتقلُ فيه الذهنُ من المشبَّهِ إلى المشبَّهِ به، من غيرِ احتياجٍ إلى شدةِ نظرٍ وتأملٍ، لظهورِ وجهِه بادئَ الرأيِ،وذلك لكونِ وجهُهُ لا تفصيلَ فيه: كتشبيهِ الخدِّ بالوردِ في الحمرةِ، أو لكونِ وجهُهُ قليلَ التفصيلِ، كتشبيهِ الوجهِ بالبدرِ في الإشراق أو الاستدارةِ، أو العيونِ بالنرجسِ.
وقد يتصرَّفُ في القريبِ بما يخرجُه عن ابتذالهِ إلى الغرابةِ، كقول الشاعر :
            
لم تَلْقَ هَذا الوَجْهَ شَمسُ نَهارِنَا إلاّ بوَجْهٍ لَيسَ فيهِ حَيَاءُ
فإنَّ تشبيهَ الوجهِ الحسنِ، بالشَّمسِ: مبتذلٌ، ولكنَّ حديثَ الحياءِ أخرجه إلى الغرابةِ.
وقد يخرجُ وجهُ الشبَّهِ من الابتذالِ إلى الغرابةِ، وذلك بالجمعِ بين عدةِ تشبيهاتٍ، كقول الشاعر :
              
كأنما يبسمُ عن لؤلؤٍ ... مُنَضُّدٍ أو بَرَدٍ أو أقاحْ
أو باستعمالِ شرطٍ، كقول الشاعر:
              
عَزَماتهُ مِثْلُ النُّجُوم ثَواقِباً ... لو لم يكن للثَّاقِبَاتِ أفُولُ
6 - بعيدٌ غريبٌ: وهو ما احتاجَ في الانتقالِ من المشبَّهِ إلى المشبَّهِ به، إلى فكرٍ وتدقيقِ نظرٍ، لخفاءِ وجهِه بادئَ الرأي ، كقول ابن المعتزِّ :
               
والشَّمْسُ كالمِرْآة في كَفِّ الأَشَلّْ مُقَلدَّاتِ القِدِّ يَقْرُونَ الدَّغَلْ
فإنَّ الوجهَ فيه: هو الهيئةُ الحاصلةُ من الاستدارةِ مع الإشراقِ، والحركةُ السريعةٌ المتصلةُ مع تموِّج الإشراقِ، حتى ترى الشعاعَ كأنه يهمُّ بأنْ ينبسطَ حتى يفيضَ من جوانبِ الدائرةِ; ثم يبدو له فيرجعُ إلى الانقباضِ.
وحكمُ وجهِ الشبهِ أنْ يكونَ في المشبَّهِ به أقوى منهُ في المشبَّهِ، وإلا فلا فائدةَ في التشبيهِ.
================
 
- في التشبيه التمثيليِّ
*-تشبيهُ التمثيلِ: أبلغُ من غيره، لما في وجههِ من التفصيلِ الذي يحتاجُ إلى إمعانِ فكرٍ، وتدقيقِ نظرٍ، وهو أعظمُ أثراً في المعاني: يرفعُ قدرها، ويضاعفُ قواها في تحريكِ النفوس لها، فإنْ كان مدحاً كان أوقعَ، أو ذمًّا كان أوجعَ، أو بُرهانا كان أسطعَ، ومن ثَمَّ يحتاجُ إلى كدِّ الذهنِ في فهمِه، لاستخراجِ الصورةِ المنتزعَة من أمورٍ متعدِّدةٍ، حسِّيةٍ كانتْ أو غيرَ حسِّيةٍ، لتكوِّنَ (وجهَ الشبهِ) - كقول الشاعر :
            ولاحتِ الشمسُ تحكي عند مطلعِها مرِآةَ تبرٍ بدتْ في كفِّ مرتعِشِ
فمثّلَ الشمسَ حين تطلُع حمراءً لامعةً مضطربةً، بمرآةٍ من ذهبٍ تضطربُ في كفِّ ترتعِشُ.
وتشبيهُ التمثيلِ نوعانِ:
الأولُ- ما كانَ ظاهرَ الأداةِ، نحو قوله تعالى : (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ) [الجمعة/5] فالمشبَّهُ: همُ الذين حُمّلوا التوراةَ ولم يعقلوا ما بها: والمشبَّهُ به (الحمارُ) الذي يحملُ الكتبَ النافعةَ، دونَ استفادتهِ منها، والأداةُ الكافُ، ووجهُ الشبَّهِ (الهيئةُ الحاصلةُ منَ التعبِ في حملِ النافعِ دونَ فائدةٍ.

 

الثاني- ما كانَ خفيَّ الأداةِ: كقولكَ للذي يتردّدُ في الشيء بينَ أن يفعلَهُ، وألاّ يفعلَهُ (أراكَ تقدِّمُ رِجلاً وتُؤخِّرُ أخرَى) ، إذِ الأصلُ أراكَ في ترددكَ مثلَ مَنْ يقدِّم ُرجلاً مرةً، ثم يؤخّرُها مرة ًأخرى، فالأداةُ محذوفةٌ، ووجهُ الشبهِ هيئةُ الإقدامِ والإحجامِ المصحوبينِ بالشَكَِّ.
--------------
- مواقعُ تشبيهِ التمثيلِ:
لتشبيهِ التمثيلِ موقعانِ:
(1)- أنْ يكونَ في مفتتحِ الكلامِ، فيكونُ قياساً موضِّحاً، وبرهانا مصاحِباً، وهو كثيرٌ جدًّاً في القرآن، نحو قوله تعالى : (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ [البقرة/261]).
(2)- ما يجيءُ بعد تمامِ المعاني، لإيضاحِها وتقريرِها، فيُشبهُ البرهانَ الذي تثبتُ بهِ الدَّعوى، نحو قول الشاعر لبيد:
                
وما المالُ والأَهْلوُنَ إلاّ وَدائِعٌ ... ولا بدَّ يوماً أَنْ تُرَدَّ الوَدائِعُ
ونحو قول الشاعر :
                         
لا ينزلُ المجدُ في منازلنا كالنّومِ ليسَ له مأوَى سوى المقَلُ
--------------
 
- تأثيرُ تشبيهِ التمثيلِ في النفسِ :
          إذا وقعَ التمثيلُ في صدر القولِ: بعثَ المعنى إلى النفسِ بوضوحٍ وجلاءٍ مؤيَّدٍ بالبرهانِ، ليقنعَ السامعَ ، وإذا أتى بعد استيفاءِ المعاني كانَ :
(1)- إمَّا دليلاً على إمكانِها، كقول المتنبي :
              
وما أنا مِنْهُمُ بالعَيشِ فيهم ولكنْ مَعدِنُ الذّهَبِ الرَّغامُ
لما ادَّعى أنه ليس منهم مع إقامتِه بينهم، وكان ذلك يكادُ يكونُ مستحيلاً في مجرى العادةِ، ضربَ لذلك المثلَ بالذهبِ، فإنَّ مقامَه في الترابِ، وهو أشرفُ منهُ .
(2)- وإمَّا تأييداً للمعنَى الثابتِ، نحو قول أبي العتاهية :
             
تَرجو النجاةَ ولم تَسْلُكْ مَسالكهَا ... إنَّ السفينةََ لا تَجْري عَلَى اليَبَس
وعلةُ هذا: أنَّ النفسَ تأنسُ إذا أخرجتَها من خفيٍّ إلى جليٍّ، ومما تجهلُه إلى ما هيَ به أعلمُ
ولذا تجدُ النفسُ منَ الأريحيةِ ما لا تقدُر قدرهُ، إذا سمعتْ قول أبي تمام :
            
وطولُ مُقامِ المرءِ في الحيِّ مُخْلِقٌ ...... لدِيباجَتَيهِ فاغتَرِبْ تَتَجَدَّدِ
           
فإنّي رَأيتُ الشّمسَ زيدتْ مَحَبَّةً ... إلى النّاسِ أنْ لَيْسَتْ عَلَيْهِمْ بِسَرْمَدِ
وبعدُ:
فالتمثيلُ يكسبُ القولَ قوةً، فإنْ كان في المدح كانَ أهزَّ للعطفِ، وأنبلَ في النفسَ ، وإنْ كان في الذمِّ كان وقعُه أشدَّ، وإنْ كان وعظاً كان أشفَى للصدرِ، وأبلغَ في التنبيهِ والزجرِ، وإنْ كان افتخاراً كان شأوهُ أبعدَ، كقول مَنْ وصفَ كأساً علاها الحبابُ :
           
وكأنها وكأنَّ حاملَ كأسِها إذ قام يجلوها على الندماءِ
         
شمسُ الضُّحى رقصتْ فنقَّطَ وجهُها بدرُ الدُّجى بكواكبِ الجوزاءِ
================
- في أدوات التشبيه
-أدواتُ التشبيهِ : هي ألفاظٌ تدلُّ على المماثلةِ وهي مؤلفة من حرفِ واسمِ وفعلِ :
الحرفُ وهو الكافُ وكأنَّ
الاسمُ كمثلِ ومثيلِ وشبهِ وشبيهِ وغيرهِما
   
الفعلُ ك يحكي، ويضاهي ،ويضارع، ويماثل ،ويساوي، ويشابه، وكذا أسماءُ فاعلها.
  
وهي إمَّا ملفوظةٌ، وإمَّا ملحوظةٌ، نحو جمالُه كالبدرِ، وأخلاقُه في الرقةِ كالنَّسيمِ، ونحو اندفعَ الجيشُ اندفاعَ السيلِ، أي كاندفاعِه.
الأصلُ في الكافِ، ومثلُ، وشبهُ، من الأسماءِ المضافة لما بعدها أن يليها المشبَّهُ به لفظاً أو تقديراً،نحو قوله تعالى: {وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ} (23) سورة الواقعة، ونحو قوله تعالى: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ } (24) سورة الرحمن ،وكقول الشاعر :
       
فَالوَجهُ مثل الصُبحِ مبيضٌ والفَرعُ مِثلَ اللَيلِ مُسوَدُّ
       ضِدّانِ لِما اسْتُجْمِعا حَسُنا وَالضِدُّ يُظهِرُ حُسنَهُ الضِدُّ

 

والأصل ُفي كأنَّ، وشابهَ، وماثلَ، وما يرادفها، أنْ يليه المشبَّهُ، نحو قوله تعالى : {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ} (24) سورة الطور، وقوله تعالى : {تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} (20) سورة القمر . وقوله تتعالى : {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ} (50) سورة المدثر ، وقوله تعالى : {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ } (65) سورة الصافات،و مثل قول الشاعر:
                      
كأنَّ الثُرَيَّا راحَة ٌ تَشُبرُ الدُّجى لتعلمَ طالَ اللَّيلُ لي أَم تعرَّضا
وكأنّ تفيدُ التشبيهَ إذا كانَ خبرُها جامداً، نحو: كأنَّ البحرَ مرآةٌ صافيةٌ.
وتفيد الشكَّ إذا كان خبرُها مشتقًّاً، نحو: كأنكَ فاهمٌ، ومثل قول الشاعر :
              
كأنكَ منْ كلِّ النفوسِ مُركبٌ ... فأنتَ إلى كلِّ النفوسِ حبيبُ
وقد يغني عن أداةِ التشبيهِ فعلٌ يدلُّ على حال التشبيهِ، ولا يعْتبرُ أداةً ،فإنْ كان الفعلُ لليقين، أفادَ قربَ المشابهةِ، لما في فعلِ اليقينِ من الدلالة على تيقنِ الاتحادِ وتحققهِ، وهذا يفيد التشبيهَ مبالغةً، نحو قوله تعالى : {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} (24) سورة الأحقاف، ونحو: رأيت ُالدنيا سراباً غرّاراً.
وإنْ كانَ الفعلُ للشكِّ أفادَ بُعدَها، لما في فعلِ الرجحانِ من الإشعارِ بعدمِ التحققِ، وهذا يفيد التشبيهُ ضعفاً،
كقوله تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا } (19) سورة الإنسان .
ونحو قول الشاعر:
                 
قومٌ إذا لبسوا الدروعَ حسبْتَها سُحُباً مزرَّرة ً على أقمارِ
=============


 


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .