منطوق النص
ويشمل :
1- المنطوق الصريح :
تعريفه : وهو ما دلّ عليه النص بألفاظه وعباراته دلالة لفظية وضعية مطابقةً أو تضمناً .
أمثلة المنطوق الصريح :
أ- قوله تعالى : ? والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبـلوا لهم شهادةً أبداً وأولئك هم الفاسقون ? [ النور:4] ، فهذه الآية الكريمة دلت بمنطوقها الصريح على أن للقاذف عقوبات ثلاث بدنية ، وأدبية ، وأخرى نفسية ، وهي :
1- الجلد ثمانين جلدة .
2- عدم قبول شهادته .
3- اتصاف القاذف بالفسق .
فكل من هذه الأحكام دلّ عليها النص القرآني ، وهي مستفادة بمنطوقه الصريح بشكل واضح . ودلالتها على هذه العقوبات الثلاث مجتمعةً دلالة مطابقية ، وعلى كل واحد منها ضمن المجموع دلالة تضامنية .
ب- وقوله تعالى : ? وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكـم من النساء مثنى وثلاث وربـاع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحـدة ? [ النساء:3] ، فالآية الكريمة دلت بمنطوقها الصريح على عدد من الأحكام من حيث دلالة عبارته :
1- إباحة الزواج .
2- إباحة تعدد الزوجات إلى أربع .
3- وجوب الاقتصار على زوجة واحدة إذا خيف عدم العدول عند التعدد .
فهذه الأحكام دلّ عليها ألفاظ النص القرآني دلالة ظاهرة ، وهي مستفادة من عبارة النص نفسه بشكل واضح . غير أن هذه الأحكام ليست كلها على صعيد السوق أصالةً ، فالحكم الأول مقصود تبعاً ، كما علم ذلك من أسباب النزول فيما رواه الطبري عن السدّي : أنهم كانوا يتشددون في اليتامى ، ولا يتشددون في النساء ، ينكح أحدهم النسوة فلا يعدل بينهن ، فنزلت الآية الكريمة . فالحكم المقصود تبعاً هو حل إباحة الزواج ، ذُكر ليتوصل به إلى المقصود أصالة وهما الثاني والثالث . والحكمين الثاني والثالث: إباحة التعدد ووجوب الاقتصار على واحدة عند خوف الجور ، هما المقصودان أصالة ، لأن الآية سيقت لمناسبة الأوصياء على القُصَّر الذين تحرجوا من قبول الوصاية خوف الجور في أموال اليتامى، فالله عزوجل نبههم إلى أن خوف الجور يجب أن يحول أيضاً بينكم وبين تعدد الزوجات .
ج- ومن ذلك قوله تعالى : ? إنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً ? [ النساء:10] ، فالآية الكريمة دلّت بمنطوقها الصريح أن من أشنع الظلم أكل أموال اليتامى ، ويستفاد من هذا أنه جريمة توجب عقاباً دينياً يوم القيامة ، وتوجب عقاباً دنيوياً يتولاه ولي الأمر بوضع عقوبة زاجرة ينفذها القضاء مع العقاب الأخروي .
2- المنطوق غير الصريح :
تعريفه : وهو ما دلّ عليه النص دلالة عقلية التزامية ، فهي عقلية : لأن مدرك الصلة بين الدال والمدلول هو العقل ، والتزامية : لأنه لازم للمنطوق الصريح ، فأينما تحقق يتحقق معه ، ويدرك ذلك كل من كان من ذوي الاختصاص في الموضوع .
أو هو عبارة عن دلالة النص على حكم خارج عن معنـاه الموضوع له ، ولكن يدل عليه دلالة عقلية التزامية لأنه تابع للمعنى الموضوع له .
والمنطوق غير الصريح ما تناوله اللفظ إشارةً،أو إقتضاءً،أو إيماءً .
أ- إشارة النص أو ( دلالة الإشارة ) :
وهي دلالة عقلية التزامية للنص على حكم تابع لمنطوقه الصريح ولازم له ، واللازم المساوي يستلزم ملزومه أينما تحقق ، وبناءً على ذلك يكون للنص الذي يدل على حكم دلالة إشارة منطوق صريح يدل عليه دلالة لفظية وضعية مطابقةً أو تضمناً ، وهذه الميزة تتميز بها النصوص مطلقاً سواء أكانت شرعية أم قانونية .
وبتعبير آخر : هي دلالة النص على المعنى الذي لا يتبادر فهمه من اللفظ ولا يقصد من السياق ، ولكنه لازم للمعنى المتبادر منه . أي أن دلالته عليه بطريق الالتزام ولكونه معنى التزامياً وغير مقصود من السياق كانت دلالة النص عليه بالإشارة لا بالعبارة .
وقد يكون وجه الالتزام ظاهراً وقد يكون خفياً ، ولهذا قال علماء الأصول : أن ما يشير إليه النص قد يحتاج فهمه إلى دقة نظر وكثرة تفكير ، ويمكن أن يفهم بأقل تأمل .
ومن أمثلة إشارة النص :
1- قوله تعالى: ? وعلى المولـود لـه رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف ? [ البقرة:233] ، فقد دلّ نص هذه الآية على وجوب نفقة الأم المرضعة ووليدها على الأب وحده ، أخذاً من الجملة الخبرية لفظاً ، الإنشائية معنىً .
ويفهم من إشارته أن الأب لا يشاركه أحد في وجـوب النفقة لولده عليه ، ذلك لأن ( اللام ) من?... له...? دالة على الملكية ، وبما أن الملكية في هذه الآية بالنسبة للموضوع متعذرة ، لأن الوالد لا يُعد مالكاً لولده ، لذا فإن ( اللام ) تحمل علـى أقرب معنى للملكية وهـو النسب أخذاً بقاعدة ( إذا تعذرت الحقيقة يصار إلى المجاز ) ، فالولد تابع لأبيه منسوب إليه. فدلالة هذه العبارة في الآية على أن النسب للوالد وليس للأم دلالة إشارة لأنها تدل عليه دلالة عقلية التزامية .
2- ومـن ذلك قولـه تعـالى فـي آية المداينة والأمر بكتابة الديون : ? يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علّمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق ? [ البقرة:282] ، فإن وصف الكتابة بالعدل يفهم منه بصريح اللفظ أن المكتوب يجب أن يكون صحيحاً ومطابقاً لإرادة المملي. ويفهم بطريق الإشارة أن المكتوب يكـون حجة علـى من أملاه بحيث لا يستطيع أن ينكر ما اشتمل عليه ما دام غير مزور .
3- ومـن ذلك قولــه تعالـى فـي سياق إباحــــة الزوجات : ? فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ? [ النساء:3] ، يفهم منه بالعبارة أنه لا يحل له دينياً ولا قضائياً أن يتزوج أكثر من واحدة ، إذا تأكد أنه لا يعدل بين أزواجه ، ويفهم بالإشارة أن العدل مع الزوجة واجب دائماً ، سواء كان متزوجاً واحدة ، أم كان متزوجاً أكثر من واحدة ، وإنّ ظلم الزوجة حرام .
4- ومن ذلك قوله تعالى : ? وشاورهم في الأمر ? [ آل عمران:159] فالآية أفادت بعبارتها النصية أن الحكم الإسلامي يقوم على الشورى بين جماعة المسلمين أو الحاكم والمحكوم ، ويفيد بطريق الإشارة والالتزام وجوب اختيار جماعة تمثل المسلمين وتستشار في أمورهم لأن تنفيذ الأمر ومشاورة الأمة يستلزم ذلك .
هذا ويلاحظ من هذه الأمثلة وغيرها أن إشارات النصوص هي معان التزامية منطقية تترتب على مدلولات العبارة ، وفي إدراكها تتفاوت العقول وتتفاوت الإفهام ، وأهل الخبرة في فهم الألفاظ الشرعية والقانونية هم المختصون باستخراج تلك المعاني الالتزامية ، فعبارة النصوص قد يفهمها الفقيه وغير الفقيه أما إشارات النصوص فإنه لا يفهمها إلا الفقيه في الشريعة أو القانون ، والفقيه في اللغة أيضاً ، فلا يمكن أن يتصدى لاستنباط الأحكام الشرعية والقانونية إلا من يكون عليماً باللسان العربي علماً يستطيع أن يدرك به أسرار ذلك اللسان ومراميه .