مدخل لعلم الصرف
بسم الله الرحمن
الرحيم
الحمد لله الذى علم القرآن، وخلق الإنسان، وعلمه البيان، وأصلى
وأسلم على أفصح الخلق لسانا، وأبلغهم بيانا، وعلى آله وصحبه الطيبين، ومن تبع
هداهم إلى يوم الدين.
وبعد، فإن من خصائص اللغة العربية التى عدها العلماء لها ما تمتاز به من اتساع
الأبنية، وكثرة الصيغ التى تستوعب المعانى التى يمكن أن تجيش بها نفس إنسان فى وقت
من الأوقات ولما كان التصريف هو سبيل الوصول إلى تلك الصيغ فقد قالوا: "أما
التصريف فإن من فاته علمه فاته المعظم". ويعلل ابن فارس لتلك المقولة بأمثلة
كثيرة تكشف عن فائدة التصريف فى التمييز بين المعانى التى تتحول بتصريف صيغها من
الضد إلى الضد. "يقال: القاسط للجائر، والمقسط للعادل، فتحول المعنى بالتصريف
من الجور إلى العدل...".
وثمة قصة وقعت لعمرو بن عبيد
المعتزلى مع أبى عمرو بن العلاء تكشف عن التفات علماء اللغة القدامى لخطورة أمر
الصيغ، والخلط بين بعضها وعدم التفريق الدقيق بين دلالاتها فقد أشارت المصادر إلى
وفود أبى عثمان عمرو بن عبيد المعتزلى على أبى عمرو بن العلاء يسأله قائلا:
"يا أبا عمرو؛ أيخلف الله وعده؟ قال أبو عمرو: لا. قال عمرو: أفرأيت من وعده
الله على عمل عقابا، أيخلف الله وعده؟ فقال أبو عمرو: من العجمة أتيت أبا عثمان،
إن الوعد غير الوعيد ...".
فعمرو بن عبيد
هنا - إن صحت الرواية - قد أخطأ فى التفريق بين الصيغتين فالوعد مصدر (وعد)، أما
الوعيد فهو مصدر (أوعد) فالصيغة الأولى صيغة مصدر ثلاثى، والثانية صيغة مصدر
رباعى. والخلط بين الصيغتين ومصدريهما قد أدى إلى الانتقال من الضد إلى الضد، وهذا
المعنى الضدى هو ما يستفاد من المعنى الصيغى للكلمة، وفى اللغة نظائر كثيرة تنقل
الصيغة فيها الكلمة من الضد إلى الضد كما فى (قسط) و (أقسط) و (حنث) و (تحنث)،
و(أثم) و(تأثم) ...إلخ. مع اختلاف أنواع الصيغ الممثل بها. ويذكر السيوطى كذلك
كلاما عن أبى حيان يدلنا على مدى الدور الذى تلعبه تلك الصيغ فى التعبير عن
المعانى التى لا تكاد تتناهى والتى لولا الصيغ لضاقت اللغة عنها.
يقول أبو حيان: "وأنواع المعانى
المتفاهمة لا تكاد تتناهى؛ فخصوا كل تركيب بنوع منها؛ ليفيدو بالتراكيب والهيآت
أنواعا كثيرة، ولو اقتصروا على تغاير المواد، حتى لا يدلوا على معنى الإكرام
والتعظيم إلا بما ليس فيه من حروف الإيلام والضرب؛ لمنافاتها لهما؛ لضاق الأمر
جداً ولا حتاجوا إلى ألوف حروف لا يجدونها بل فرقوا بين (معتِق) و (معتَق) بحركة
واحدة حصل بها تمييز بين ضدين.
وهذا كله يدلنا على خطورة أمر الصياغة
والتصريف إذ إن الخطأ فيها يحول المعنى من الضد إلى الضد.
إن التصريف يثرى اللغة بما يتيحه لموادها من المعانى الوظيفية الكثيرة، التى تعبر
عن المعنى محمولا على هيئة اللفظ دون إرهاق المنشئ بالبحث عن مواد جديدة لأداء تلك
المعانى، ومن ثم فهى تحقق فى الوقت نفسه غاية عزيزة من أهم غايات البلاغة وهى
الإيجاز.
فإذا نظرنا على سبيل المثال، إلى قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ
فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ}.
نجد أن لفظتى
(صافات - ويقبضن) يمكن أن يعبر عن الحدث فيهما وهو أصل المعنى بأكثر من طريقة،
ولذا اختير التعبير باسم الفاعل فى اللفظة الثانية، وكان يمكن التعبير عنها بغير
اسم الفاعل كالفعل المضارع (يصفقن). وفى اللفظة الثانية كان يمكن التعبير عنها
بغير الفعل المضارع، كأن يعبر عنها باسم الفاعل كسابقتها مثلا. ولكن الآية قد
اختارت اسم الفاعل للتعبير عن الحدث فى اللفظة الأولى، واختارت الفعل المضارع
للتعبير عن الحدث فى اللفظة الثانية، وما ذلك إلا رعاية للمعنى الفنى الدقيق الذى
أرادت الآية أن ترمز إليه وتدل عليه.