ثانياً : قواعد التفسير في حالات غموض الألفاظ القرآنية ودلالاتها على الأحكام :
يراد باللفظ الغامض أو اللفظ الغير الواضح هو« اللفظ الذي خفيت دلالته على الحكم خفاءً لذاته ، أو لعارض من غير الصيغة ، فتوقف فهم المراد منه على شيء خارجي غيره ، وقد يزول هذا الخفاء بالاجتهاد حيث يفهم المراد ، وقد يتعذر زواله إلا ببيان من الشارع » .
وكما قسّم علماء الأصول الألفاظ أو النصوص الواضحة الدلالة إلى أربعة أقسام تتفاوت مراتبها في الوضوح والثبات ، كذلك قسّموا الألفاظ أو النصوص الغير واضحة الدلالة أو الغامضة إلى أربعة أقسام حسب تسلسلها الصعودي في الخفاء والإبهام ، وهذه الأقسام هي :
1- الخفي 2- المشكل 3- المجمل 4- المتشابه
وسنعرض لهذه الأقسام ومراتبها في الخفاء والإبهام أو الغموض مع الأمثلة التطبيقية ، لنرى أثر ذلك في منهج التفسير وفهم النصوص .
1- الخفي :
تعريفه : هو لفظ أو كلام استتر معناه المراد لا لصيغته بل لعارض .
قال البزدوي في الأصول : « الخفي : هو ما اشتبه معناه ، وخفي مراده بعارض غير الصيغة لا ينال إلا بالطلب » .
وقال السرخسي : « هو اسم لما اشتبه معناه ، وخفي المراد منه بعارض في الصيغة ، يمنع نيل المراد بها إلا بالطلب » .
منشأ الإبهام في الخفي :
إنّ منشأ الإبهام في الخفي : أن يكون للفرد المراد إعطاؤه الحكم اسم خاص به ، أو أنه ينقص صفة ، أو يزيد صفة عن سائر الأفراد .
فهذه التسمية الخاصة ، أو الزيادة والنقص ، تحيطه بالاشتباه ، فيصبح ذلك اللفظ الظاهر في الدلالة على معناه خفياً بالنسبة إلى هذا الفرد المطلوب معرفة حكمه ، لأن هذا الفرد لا يدرك من اللفظ ذاته ، أنه مما يتناوله ذلك اللفظ ، بل لا بد للوصول إلى ذلك من أمر خارجي .
وطريقة إزالة الإبهام في الخفي : هو نظر المجتهد ، وعماد ذلك الرجوع إلى النصوص المتعلقة بالمسألة المرادة بالحكم ، ومراعاة التعليل ومقاصد الشريعة .
وإنّ اختلاف الفقهاء والقضاة في تفسير القوانين الحديثة مـن هذا القبيل ، وهو أن يكون النص في ذاته واضحاً في مفهوم ألفاظه ، ولكن يخفى في بعض القضايا شموله لها ، فيكون عمل القاضي أو الفقيه الاجتهاد بالموازنة بين المعنى الذي تدل عليه ألفاظ النص ، والمعنى الذي يكون في الموضوع الذي اشتبه شمول النص عليه ، فإن اتحدت المعاني أو تقاربت حُكِمَ بموجب النص ، وإن تباعدت المعاني لا يطبق النص ، وذلك كثير في القوانين الحديثة ، ولذلك اختلفت نظريات التفسير بين الفقهاء ، واختلفت أنظار رجال القضاء .
ومن أمثلة الخفي :
ما جاء في شأن حد السرقة في قوله تعالى : ? والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ? [ المائدة: 38] ، فلفظ ?السارق? وهو الذي يأخذ مال الغير خفيةً من حرز مثله ، فكل من انطبق على تصرفه هذا التعريف يعتبر سارقاً .
ولكن هل ينطبق هذا المعنى على الطرّار ( النشال) الذي يأخذ مال غيره في يقظتهم بنوع من الخِفة على حين غفلة منهم ؟ فهو لا يستعمل الكلام أو البعد عن الأنظار ، ولكن يستغل الغفلة ومهاراته . فهل يأخذ هذا الطرّار حكم السارق ؟ وكذلك الحال في النبّاش الذي ينبش القبور ليأخذ أكفان الموتى ؟ ..
وقد اختلف الفقهاء في اعتبار هذين من السرّاق ، لأن لهما اسماً غير اسم السارق ، فلا يدعون سارقين ، إذ ما دام لهم عنوان غير السرقة فإنهم لا يدخلون في عموم كلمة السارق ، ومن جهة ثانية فإن الطرّار يأخذ في غير خفية ، وإن كان الناس لا يشعرون ولا يحسّون ، فالخِلسة ناشئة عن عدم التيقظ ، لا من أصل العمل ، وكذلك النبّاش لا يطلق عليه اسم سارق ، وما يسرقه لا يعد مملوكاً لحي ، وما دام حد السرقة لا يقام إلا بالخصومة ، والخصومة تقضي مالكاً ، ولا ملكية لميت ، فلا يمكن إقامة الحد ، ولا يمكن أن الفعل يُعد سرقة ، وإن كان في ذاته إثماً ، وفوق ذلك فإن الكفن لا يُعد في حرز ، حتى يُعد آخذه سارقاً .
وبهذا النظر أخذ بعض الفقهاء ، فلم يطبّق نص اللفظ الذي يوجب حد السرقة على النبّاش والطرّار .
وذهب البعض الآخر من الفقهاء إلى أن كلمة السارق يدخل في عمومها النبّاش والطرّار لتحقق معنى السرقة من كليهما .
ولإزالة هذا الخفاء ، كان لا بد من النظر والتأمل ، وذلك ليعم ما إذا كان في الاسم الخاص زيادة على معنى السرقة فيحكم على الجاني بالحد « الذي هو القطع » أم كان فيه نقص عن معناه ، فيكون التعزير هو العقوبة لعدم استيفاء الشروط التي توجب حد القطع على السارق .
فوجد في الطرّار : أنه سارق وزيادة ، فإذا كان السارق يسرق والأعين نائمة ، فالطرّار (النشّال) يسرق والأعين يقظة ، يساعده في ذلك مهارة مكره ودهائه ، وذلك ينبئ عن مبالغته في جريمته التي هي السرقة ، مما يجعله أكثر خطراً من أي سارق .
ولذا.. كان حكم الطرّار حكم السارق في قوله تعالى : ? والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ? .
حكم الخفي : هو وجوب الاجتهاد والنظر لإزالة خفائه .
وفيما ذكرنا في مثال الخفي : إن الإبهام يزول بالبحث والتأمل والنظر والاجتهاد ، لأن الخفاء لم يكن من ذات الصيغة ، وإنما كان لعارض .
لذا .. كان الخفي أقل أنواع المبهم خفاءً ، فهو يقابل الظاهر الذي هو أقل مراتب الواضح ظهوراً .
تنـبيه : مما سبق ذكره من الأمثلة يتبين أن الخفاء لم يكن في أصل النص ، بل من حيث تطبيقه على الحوادث أو الأفراد الخارجة عنه .