انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

دراساتٌ في نحوِ القرآنِ/ المحاضرة الثالثة/ في ردِّ تسويغِ الحذفِ في النصِّ القرآنيِّ:

الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 1
أستاذ المادة علي عبد الفتاح محيي فرهود       23/12/2016 10:18:07
المحاضرةُ الثالثة/
ردُّ تسويغِ الحــذف في النصِّ القرآنيِّ:


ولو قيلَ: إنَّ الدليلَ عليه هو القرآنُ نفسُه ، فإننا نجدُ لفظًا مذكورًا في موضعٍ وغيرَ مذكورٍ في موضعٍ آخرَ ، والسياقُ واحدٌ ، فيكونُ الموضعُ الذي ذُكرَ فيه هذا اللفظُ دليلاً على حذفِه من الموضعِ الذي لم يُذكر فيه.
قلتُ - متَّخِذًا سبيلَ طائفةٍ من أعلامِ السلف - : إنَّ ذِكْرَه في موضعٍ وعدمَ ذكرِه في موضعٍ آخرَ مـماثلٍ ، والسياقُ واحدٌ ، لا يدلُّ على إرادتِه أبدًا في الموضعِ الذي لم يُذكر فيه ، فلا يصِحُّ القولُ بحذفِه في الموضعِ الذي لم يُذكر فيه ، أي: لا يصِحُّ تقديرُه فيه تحتَ أيةِ ذريعةٍ كانت ، ففي هذا القولِ تغييرٌ للدَّلالةِ وعدولٌ بِها.

من ذلك على سبيلِ المثالِ لا الحصر قولُه تعالى: [ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنـهارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ] [التوبـة/100]. فقـد ورد التعبيرُ بعد الفعـل (تجري) بالظرف (تحت) وحدَه ، في حينِ ورد هذا التعبيرُ بعد الفعلِ (تجري) مسبوقًا بحرفِ الخفض (مِنْ) في (34) أربعةٍ وثلاثينَ موضعًا في القرآن الكريم(1) ، منها قولُه تعالى: [ وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنـهارُ ] [البقرة/25] ، وقولُه تعالى: [ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنـهارُ ] [آل عمران/15] ، وقولُه تعالى: [ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنـهارُ ] [الفتح/5] ، وقولُه تعالى: [ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنـهارُ ] [التغابن/9]. فهل يـمكننا أنْ نجعلَ من قولِه تعالـى: [ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنـهارُ ] دليلاً علـى حذفِ حرف الخفض (مِنْ) وزعمِ تقديره فـي قولِه تعالى: [ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنـهارُ ] على مذهبِ من قد يجعلُ من النصوصِ المتماثلةِ صورةً واحدةً لدلالةٍ واحدةٍ ومحدودة ؟
والجوابُ: لا ، فلكلِّ موضعٍ دلالتُه المباينةُ لدلالةِ الموضعِ الآخرِ حسْبَ نظْمِه ، وذلك لسببَين رئيسَين هما:
1- فـي قولِه تعالى: [ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنـهارُ ] استُعمل حرفُ الخفض (مِنْ) دالاًّ على (( ابتداءِ الغاية))(2) ، والجناتُ - هنا - هي: (( جمعُ جنةٍ ، والجنةُ: البستانُ. وإنـَّما عنَى جلَّ ذكرُه بذِكر الجنةِ ما في الجنةِ من أشجارِها وثِمارِها وغروسِها دون أرضِها. فلذلكَ قال عزَّ ذكرُه: [تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنـهارُ ] ))(3) ، ومعلومٌ أنه تعالى قد (( نسبَ الجرْيَ إلى النهر ، وإنـَّما يجري الماءُ وحدَه توسُّعًا وتجوُّزًا ))(4).
إنَّ ما يُستخلصُ ويُدرَكُ من دلالةِ هذا النصِّ أنَّ مبادئَ جريانِ أنـهارِ هذه الجناتِ إنـَّما هو أصولُ أشجارِها وغروسِها ، فكأنَّ هذه الأصولَ منابعُ لهذه الأنـهارِ ، ومصادرُ لمياهِها ، ومدافعُ لتدفُّقِها وانسيابِها. فهذه الجناتُ التي وعدَها الله تعالى عبادَه الصالحين والمؤمنين والمتقين هي أصلُ السَّقْي ، وهذا ما لـم يألفه مخلوقٌ في جناتِ الأرض التي يأتيها سَقيُها من منابعِ ماءٍ خاصَّةٍ لها. فتلك هي التي تَسقِي وتُعطِي ، وهذه هي التي تُسقَى وتُعطَى ، وتلك - إذًا - لا يعتورُها أدنى أذًى ، فهْيَ غضَّةٌ طريةٌ نضِرةٌ مثمرةٌ أبدًا ، لأنـَّها أصلُ الرَّي ، وهذه عرضةٌ لليبس والتكسُّر والاحتراق ، لأنـَّها تحتاجُ أبدًا إلى الرَّي الذي قد لا يصلُ إليها في حينٍ ، واللهُ أعلم بـمراده.
أما قولُـه تعالـى: [ جَنَّاتٍ تَجْـــرِي تَحْتَهَا الأنـــهَارُ ] فلا يُرادُ - واللهُ أعلم - بأشجار هذه الجنات ، ولا بغروسِها أنـَّها أصلُ السَّقْي ، بـل تكونُ أصولُ هـذه الأشجار والغروسِ من مسالكِ هذه الأنـهار ، وهـي أنـهارٌ تنبعُ مياهُـها من موضعٍ آخرَ ، أو هي جاريةٌ مـن غير منبعٍ محدَّدٍ فـي غير أخاديد(5) تحت أُصول هذه الأشجار. فصورةُ جريانِ الأنـهار - هنا - أكثـرُ اتِّساعًا ، وأبعدُ أطرافًا ، واللهُ أعلم.

2- إنَّ قولَه تعالى: [ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنـهارُ ] لقومٍ غير مخصوصين ، في حين أنَّ قولَه تعالى: [ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنـهارُ ] لقومٍ مخصوصين. قال الخطيبُ الإسكافيُّ: (( فكلُّ موضعٍ ذُكِر فيه (من تحتها) إنـَّما هو لقومٍ عامٍّ فيهمُ الأنبياءُ ، والموضعُ الذي لم يُذكر فيه (مِن) إنـَّما هو لقومٍ مخصوصين ليس فيهمُ الأنبياءُ))(6) ، بل هم (( الذين سبقوا الناسَ أوَّلاً إلى الإيـمانِ باللهِ ورسولِه (من المهاجرين) الذين هاجرُوا قومَهم وعشيرتَهم ، وفارقُوا منازلَهم وأوطانَهم ، (والأنصار) الذين نصروا رسولَ الله (صلى الله عليه وسلَّم) على أعدائِـه مـن أهل الكفر بالله ورسولِـه ، (والذين اتَّبعوهم بإحسانٍ) ، ويقولُ: والذين سلكوا سبيلَهم في الإيمانِ باللهِ ورسولِه ، والهجرةِ من دار الحربِ إلى دارِ الإسلام... [مِمن] (رضيَ اللهُ عنهم ورضُوا عنه) ))(7) . فهذه منازلُ خاصةٌ ، وخصالٌ لهم وليست لغيرِهم ، قدِ استحقُّوا بسببِها كرامةً خاصَّةً انـمازوا بِها عمَّن سواهم من الصالحين ، فكانت جناتُهم التي رزقُوا بِها أوسعَ جريانًا لأنـهارِها ، وأبعدَ أطرافًا لهذا الجريانِ ، واللهُ أعلم. فلا (( موضعَ في القرآنِ ذُكرت فيه الجناتُ وجَرْيُ الأنـهارِ تحتها إلاَّ وقد دخلتها (مِن) سوى الموضعِ الذي لم ينطبق ذْكْرُ الموعودين فيه على الأنبياء (عليهم السلام) ))(8). وغيـر ذلك مـن النصوص المتماثلةِ نظمًا ، المتباينةِ دلالةً (9).

ولابدَّ لي من التنويه - من باب العودِ على البدء - بأنَّ ثـمة فرقًا جليًّا بين ما عُرِف بـ(الحذف) أو الإسقاط ، وبين (عدم الذكر) ، أوضحه الدكتور فاضل السامرائي بقوله: (( لو جعلنا عدمَ الذكر حذفًا لكانت جُمَلُ العربية فيها حذفٌ بلا استثناءٍ ، لأنَّ كلَّ جملة يـمكن أنْ تُذكَرَ فيها أمورٌ لا تُذكرُ في أخرى ، ومعنى ذلك أنْ يكونَ الأصلُ الحذفَ ، وليس الذكرَ))(10) ، وقد ذكرتُ فيما مرَّ أنَّ ما يُسمَّى بـ(الحذف) هو خلافُ الأصل ، فلو قيل به في القرآن الكريم لحكمنا عليه بأنه فرعٌ لا أصلٌ ، ولسِرْنا في رَكْب من يقول به ، ولصار مَثَلُنا كمَثَلِ مَنْ قال: [ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ] [لقمان/21].

وبصرفِ النظر عن التزام الدكتور فاضل السامرائي مصطلَحَ (الحذف) - وهو شأنُه ورأيُه الذي أضحى أهلاً لأنْ يُحتَرَمَ - فإنَّ غايـةَ مرادي من ذكْرِ قولِه هذا - هنا- هو بيانُ المَـيْزِ بين ما يُسمَّى بـ(الحذف) وما يُعرَفُ بـ(عدم الذكر) ، أو ما رَجَحَ عندي أنه (اكتفاءٌ). و(الاكتفاءُ) مصطلحٌ استعمله النحويون لدلالةٍ بعينها ، سيردُ ذكرُها فيما يأتي ، فـي حين أنني أجريتُه على ما اصطلحَ عليه النحويـون بالحـذف. فمصطلـحُ الحذف - كما يتراءى لي - لا يليـقُ بالقرآنِ الكريم ، لا تسميةً ولا منهجًا ، ولا تناولاً.


س1/ هل تتشابهُ دلالاتُ الآياتِ القرآنيةِ المتكررةِ باختلافٍ يسيرٍ جدًّا ؟
س2/ أ للتَّكرارِ اللفظيِّ ، والنَّظْميِّ قصدٌ دلاليٌّ مستقِلٌّ ، أم هو تَكرارٌ فقط ؟
س3/ ما مزيةُ الاكتفاءِ عن ذكرِ لفظٍ في نظمٍ على ذكرِه في نظمٍ آخَرَ مستقِلٍّ ؟
----------------------------------------------------------------------------------------------

(1) المواضع الثلاثون الأخرى ، وهي سوى ما أوردتُه في المتن :
[البقرة/266]، و[آل عمران/136و195و198] ، و[النساء/13و57و122] ، و[المائدة/12و85و119] و[التوبة/72و89] ، و[الرعد/35] ، و[ابراهيم/23] ، و[النحل/31] ، و[طه/76] ، و[الحج/14و23] و[الفرقان/10] ، و[العنكبوت/58] ، و[الزمر/20] ، و[محمد/12] ، و[الفتح/17] ، و[الحديد/12] و[المجادلة/22] ، و[الصف/12] ، و[الطلاق/11] ، و[التحريم/8] ، و[البروج/11] ، و[البينة/8].
(2) البحر المحيط112:1.
(3) جامع البيان عن وجوه تأويل آي القرآن ، محمد بن جرير الطبري170:1.
(4) البحر المحيط113:1.
(5) ينظر: جامع البيان 170:1. وزاد المسير في علم التفسير ، عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي52:1.
(6) درة التنزيل 100.
(7) جامع البيان 453:6.
(8) درة التنزيل103.
(9) ينظر: درة التنزيل. وأسرار التكرار في القرآن ، محمود بن حمزة الكرماني ، تح: عبد القادر أحمد عطا. ولمسات بيانية في نصوص من التنزيل. فقد شكلَّت الدراسة التحليلية لبيان الفرق الدلالي بين النصوص المتماثلة مادةَ هذه الكتب.
(10) الجملة العربية 106. وينظر بالرؤية نفسها: في النحو العربي: نقد وتوجيه ، د.مهدي المخزومي223.

المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .