النص
تعريفه : هو اللفظ أو الكلام الذي يكون أكثر وضوحاً من الظاهر في الدلالة على المراد،بسبب أنه سيق أصالة لهذا المراد. ومن أمثلة النص : أ- قوله تعالى: ? فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ?
[ النساء :3] فانه نص في تحديد الحد الأعلى لعدد الزوجات ، وقصر هذا العدد على أربع، وهـذا الحكم الذي نذكره هو مما قصد مـن السياق ، فزاده ذلك القصد وضوحاً على الظاهر ، وهو حل النكاح ، وكانت هذه الزيادة بمعنى من المتكلم سبحانه ، لا بمعنى في الصيغة نفسها .
ب-وقوله تعالى : ? والمطلقـات يتربصن بأنفسهن ثلاثــة قروء ?
[ البقرة:228] فهو نص في دلالته على وجوب اعتداد المطلقة ثلاثة قروء ، لأن الكلام سيق لبيان حكم الله في جميع المطلقات من ذوات الإقراء وهو وجوب أن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ، أي تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها إياها ثلاثة قروء ، ثم تتزوج إن شاءت .
ويدخل في ذلك غير الزوجة المدخول بها ، إلى أن يؤول النص بقيام دليل يرجّح غير هذا المعنى الظاهر الذي يشمل غير المدخول بها .
ج- وقوله تعالى : ? الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ?
[ النور :2] فهذه الآية نص في تحديد عقوبة الزانية والزاني بجلد كل واحد منهما مائة جلدة ، لأنها شرع في تحديد العقوبة للزانية والزاني ، لكنها ظاهرة في جلد كل من ارتكب جريمة الزنا .
وأن النص في دلالته على الحكم أقوى من الظاهر ، ولذلك إذا تعارض مع الظاهر قُدم في العمل عليه ،وهو يقبل التخصيص كالظاهر ، ويقبل التأويل ، ويقبل النسخ أيضاً .
وهكذا يتبين من المقارنة بين الظاهر والنص في هذه الأمثلة ، والأمثلة التي وردت في الظاهر أن موجب النص ، هو موجب الظاهر ، ولكن النص يزداد وضوحاً على الظاهر ، فيما يرجع إليه الوضوح والبيان ، بمعنىً عُرِف من المتكلم ، ويعرف ذلك عند المقابلة بينهما ، ففي هذا الحال يكون النص أولى من الظاهر في الدلالة .
حكم النص : وحكم النص هو وجوب العمل بمقتضاه بما دلّ عليه ، حتى يقوم دليل التخصيص أو التأويل أو النسخ في عهد النبوة ، علماً بأن الاحتمال في النص أبعد منه في الظاهر ، لما زاد عليه من الوضوح بتلك القرينة .
ولكون النص أقوى في دلالته من الظاهر ،فإذا تعارض الظاهر مع النص أُخذ بالنص فقط كما بينا ، إذ الأقوى دلالة يقدم على غيره .
3- المفسر :
تعريفه : هو اللفظ أو الكلام الذي يدل على الحكم دلالة واضحة ، أو هو مما ازداد وضوحاً على النص لعدم احتماله للتخصيص أو التأويل ، ولكنه مما يقبل النسخ في عهد النبوة .
وقد عرفه السرخسي بأنه : « اسم للمكشوف الذي يعرف المراد به مكشوفاً على وجه لا يبقى معه احتمال للتأويل » .
وإن اللفظ المفسر أقوى في دلالته على المعنى من الظاهر والنص ، فإنه لا يحتمل التأويل ، ولا يحتمل التخصيص ، ولكنه يحتمل النسخ ، بينما ( الظاهر والنص ) فإن احتمال التأويل أو التخصيص قائم فيهما ، ولذا لو تعارض المفسَّر مع واحد من هذين النوعين قُدم عليه .
ومن أمثلة المفسر :
أ- قوله تعالى في حد القذف : ? والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً ? [ النور:4] وقوله تعالى في حد الزنا : ? الزانـية والزاني فاجلدوا كل واحــد منهما مائــة جلدة ?
[ النور:2] فكل من لفظ « ثمانين » و « مائة » عدد ، والعدد لا يحتمل الزيادة ولا النقصان ، فهو من ( المفسر) ولذلك كانت الدلالة في الآيتين وجوب إقامة الحد في القذف ثمانين جلدة ، وفي الزنا مائة جلدة ، دلالة واضحة قطعية لا تحتمل تأويلاً ولا تخصيصاً .
ب- وقوله تعالى: ? إنّ الإنسان خلق هلوعا ً* إذا مسَّهُ الشر جزوعاً *وإذا مسَّهُ الخير منوعاً ? [ المعارج:19-21] ، فلفظ « الهلوع » الوارد في الآية الكريمة فسره الله بأنه من إذا أصابه الفقر والحاجة أو المرض ونحو ذلك فهو كثير الجزع ، وإذا أصابه الخير من الغنى والمركز والسعة ونحو ذلك فهو كثير المنع والإمساك .
وقد سُئل عن هذه الآية أحمد بن يحيى : « ما الهلع » ؟ فقال : « فسره الله تعالى ، ولا يكون تفسير أبين من تفسيره سبحانه » ! .
ففي هذا الإجمال جاءت الصيغة مجملة ، ثم لحقها بيان تفسيري قطعي بيّنها وأزال إجمالها ، حتى أصبحت مفسرة لا تحتمل التأويل .
ج- وقوله تعالى : ? وأقيمـوا الصلاة وآتوا الزكاة ? [ البقرة:43] وقوله : ? ولله عـلى الناس حج البيت مــن استطاع إلـيه سبيلا ?
[ آل عمران:97] وقوله : ? يا أيها الذين آمـنوا كُتب عليكم الصيام ?
[ البقرة:183] .
فألفاظ « الصلاة والزكاة والحج والصوم » في هذه الآيات ، ألفاظ مجملة لها معانٍ لغوية ، ثم أصبح لها في الشرع معانٍ خاصة ، فصار لها إلى جانب المعاني اللغوية معانٍ شرعية ، وجاءت الآيات الكريمة على ذكرها مجملة غير مفصلة ، فبينها الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام وفصّل معانيها بأقواله وأفعاله ، فصلى وقال : « صلوا كما رأيتموني أصلي » وفي الحج قال : « خذوا عني مناسككم » ، وكتب عليه الصلاة والسلام في الزكاة ما كتب ، وبيّن أحكام الصيام ، فأصبحت هذه المجملات من المفسر بالسنة ، وهكذا كل مجمل في القرآن الكريم يصبح مفسراً بعد أن يبينه القرآن أو السنة بياناً قاطعاً ، ويكون هذا البيان جزءاً مكملاً للنصوص الواردة في القرآن على حال الاحتمال .
وقد أنيطت أمانة البيان لهذه الآيات المجملة وغيرها بالسنة النبوية استناداً إلى قوله تعالى : ? وأنزلنـا إليـك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ? [ النحل:44] .
وهكذا يكون للمفسر موردان : مورد مستفاد من الصيغة نفسها بحيث لا يحتمل التأويل أو التخصيص ، كما مرّ في المثالين الأول والثاني .
والمورد الآخر : هو البيان التفسيري القطعي ، وهو ملحق بالصيغة صادر ممن له سلطة البيان ، شأن المجمل الذي بينه القرآن أو السنة بياناً قاطعاً .
حكم المفسر :
وحكم المفسر هو وجوب العمل بمقتضاه بصورة قطعية ، لأن دلالته على الحكم دلالة قطعية . فالمفسَّر لا مجال لأن يُصرف عن ظاهره ويراد منه معنى آخر ، إذ لا يقبل التأويل ولا التخصيص ، وإنما يقبل النسخ ، وما لم يقم الدليل على النسخ فوجوب العمل بالمفسر قائم . وعلى هذا فجميع النصوص في الكتاب والسنة ثابتة محكمة ، ما لم يقم عليها دليل النسخ .
ومما تقدم يتبين أن دلالة المفسر على الحكم أقوى من دلالة النص ومن دلالة الظاهر ، ففي حالة التعارض يقدم المفسر عليها ويحمل كل من النص والظاهر عليه .