انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

التقديم والتأخير في التعبير القرآني 2

الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 3
أستاذ المادة احمد كاظم عماش العيساوي       01/02/2016 20:09:39
تقديم اللفظ على غير العامل :
إن تقديم الألفاظ بعضها على بعض له أسباب عديدة يقتضيها المقام وسياق القول، يجمعها قولهم: إن التقديم إنما يكون للعناية والاهتمام. فما كانت به عنايتك أكبر قَدَّمتَهُ في الكلام. والعناية باللفظة لا تكون من حيث إنها لفظة معينة بل قد تكون العناية بحسب مقتضى الحال. ولذا كان عليك أن تقدم كلمة في موضع ثم تؤخرها في موضع آخر لأن مراعاة مقتضى الحال تقتضي ذاك. والقرآن أعلى مثل في ذلك فإننا نراه يقدم لفظة مرة ويؤخرها مرة أخرى على حسب المقام. فنراه مثلاً يقدم السماء على الأرض ومرة يقدم الأرض على السماء، ومرة يقدم الإنس على الجن ومرة يقدم الجن على الإنس، ومرة يقدم الضر على النفع ومرة يقدم النفع على الضر، كل ذلك بحسب ما يقتضيه فن القول وسياق التعبير.
فإذا أردت أن تبين أسباب هذا التقديم أو ذاك فإنه لا يصح الاكتفاء بالقول إنه قدم هذه الكلمة هنا للعناية بها والاهتمام دون تبيين موطن هذه العناية وسبب هذا التقديم.
فإذا قيل لك مثلاً: لماذا قدم الله السماء على الأرض هنا؟
قلت: لأن الاهتمام بالسماء هنا أكبر.
ثم إذا قيل لك: ولماذا قدم الله الأرض على السماء في هذه الآية؟
قلت: لأن الاهتمام بالأرض هنا أكبر.
فإذا قيل لك: ولماذا كان الاهتمام بالسماء هناك أكبر وكان الاهتمام بالأرض أكبر؟
وجب عليك أن تبين سبب ذلك وبيان الاختلاف بين الموطنين، بحيث تُبين أنه لا يصح أو لا يَحْسُنُ تقديم الأرض على السماء فيما قدمت فيه السماء، أو تقديمُ السماء على الأرض فيما قدمت الأرض بياناً شافياً. وكذلك بقية المواطن الأخرى. أما أن تكتفي بعبارة أن هذه اللفظة قدمت للعناية والاهتمام بها فهذا وجه من وجوه الإبهام. والاكتفاءُ بها يضيع معرفة التمايز بين الأساليب فلا تعرف الأسلوب العالي الرفيع من الأسلوب المهلهل السخيف، إذ كل واحد يقول لك: إن عنايتي بهذه اللفظة هنا أكبر دون البصر بما يستحقه المقام وما يقتضيه السياق.
إن فن التقديم والتأخير فن رفيع يعرفه أهل البصر بالتعبير والذين أُوتوا حظاً من معرفة مواقع الكلام وليس ادعاء يُدَّعى أو كلمة تقال.
وقد بلغ القرآن الكريم في هذا الفن - كما في غيره - الذروة في وضع الكلمات الوضعَ الذي تستحقه في التعبير بحيث تستقر في مكانها المناسب. ولم يكتف القرآن الكريم في وضع اللفظة بمراعاة السياق الذي وردت فيه بل راعى جميع المواضع التي وردت فيها اللفظة ونظر إليها نظرة واحدة شاملة في القرآن الكريم كله. فترى التعبير متسقاً متناسقاً مع غيره من التعبيرات كأنّه لوحة فنية واحدة مكتملة متكاملة.
إن القرآن الكريم دقيق في وضع الألفاظ ورصفها بجنب بعض دقة عجيبة فقد تكون له خطوط عامة في التقديم والتأخير، وقد تكون هناك مواطن تقتضي تقديم هذه اللفظة أو تلك، كل ذلك مراعى فيه سياق الكلام والاتساق العام في التعبير على أكمل وجه وأبهى صورة. وسنوضح هذا القول المجمل ببيان شاف.
إن القرآن - كما ذكرت - يقدم الألفاظ ويؤخرها حسبما يقتضيه المقام فقد يكون سياق الكلام - مثلاً - متدرجاً حسب القدم والأولية في الوجود، فيرتب ذكر الكلمات على هذا الأساس فيبدأ بالأقدم ثم الذي يليه وهكذا وذلك نحو قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] فخلق الجن قبل خلق الإنس بدليل قوله تعالى: {والجآن خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم} [الحجر: 27] فذكر الجن أولاً ثم ذكر الإنس بعدهم.
ونحو قوله تعالى: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} [البقرة: 255] لأن السِّنة وهي النعاس تسبق النوم فبدأ بالسنة ثم النوم.
ومن ذلك تقديم عاد على ثمود قال تعالى: {وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ} [العنكبوت: 38] فإن عاداً أسبق من ثمود.
وجعلوا من ذلك تقديم الليل على النهار والظلمات على النور قال تعالى: {وَهُوَ الذي خَلَقَ الليل والنهار والشمس والقمر} [الأنبياء: 33] فقدم الليل لأنه أسبق من النهار وذلك لأنه قبل خلق الأجرام كانت الظلمة، وقدم الشمس على القمر لأنها قبله في الوجود. وقال: {يُقَلِّبُ الله الليل والنهار} [النور: 44] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. ومثل تقديم الليل على النهار تقديم الظلمات على النور كما ذكرت. قال تعالى: {وَجَعَلَ الظلمات والنور} [الأنعام: 1] وذلك لأن الظلمة قبل النور لما مر في الليل.
قالوا: ومن ذلك تقديم العزيز على الحكيم حيث ورد في القرآن الكريم قال تعالى: {وَهُوَ العزيز الحكيم} [الحشر: 1] قالوا: لأنه عَزَّ فَحكَمَ.
ومنه تقديم القوة على العزة لأنه قوي فعزّ أي غلب فالقوة أول قال تعالى: {إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40، 47] وقال: {وَكَانَ الله قَوِيّاً عَزِيزاً} [الأحزاب: 25] .
وقد يكون التقديم بحسب الفضل والشرف، ومنه تقديم الله سبحانه في الذكر كقوله تعالى: {وَمَن يُطِعِ الله والرسول فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين وَحَسُنَ أولائك رَفِيقاً} [النساء: 69] .
فقدم الله على الرسول، ثم قدم السعداء من الخلق بحسب تفاضلهم، فبدأ بالأفضلين وهم النبيون ثم ذكر من بعدَهم بحسب تفاضلهم. كما تدرج من القلة إلى الكثرة فبدأ بالنبيين وهم أقل الخلق، ثم الصدّيقين وهم أكثر، ثم الشهداء ثم الصالحين، فكل صنف أكثر من الذي قبله فهو تدرج من القلة إلى الكثرة ومن الأفضل إلى الفاضل. ولا شك أن افضل الخلق هم أقل الخلق إذ كلّما ترقى الناس في الفضل قلَّ صنفهم.
ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وموسى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً} [لأحزاب: 7] فبدأ بالرسول لأنه أفضلهم.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .