انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

البنية في التعبير القرآني

الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 3
أستاذ المادة احمد كاظم عماش العيساوي       25/01/2016 18:36:42
البنية في التعبير القرآني
يستعمل القرآن الكريم بُنيةَ الكلمة استعمالاً في غاية الدقة والجمال:
1- فمن ذلك استعمال الفعل والاسم. فمن المعلوم أن الفعل يدل على الحدوث والتجدد والاسم يدل على الثبوت تقول: هو يتعلم وهو متعلم. فـ (يتعلم) يدل على الحدوث والتجدد أي: هو آخذٌ في سبيل التعلم بخلاف: (متعلم) فإنه يدل على أنَّ الأمر تم وثبت وأن الصفة تمكنت في صاحبها. ومثله: هو يجتهد ومجتهد.
وربما كان الأمر لم يحدث بعد ومع ذلك يؤتى بالصيغة الاسمية للدلالة على أن الأمر بمنزلة الحاصل المستقر الثابت وذلك نحو قولك: أتراه سيفشل في مهمته؟ فتقول: هو فاشل وذلك لوثوقك بما قررته أي: كأن الأمر تم وحصل وإن لم يحدث فعلاً، ومن هذا الضرب قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً} [البقرة: 30] . فهو لم يجعله بعد ولكن ذكره بصيغة اسم الفاعل للدلالة على أن الأمر حاصل لا محالة فكأنه تم واستقر وثبت. ومثله قوله تعالى لنوح عليه السلام: {وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} [هود: 37] فلم يقل: سأغرقهم أو إنهم سيغرقون. ولكنه أخرجه مخرج الأمر الثابت أي: كأن الأمر استقر وانتهى. ومثله قوله تعالى في قوم لوط عليه السلام: {وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بالبشرى قالوا إِنَّا مهلكوا أَهْلِ هاذه القرية} [العنكبوت: 31] ولم يقولوا: سنُهلك. فذكرها بالصيغة الاسمية للدلالة على الثبات أي: كأن الأمر انتهى وثبت.
فخلاصة الأمر أن الفعل يدل على الحدث والتجدد والاسم يدل على الثبوت والاستقرار. وقد استعمل القرآن الفعل والاسم استعمالاً فنياً في غاية الفن والدقة.
فمن ذلك قوله تعالى: {يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحي ذلكم الله فأنى تُؤْفَكُونَ} [الأنعام: 95] . فاستعمل الفعل مع الحي فقال: (يخرج) واستعمل الاسم مع الميت فقال: (مخرج) وذلك لأن أبرز صفات الحي الحركة والتجدد فجاء معه بالصيغة الفعلية الدالة على الحركة والتجدد، ولأن الميت في حالة همود وسكون وثبات جاء معه بالصيغة الاسمية الدالة على الثبات فقال: {وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحي} [الأنعام: 95] .
ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامتون} [الأعراف: 193] .
"فَفرَّقَ بين طرفي التسوية فقال: (أدعوتموهم) بالفعل ثم قال: (أم أنتم صامتون) بالاسم ولم يسوِّ بينهما فلم يقل: أدعوتموهم أم صمتّم بالفعلية. أو: أأنتم داعوهم أم صامتون.
وذلك أن الحالة الثابتة للإنسان هي الصمت وإنما يتكلم لسبب يعرض له. ولو رأيت إنساناً يكلم نفسه لاتَّهمته في عقله. فالكلام طارئ يحدثه الإنسان لسبب يعرض له ولذا لم يسوِّ بينهما بل جاء للدلالة على الحالية الثابتة بالاسم: (صامتون) وجاء للدلالة على الحال الطارئة بالفعل: (دعوتموهم) أي: أأحدثتم لهم دعاء أم بقيتم على حالكم من الصمت". جاء في (الكشاف) في هذه الآية: "إن قيل: هلا قيل: أم صَمَتُّم؟ ولِمَ وضعت الجملة الاسمية موضع الفعلية.
قلت: لأنهم كانوا إذا حَزَبَهم أمر دعوا الله دون أصنامهم.. فكانت حالتهم أن يكونوا صامتين عن دعوتهم. فقيل: إن دعوتموهم لم تفترق الحال بين إحداثكم دعاءهم وبين ما أنتم عليه من عادة صمتكم عن دعائهم".
ومن لطيف الاستعمال الفني للفعل والاسم قوله تعالى: {الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً} [غافر: 61] .
فاستعمل مع الليل الفعلَ (لستكنوا فيه) ومع النهار الاسم (مبصراً) ولم يسوِّ بينهما فلم يقل: ساكناً ومبصراً ولا لتسكنوا فيه، ولتبصروا فيه مع أن الاستعمال الحقيقي هو: (لتبصروا فيه) .
وذلك أنه جمع الحقيقة والمجاز في تعبير واحد ولو جعلهما بصورة تعبيرية واحدة لفاتت هذه المزية الفنية فإنه ذكر نعمة الله علينا في الليل فقال {هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} [يونس: 67] . ولو قال: "هو الذي جعل لكم الليل ساكناً" لم يكن فيه دلالة نعمة على الخلق من ناحية ولكانت (لكم) هنا زائدة ليس لها فائدة، فهو جاء بـ (لكم) وبالصيغة الفعلية للدلالة على قصد النعمة والتفضل علينا. وعلاوة على ذلك فإنه لو قال: (ساكناً) لم يكن التعبير مجازياً لأن الليل يصح أن يوصف بالسكون فيقال: ليل ساكن وليل ساجٍ، فتحويله إلى الصيغة الاسمية ليس فيه فائدة معنوية ولا فنية، ولَمَّا تقررت دلالة النعمة في صدر الآية كان العدول إلى التعبير المجازي بعد ذلك كسباً فنياً.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .