انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم لغة القرآن
المرحلة 3
أستاذ المادة علي حسوني شلاكة الشريفي
11/06/2018 01:07:47
منزلة الصحيفة من الفنون الأدبية: (المحاضرة مقتبسة من كتاب: في النقد الأدبي: علي علي صبح)
الأدب شعر ونثر، ويتنوع النثر الأدبي إلى فنون من أهمها الخطبة والرسالة والقصة والأقصوصة، والمسرحية النثرية وفن السيرة والمقالة بأقسامها المختلفة، وهي المقالة الأدبية، والمقالة النقدية، والمقالة الفلسفية، والمقالة التاريخية، والمقالة العلمية، والمقالة الاجتماعية، والمقالة السياسية ولكل من هذه الأقسام والفنون بناؤه وتركيبه، وخصائصه الفنية وأغراضه، وطريقته في المعالجة والكتابة1. وتعدُّ هذه الصحيفة لبشر بن المعتمر مقالًا أدبيًّا في النقد والبلاغة، إذا أردنا أن نقيسها بمقياس النقد الحديث، لتطابق الخصائص الفنية فيها، على ما اصطلح عليه النقد الحديث، من خصائص المقالة في هذا الجانب المتعدد، فيشمل المقال في الأدب والنقد والبلاغة، وبذلك تكون صحيفة بشر مقالة أدبية نقدية، جمعت بين خصائصهما __________ 1 انظر: دراسات في الأدب العربي الحديث ومذاهبه د/ خفاجي، فن المقالة د/ محمد يوسف نجم - أدب المقالة الصحفية في مصر د / عبد اللطيف حمزة - فنون الأدب ترجمة د/ زكي نجيب محمود معًا، أي بين خصائص المقال الأدبي وبين خصائص المقال في النقد. فالمقال الأدبي في النقد لا يحتاج كثيرًا إلى الخيال، لتحلق صورة في كل عبارة فصاحب الصحيفة هنا يحدّد معالم الأسلوب الجيد، وخصائص الأدب الرفيع، ويضع المنهج في الصياغة الجيدة، ويحدّد الأصول والقواعد في التراكيب، ويشخّص معالم البلاغة في باب "مقتضى الحال"، وما يتناسب من مقال مع كل مقام، ومثل هذه الموضوعات لا تحتاج كثيرًا إلى الخيال بصوره المختلفة من التشبيهات والاستعارات والكنايات، ومع استغنائه عن الخيال غالبًا، فقد كانت الصحيفة تتفجر قوة، وتنساب جمالًا، وذلك في التعبير عن هذه الحقائق في أسلوب قوي، وتركيب محكم، ونظم بديع، لا قلق فيه ولا اضطراب، فصارت قطعة أدبية رائعة، تشدّ انتباه السامع، وتأخذ بعقله وقلبه. وليس من الضروري أن يعتمد التصوير الأدبي في كل الحالات على وسائل البيان السابقة، فقد تخلو الصورة عن الألوان البيانية، وتعتمد على دعائم أخرى، تقوم عليها الصورة، مثل انتقاء الألفاظ، وسلكها في نظم دقيق، يتوخى فيه الأديب معاني النحو، من تقديم وتأخير، وتنكير وتعريف، وغير ذلك مما ورد في علم المعاني وموافقة الصورة لمقتضى الحال، وهذه الدعائم هي التي اعتمد عليها بشر في التصوير الأدبي لهذا المقال النقدي البلاغي. ومع ذلك لم يخل كلام بشر من ألوان الخيال البياني: مثل: خذ من نفسك ساعة نشاطك - واعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول - فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد - والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك -ويشين ألفاظك- والمعنى ليس يشرف وكذلك ليس يتصنع - أن تفهم العامة معاني الخاصة وتكسوها الألفاظ الواسطة - التي لا تلطف عن الدهماء، ولا تجفو عن الأكفاء.... وغيرها من الصورة البيانية التقليدية في الأسلوب الذي اشتمل على المجاز والتشبيه والاستعارة والكناية والتجريد. وإن كنت أرى أن هذه الصور البيانية صور لم يقصد بها الكاتب التصوير الخيالي كعادة الشعراء والأدباء، وإنما كان يقصد الحقيقة، والكشف عنها بأسلوب دقيق يشدُّ انتباه النفس، ويثير كوامن الشعور، ليكون من باب الإيقاظ. والاندماج مع القارئ، ومن ناحية أخرى أن هذه الصور من لوازم التعبير، بحيث لا يستطيع بشر أن يتخلى عنها، فقد جاءت مساقة مع الفكرة، ومتجاوبة مع التعبير، وضرورية في تصوير الحقيقة، فهي لا بديل لها في إقامة هذا البناء الفني في منهج المقال النقدي والبلاغي، ولهذا المنهج الفني عرض بشر الحقائق عرضًا دقيقًا يقوم على تنظيم الفكرة، وتوزيعها توزيعًا منسقًا مثل قوله: وكن في ثلاث منازل.... ثم يقول: فالمنزلة الأولى.... فإن كانت المنزلة الأولى لا تواتيك. فإذا انتهى من المنزلة الثانية قال: فإن تمنع عليك بعد ذلك فالمنزلة الثالثة إلى غير ذلك. ولكي يقع القارئ يدعم رأيه بالدليل، فرأى أن للمتلكملين ألفاظًا واصطلاحات لا بد من رعايتها في الكلام فقال: "إذا كانوا لتلك العبارات أفهم، وإلى تلك الألفاظ أميل، وإليها أحن...." وغير ذلك كثير في صحيفته. هذه المقومات في صحيفة بشر يجعلها متميزة في اتجاهها الفني، وذلك بالخصائص والسمات التي اصطلح عليها النقد الحديث للمقال الأدبي في النقد والبلاغة، وقد اتضحت خصائصه وهي: بناؤه على فكرة واضحة، وترابط بين أجزائها، والتدليل عليها، والإقناع بأدلة من ذات الأسلوب مرة، وعقلية ثانية، وتمثيلية تطبيقية ثالثة، وكذلك البناء التركيبي في الصحيفة يعتمد على اختيار اللفظ، الذي يفصح عن معناه بدقة، حتى في الألفاظ البيانية السابقة، التي انسابت مع التعبير، ثم انتقاء الأساليب التي تعبر عن الحقيقة بوضوح سافر، وجلاء كاشف، وكذلك لم تسيطر العاطفة على بشر، ولم تظهر مشاعره فيها، لأن العاطفة والمشاعر الذاتية تطغى على الحقيقة، وتستهلك منهج الإقناع العقلي والواقعي في مجالي علمي النقد والبلاغة، ولذلك ظهرت الصورة البيانية فاترة من الشعور، وخلوا من العاطفة الجياشة، التي تلبد سماء الحقيقة بالغيوم، فيذهب العقل فيها كل مذهب، لكن بشرًا يقصد من وراء الصحيفة مذهبًا واحدًا فقط لا كل مذهب. ومع هذه القيم الفنية للصحيفة، فهو مقال أدبي أيضًا في النقد والبلاغة لأنه خلا من المنهج الفني للمقال العلمي، الذي يقوم على الإحصائيات والأرقام وسوق الفروض والمقدمات صريحة لاستنتاج البرهان، وغيرها مما تجردت عنه الصحيفة، وبذلك دخلت في باب المقال الأدبي، الذي يتضمن النقد والبلاغة. وإذا تأملنا موضوع الصحيفة وانسجام الأفكار والمعاني فيها، وجدنا أن الفكرة في موضوعها تشدُّ الفكرة، والمعنى يتفجر من المعنى، وجميع الأفكار والمعاني تسير في اتساق وانسجام، وتتقدم في تآلف ومؤاخاة، متآزرة في الكشف عن موضوع الصحيفة، وهو بلاغة الأدب وروعته، ولذلك تحدَّث بشر عن الصدق العاطفي ثم عن المشاعر الحارة والإحساس الدقيق، ثم عرض خصائص الأدب الرفيع، مما اقتضى أن يوضح مراتب الأدب، وهي الأدب الجيد، والرديء، والوسط، وكذلك مراتب الأديب تبعًا لمراتب الأدب، ثم كان ختام حديثه عن مقتضى الحال، ليكون كالحكم على ما سبق بالجودة أو غيرها، فإن تحقق ما يقتضيه الحال فهو الأدب الجيد وإن خلا من ذلك فهو الأدب الوسط أو الرديء.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|