انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم لغة القرآن
المرحلة 3
أستاذ المادة احمد كاظم عماش العيساوي
25/01/2016 19:09:29
البنية في التعبير / الفعل والمصدر يستعمله استعمالاً فنياً عجيباً ويضعها وضعاً معجزاً، فمن ذلك أنه يأتي بالفعل ثم لا يأتي بمصدره بل يأتي بمصدر فعلٍ آخر يلاقيه في الاشتقاق فيجمع بين معنى الفعل ومعنى المصدر من أقرب طريق وأيسره وذلك نحو قوله تعالى: {واذكر اسم رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} [المزمل: 8] فإنه جاء بالفعل (تبتّل) غير أنه لم يأت بمصدره وإنما جاء بمصدر فعل آخر هو (بتّل) وذلك أن مصدر تبتل هو (التبتُّل) فإن مصدر (تفعَّل) يكون على (التَّفَعُّل) كتعلّم تعلُّماً وتقدّم تقدّماً. وأما (التبتيل) فهو مصدر بَتَّلَ لا تَبتّل فإن (التفعيل) هو مصدر (فعّل) كعلّم تعليماً وعظّم تعظيماً. وكان المتوقَّع أن يقول (وتبتّل إليه تبتلُّاً) غير أنه لم يقل ذاك. وسبب ذلك أنه أراد أن يجمع بين مَعْنَيي التبتل والتبتيل، وذلك أن تبتّل على وزن تفعّل و (تَفَعَّلَ) : يفيد التدرُّجَ والتكلف مثل: تجسس وتحسس وتبصّر وتدرّج وتمشّى وَغَيرها، فإن في تجسس وتحسس وبقية الأفعال تدرّجاً وتكلفاً. ألا ترى أنّ في (تبصّر) من التدرج وإعادة النظر والتكلف ما ليس في (بصر) ، وفي (تمشّى) من التدرج ما ليس في (مشى) ؟ وأما (فعّل) فيفيد التكثير والمبالغة وذلك نحو: كسر وكسّر، فإن في كسّر المضاعف من المبالغة والتكثير ما ليس في كَسَرَ الثلاثي فقولك: (كسّرت القلم) يفيد أنك جعلته كسرة كسرة بخلاف ما إذا قلت: (كَسَرْتُ القَلَمَ) فإنه يفيد أنك كسرته مرة واحدة. كذلك قولك: (قطّعت اللحم) فإنه يفيد أنك جَعلته قطعة قطعة بخلاف ما إذا قلت: (قطعت اللحم) بلا تضعيف فإنه يفيد أنك قطعته مرة واحدة. وتقول (موّتت الإبل) إذا كثر فيها الموت ولا يقال: (موّت البعير) لأنه ليس في موت البعير تكثير. فالله سبحانه جاء بالفعل لمعنى التدرج ثم جاء بالمصدر لمعنى آخر هو التكثير، وجمع المعنيين في عبارة واحدة موجزة ولو جاء بمصدر الفعل (تبتّل) فقال: (وتبتل إليه تبتُّلاً) لم يفد غير التدريج وكذلك لو قال (وبتّل نفسك إليه تبتيلا) لم يُفِدْ غيرَ التكثير. ولكنه أراد المعنيين فجاء بالفعل من صيغة والمصدر من صيغة أخرى وجمعهما فهو بدل أن يقول: (وتبتَّلْ إليه تَبَتُّلاً وبَتِّلْ نفسَكَ إليه تبتيلاً) جاء بالفعل لمعنى ثم جاء بالمصدر لمعنى آخر، ووضعهما وضعاً فنياً فكسب المعنيين في آن واحد وهذا باب شريف جليل. جاء في (التفسير القيم) : "ومصدر تبتل إليه: (تبتُّل) كالتعلُّم والتفهم ولكن جاء على (التفعيل) مصدر (فعلّ) لسر لطيف. فإن في هذا الفعل إيذاناً بالتدريج والتكليف والتعلّم والتكثير والمبالغة. فأتى بالفعل الدال على أحدهما وبالمصدر الدال على الآخر فكأنه قيل: بتّل نفسك إلى الله تبتيلاً وتبتل إليه تبتُّلاً، ففهم المعنيان من الفعل ومصدره. وهذا كثير في القرآن وهو من حسن الاختصار والإيجاز". وليس هذا كل شيء في هذا الجزء من الآية بل انظر الوضع الفني التربوي الآخر وهو أنه جاء بالفعل الدال على التدرج أولاً، بالمعنى الدال على الكثرة والمبالغة بعده وهو توجيه تربوي حكيم، إذ الأصل أن يتدرج الإنسان من القلة إلى الكثرة، والمعنى: احمل نفسك على التبتل والانقطاع إلى الله في العبادة شيئاً فشيئاً حتى تصل إلى الكثرة، والمعنى: ابدأ بالتدرج في العبادة وانته بالكثرة. وليس من الحكمة أن يضع الصيغة الدالة على الكثرة والمبالغة أولاً ثم يأتي بالصيغة الدالة التدرج والتكلف فيما بعد، بل الطريق الطبيعي أن يتدرج الإنسان في حمل النفس على الشيء من القلة إلى الكثرة والمبالغة حتى يكون وصفاً ثابتاً له. فهو وضعها وضعاً تربوياً أيضاً. ثم انظر كيف وضعها ربنا وضعاً فنياً عجيباً آخر فجاء للدلالة على معنى التدرج والحدوث بالصيغة الفعلية، لأن الفعل يدل على الحدوث والتجدد فقال: (وتبتل) ثم جاء للدلالة على معنى المبالغة والكثرة والثبوت بالصيغة الاسمية الدالة على الثبوت والكثرة لأنها الحالة الثابتة المرادة في العبادة. أما حالة التدرج فهي حالة موقوتة يراد منها الانتقال لا الاستمرار والاستقرار، فجاء لكل معنى بما يناسبه.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|