انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم لغة القرآن
المرحلة 3
أستاذ المادة علي حسوني شلاكة الشريفي
11/06/2018 01:11:38
منازل الأديب ومراتب الأدب: (المحاضرة مقتبسة من كتاب: في النقد الأدبي: علي علي صبح)
الأدب موهبة وفن وصنعة ماهرة، لا يستطيع كل من مالت إليه نفسه أن يكون أديبًا فقد أجمع النقاد على أن الأديب يوجد ومعه الموهبة، التي تعينه على إجادة هذا الفن، ومن لم توجد معه هذه الموهبة فعليه أن ينصرف إلى صنعة أخرى، تتناسب مع ميله وطبعه، وهذا ما قرره بشر أول النقاد، حين حدَّد منازل الأديب من الأدب، فجعل في المنزلة الأولى الأديب الموهوب ذا القريحة الملهمة، ليصدر عن أدب رفيع جيد، وفي المنزلة الثانية الأديب، الذي يعاني في أدبه من الكد والمطاولة، فيكون أدبه وسطًا، وفي المنزلة الدانية وهي الثالثة، ينتج صاحبها كلامًا مهلهلًا متكلفًا، وهو الأدب الرديء، يقول بشر: 1. "كن في إحدى ثلاث منازل، فإن أولى الثلاث أن يكون لفظك رشيقًا عذبًا، وفخمًا سهلًا، ويكون معناك ظاهرًا مكشوفًا، وقريبًا معروفًا،.... فإن كانت المنزلة __________ 1 البيان والتبيين: الجاحظ 1، 134 العمدة: ابن رشيق 142.1. الأولى لا تواتيك ولا تعتريك، ولا تسمح لك عند أول نظرك في أول تكلفك، وتجد اللفظة لم تقع موقعها، ولم تصل إلى قرارها، وإلى حقها من أماكنها المقسومة لها ... فإن أنت تكلفتها، ولم تكن حاذقًا مطبوعًا، ولا محكمًا لشأنك، بصيرًا بما عليك ولك، عابك من أنت أقل منه عيبًا، ورأى من هو دونك أنه فوقك، فإذا أنت ابتليت بأن تتكلف القول، وتتعاطى الصنعة، ولم تسمح الطباع فلا تعجل، ولا تضجر، ودعه بياض يومك، أو سواد ليلك، وعاوده عند نشاطك، وفراغ بالك، فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة، إن كانت هناك طبيعة، أو جريت من الصناعة على عرق، فإن تمنع عليك بعد ذلك من غير حادث شغل، ومن غير طول إهمال، فالمنزلة الثالثة أن تتحول عن هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك، وأخفها عليك، فإنك لم تشته ولم تنازع إليه إلا وبينكما نسب والشيء لا يحن إلا إلى ما يشاكله"1. ذكر بشر ثلاث منازل للأديب حسب منزلة أدبه، ومكانه من الجودة أو الرداءة أو التوسط بين الجودة والرداءة، ووضح خصائص الأدب الجيد في المنزلة الأولى للأديب، __________ 1 حاذقا: ماهرًا - مطبوعًا: مفطورًا وهي ضد الصنعة - طبيعة: موهبة. حيث يرتقي إلى الدرجات الرفيعة من البلاغة، وذلك إذا تراشق الأسلوب عنده باللفظ الخفيف على اللسان، وبالكلمة اللطيفة في الصياغة، فتسيل عذوبة، وتختال رشاقة، ويحسبها القارئ فخمة عند النظر إليها، فإذا بها تنساب إلى النفس سهلة عند التعرف عليها. وذلك لأن المعاني ظاهرة للأبصار، والأفكار واضحة للأفهام، قريبة إلى أنفس العلماء والأدباء، فيبلغ بها الأديب أعلى المنازل، فتنحني أمامه طرائق التعبير، وتذوب على لسانه توعر الكلمات، وتسهل لديه بيداء الأساليب، فينسج من الأدب لونًا واحدًا، يقع من نفوس الجميع موقعًا بليغًا، لا يخفى على الدهماء، ولا ينكره البلغاء. فإن حرم الأديب المنزلة الأولى، التي اجتمعت لها خصائص الأدب الرفيع من أول وهلة، وأحس بأن اللفظة قلقة في التعبير، والكلمة ناشزة في الأسلوب، والتراكيب تموج بالقلق والاضطراب، وندت الفقرات عن مواقعها ونفرت العبارات من قرارها، ووقعت القافية من البيت موقعًا قلقًا، وسارت إلى غير مركزها في القصيدة، يكرهها الشاعر على اغتصاب المواقع في التصوير، وتنزل من الأسلوب في غير موطنها الدقيق واللائق بها، وغير ذلك من الصفات الرديئة التي تنزل بالأدب عن منازل الحذق والمهارة، والطبع والقريحة، فيهوى بها إلى الصنعة والكلفة، وتمجّه الأذواق السليمة. ومثل هذا الرجل الذي لم تأتِ إليه الصياغة طوعًا لأول وهلة، قد لا يحرم من موهبة الأديب، ولا من طبيعة القول البليغ الذي شابه شيء من صنعة المتأدّبين، مثل هذا المتأدّب، قد تتحرك فيه العاطفة الصادقة بعد فترة قصيرة، فيستجيب له اللفظ الذي يتناسب مع المعنى، وتخضع له التراكيب التي تتلاءم مع الغرض، وإن واتته على مهل، وطاوعته بعد عصيان فنزل أدبه إلى درجة التوسط بين الجيد والرديء. فإن استعصى على الرجل هذا اللون الثاني من الأدب أثناء المحاولة بعد فترة قليلة من الزمن، والذي لم يخل من الصنعة المهذبة، فكان اللفظ قلقًا، والكلمة ناشزة، والقافية مضطربة، والتراكيب تستعصى على المعاني، وتتنافر مع الأغراض فيصير أدبه رديئًا، يجرد صاحبه من الأدب، وعليه حينئذٍ أن يترك الأدب، ويتجه إلى صنعة أخرى تتناسب مع ميوله وغريزته، وينزل عند حرفة أخرى. تتواءم مع طبعه، وتلتقي مع مزاجه، لأن لكل طبيعة بشرية صنعة تجيد العمل فيها، ولكل فطرة إنسانية حرفة تنقاد لها، فنرى الأديب والشاعر، والخطيب والناثر، والتاجر والصانع، والزارع والصائغ إلى غير ذلك من ألوان الصناعات. ثم يتزاحم النقاد بعده متأثرين به في توضيح منازل الأديب ومراتب الأدب ودرجاته، يقول أبو هلال العسكري: "إذا أردت أن تصنع كلامًا فأخطر معانيه ببالك وتنوق له كرائم اللفظ1، واجعلها على ذكر منك، ليقرب عليك تناولها، ولا يتعبك طلبها، فإذا مررت بلفظ حسن أخذت برقبته، أو معنى بديع تعلقت بذيله.... وإذا أردت أن تعمل شعرًا فحضر المعاني التي تريد نظمها" إلخ ما سبق ذكره. ويرى الناقد ابن رشيق أن معاناة الشاعر في شعره أحيانًا تؤدي إلى كدّ فكره، وانصرافه إلى المعنى حتى يبلغ مراده، ويضرب لذلك مثلًا من شعر الفرزدق قال: فإني أنا الموت الذي هو ذاهب ... بنفسك فانظر كيف أنت محاوله __________ 1 تنوق: تخير وانتق اللفظ. وحلف الفرزدق أن جريرًا لا يغلبه فيه، فكان جرير يتمرغ في الرمضاء حتى نقضه بقوله: أنا الدهر يفني الموت والدهر خالد ... فجئني بمثل الدهر شيئًا يطاوله ثم يأتي محمد بن طباطبا [م 322 هـ] ليفصل القول في هذا تفصيلًا قائمًا على تجربته الشعرية الذاتية، ومعاناة الأدب بنفسه، ليقرر أن الأديب يمرّ بمرحلة التفكير وترتيب المعاني، التي يريد نظمها، ثم مرحلة الإنتاج ليواخي بين المعاني بعضها مع بعض، وبينها وبين ما يتلاءم معها من القوافي والأوزان في اتساق وترتيب، بلا فجوة أو خلل، ثم مرحلة الترتيب والتنسيق بين الأبيات متوخيًا معانيها، ثم المرحلة الرابعة وهي التهذيب والتثقيف كالذكر أو الحذف، والتقديم والتاخير، والصقل والتثقيف، حتى يظهر النص في أجمل صورة، يقول ابن طباطبا: "إذا أراد الشاعر بناء قصيدة مخض المعنى1 الذي __________ 1 مخض: قلب وتدبر. يريد بناء الشعر عليه في فكره نثرًا، وأعدَّ له ما يلبسه إياه من الألفاظ التي تطابقه، والقوافي التي توافقه والوزن الذي يسلس له القول عليه، فإذا اتفق له بيت يشاكل المعنى الذي يرومه أثبته، وأعمل فكره في شغل القوافي بما تقتضيه من المعاني على غير تنسيق للشعر وترتيب لفنون القول فيه، بل يعلق كل بيت يتفق له نظمه على تفاوت ما بينه وبين ما قبله، فإذا أكملت له المعاني وكثرت الأبيات وفق بينها بأبيات تكون نظامًا لها، وسلكًا جامعًا لما تشتت منها، ثم يتأمَّل ما قد أدَّاه إليه طبعه، ونتحته فكرته، فيستقصي انتقاده، ويرم ما وهي منه، ويبدل بكل لفظة مستكرهة لفظة سهلة نقية، وإن اتفقت له قافية قد شغلها في معنى من المعاني، واتفق له معنى آخر مضادّ للمعنى الأول، وكانت تلك القافية أوقع في المعنى الثاني منها في المعنى الأول، نقلها إلى المعنى المختار الذي هو أحسن، وأبطل ذلك البيت، أو نقض بعضه وطلب لمعناه قافية تشاكله، ويكون كالنساج الحاذق الذي يقوف وشيه بأحسن التقويف، ويسديه وينيره، ولا يهلهل شيئًا منه فيشينه1، وكالنقاش الرقيق __________ 1 يقوف: قوف الثوب صنع فيه خطوطًا بيضاء على الطول - والسدي من الثوب خلاف اللحمة وهو ما مدَّ من خيوطه - وينيره: جعل له نيرًا خلاف سداه - هلهل الثوب: نسجه سخيفًا. الذي يضع الأصباغ في أحسن تقاسيم نقشه، ويشبع كل صبغ منها حتى يتضاعف حسنه في العيان، وكناظم الجواهر الذي يؤلف بين النفيس منها والثمين الرائق، ولا يشين عقوده بأن يفاوت بين جواهرها في نظمها وتنسيقها" 1. ويذكر ب شر خصائص الأسلوب الجيد فيقول: "ومهما أخطأك لم يخطئك أن يكون مقبولًا قصدًا، وخفيفًا على اللسان سهلًا، وكما خرج من ينبوعه، ونجم عن معدنه وإياك والتوعر، فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك ويشين ألفاظك، ومن أراد معنى كريمًا فليلتمس له لفظًا كريمًا، فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن تصونهما عما يفسدهما ويهجنهما، وعما تعود من أجله إلى أن تكون أسوأ حالًا منك قبل أن تلتمس إظهارهما وترتهن نفسك بملابستهما، وقضاء حقهما" 2. __________ 1 عيار الشعر: ص 5. 2 البيان والتبيين ك الجاحظ 135.1.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|