الأمر
الأمر في الاصطلاح : هو اللفظ الدال على طلب أداء من فعل أو امتناع على وجه الحتم والإلزام ، ما لم يقم دليل على خلاف ذلك .
أو هو اللفظ الدال على طلب فعل المأمور به على جهة الاستعلاء .
أي أن الأمر يكون أعلى من المأمور ، وعلى هذا الأساس الأصل أن يكون الحكم المدلول عليه لأمر الشارع (أو المشرع) هو الوجوب ، والأداء المطلوب به هو الواجب ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك ، لأن الأمر نوع من أنواع الخاص ودلالة الخاص على المعنى الموضوع له قطعية ، ولكن قد يستعمل الأمر لمعان أخرى عند وجود القرائن .
وللأمر صيغ يتأتى بها وهي :
1- صيغة فعل الأمر المعروفة في اللغة العربية ، كما في قوله تعالى : ? ياأيها الذين آمنـوا أوفوا بالعقود ? [ المائدة:1] ،? اتقوا الله حق تقاته ? [ آل عمران:102] ، ? كونوا قواميــن بالقـسـط ? [ النساء:135]، ? فأقيمـوا الصلاة وآتـوا الزكـاة وأطيعوا الله ورسوله ? [ المجادلة:13] .
2- صيغة فعل المضارع المقترن بلام الأمر ، كمـا فـي قولـه تعالى :? فمن شهد منكم الشهر فليصمه ? [ البقرة:185] ، ? وليوفوا نذورهم وليَّطوَّفوا بالبيت العتيق ? [ الحج:29] ، ? وليكتب بينكم كاتب بالعدل ?[ البقرة:282] ، ? لُينفق ذو سعة من سعته ? [ الطلاق:7] .
3- صيغة الجملة الخبرية المستعملة في الإنشاء : كقول الله تعالــى: ? والوالدات يرضعن أولادهـن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ?[ البقرة:233] ، ? والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثـة قروء ? [ البقرة:228] .
4- تعابير أخرى كثيرة مثل ? كتب ? في قوله تعالى : ? كتب عليكم القصاص في القتلى ? [ البقرة:178] ، و « فرض » في قولــه تعالـى : ? قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم ? [الأحزاب:50].
أوجه استعمال الأمر :
وللأمر وجوه يستعمل فيها ، وهي :
1- الوجوب : يستعمل الأمر في القرآن الكريم للوجوب كما في الأمثلة المتقدمة ، ويستعمل لغير الوجوب في معان أخرى كثيرة ، منها :
2- الندب : كقولــه تعالــى : ? فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيـــراً ?[النور:33] .
3- الإباحة : كقـول اللـه تعالـى:? كلـــوا مــن الطيبــات ? [ المؤمنون:51] ،? كلوا من طيبات مــا رزقناكم ? [ البقرة:172] ، ? كلوا واشربوا من رزق الله ? [ البقرة:60] ، ? وإذا حللـتم فاصطادوا ? [ المائدة:2] .
4- الإرشاد : كقوله تعالى : ? يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ? [ البقرة:282] .
5- الامتنان : كقوله تعالى : ? فكلوا مما رزقكم الله ? [ المائدة:88].
6- الإكرام : كقوله تعالى: ? ادخلوها بسلام آمنين ? [ الحجر:46] .
7- الاعتبار: كقوله تعالى: ?انظروا إلى ثمره إذا أثمر?[الأنعام:99].
8- التصبير: كقوله تعالى : ? فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يُلاقوا يومهم الذي يوعدون ? [ الزخرف:83] .
9- الإخبار : كقوله تعالى : ? فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيــــراً ? [ التوبة:82] .
10- التعجيز : كقوله تعالى : ? فأتوا بسورة من مثله ? [ البقرة:23].
11- الوعيد : كقوله تعالى : ? اعملوا ما شئتم ? [ فصلت:40] .
12- التكذيب : كقوله تعالى : ? قل هاتوا برهانكم ? [ البقرة:111].
13- التفويض: كقوله تعالى : ? فاقضِ ما أنت بقاضٍ ? [ طه:72] .
14- الدعاء : كقوله تعالى : ? ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ? [ الحشر:10] ، ? ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ? [ إبراهيم:41] .
15- الإنذار : كقوله تعالى : ? قل تمتع بكفرك قليلاً ? [ الزمر:8] .
16- التسوية: كقولـــه تعالـى:? فاصبروا أو لا تصبروا?[الطور:16].
17- التعجب : كقولـــه تعالى : ? انظر كيف ضربوا لك الأمثال ? [ الفرقان:9] .
دلالة الأمر وحكمه :
كل أمر من الأوامر في نصوص القرآن الكريم يدل معناه على الإلزام وعدم الترك ، فهو من الواجب فعله ، وكذا كل أمر أو ما في معناه في نصوص الكتاب الكريم ، ودلت النصوص على أنه تاركه عاصٍ مستحق للعقاب ، فهو من الواجب أيضاً .
وذلك أن المتبادر من صيغة الأمر رُجحان جانب الفعل على جانب الترك ، ولما كان الكلام في صيغة موجهة من الخالق سبحانه إلى المخلوق في صورة الإلزام ، فإن ذلك دال على وجوب الامتثال ، بحيث يثاب المكلف على الفعل ويُعاقب على الترك ، إلا الأوامر المقترنة بقرينة تصرفه عن معنى الوجوب . « كما تقدم في وجوه استعمال الأمر » .
وفي القرآن الكريم الكثير من النصوص الدالة على وجوب التزام فعل الأوامر الدالة على التكليف ، وذلك كقول اللـه تعالى : ? وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى وتكبر وكان مـــــن الكافرين ? [ البقرة:34] ، ولذلك لامَ الله سبحانه إبليس على عدم فعل ماأمره به ، وأنكر عليه ، وطرده من رحمته : ? قال ما منعك ألا تسجد إذْ أمرتُك[ الأعراف:12] ، وكقوله تعالى في ذم قوم تركوا أمره ، فتوعدهم بالعذاب يوم القيامة: ? وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون * ويل يومئذٍ للمكذبين ? [ المرسلات:48-49] ، كما توعد سبحانه بالعذاب من يُخالف أمره أو أمر رسوله في قوله : ? ومن يعصِ اللهَ ورسولَه ويتعدَّ حدوده يُدخِلْهُ ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين ? [ النساء:14] ، كما حذّر سبحانه من مخالفة أمر رسوله عليه الصلاة والسلام ، وتوعّد عليها في قوله الحق : ? فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنةً أو يصيبهم عذاب أليم ? [ النور:63] .
هذا وقد وردت أكثر الأوامر في النصوص القرآنية مقرونة بما يدل على المراد منها . فما اقترن بها بما يدل على الندب أو الإباحة أو الإرشاد ، وأمثال ذلك بتناول ما هو حق للعباد ومصلحة لهم من غير وعيد على الترك ، فهو مما لا دخل له في الواجب . ويستفاد الوجوب بالأمر بالتصريح ، بالإيجاب والفرض والكتب ، ولفظ «على» و«حق على العباد» و«حق على المؤمنين» .