انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم لغة القرآن
المرحلة 3
أستاذ المادة عيسى سلمان درويش المعموري
26/11/2014 15:46:22
احمد بن عبد ريه: هو احمد بن عبد ربّه المكنى (أبو عمر) ولد في قرطبة عاصمة الأندلس سنة(246هـ) وتلقى العلوم على يد شيوخ عصره فدرس الفقه والتاريخ ثم عني بممارسة النظم والكتابة وأدام النظر في كتب المشارقة ويعتقد بعض الباحثين ان ابن عبد ربه رحل إلى المشرق وانه افاد من ذلك في توسيع دراسته وتعميق العلم وتقوية الاتصال بثقافة المشرق كما يذكر ذلك الدكتور احمد هيكل في كتابه (الادب الأندلسي) ويبدو من اخبار ابن عبد ربه وأشعاره في مرحلة فتوتة وشبابه انه ميال إلى اللهو ولكنة لم يكن ماجنا،اتصل ابن عبد ربه بأمراء بني امية في اواخر القرن الثالث ومدحهم ونال عطاءهم كما انه ادرك حكم عبد الرحمن الناصر وفي هذه المرحلة تحول الحكم من نظام الإمارة إلى نظام الخلافة وكان ابن عبد ربه اديبا،بارعا،متعدد الجوانب،فهو شاعر، وكاتب، ومؤلف بارز،ويعد كتابه (العقد الفريد) معرضا لأدبه وذوقه فقد انطوى على مقاطع نثرية أسماها (الفرش) وكان يدلي بالإشعار التي يذكرها للآخرين كما انه نظم كتابه على أبواب وكل باب من هذه الابواب عرف باسم (جوهرة من الجواهر على عادة الأندلسيين في حب الزينة وإيثار الترف وقد جنح الشاعر إلى العزلة والعبادة بعد أن شاخ على غرار ما جنح اليه من قبل يحيى الغزال في الأندلس وأبو نؤاس في المشرق توفي أبن عبد ربه عام (328 هـ) ويعد في نظر مؤرخي الادب أول شاعر كبير في الأندلس وقد اتسم اسلوبه الشعري بالعذوبة والرقة وقرب المأخذ . ولعل مفتاح شخصية ابن عبد ربه في شعره أنه لايوغل في المجاز ولايغوص على المعنى وهو ينظم برشاقة وخفة ومن هنا كانت عبارته ترق في الاسماع من دون أن يكون وراءها معنى عميق ومن هذا القبيل قوله يالؤلؤا يسبي العقـول أنيقــا ورشاً بتقطيع القلـوب رفيقــا ما إن رأيت ولا سمعت بمثله درأ يعــود من الحـياء عقيقــــــــــــــــــــا وإذا نظرت إلى محاسن وجهه أبصرت وجهـك في سناه غريقا يامن تقطع خصره من رقـــة ما بــال قلبك لا يكــــــــــــــــون رقيقا
ففي هذه الابيات يذكر الشاعر الفاظ الزينة التي تنم عن ميل الأندلسيين إلى التجمل بالزينة والحلي ولعل ما يلاحظ فضلا عن ذلك تلك الفتاة الأندلسية المولدة ببشرتها البيضاء التي شبهت باللؤلؤ ولم تلبث من الحياء أن تغدو متوردة كالعقيق أما أثر الصنعة فيبدو واضحاً من خلال حرص الشاعر على التصريع حتى في المقطعات وذلك بيّن في قافية المطلع والمجانسة بينهما وكذلك المطابقة بين الدر والعقيق ثم إيراده لهذا الطباق الذي يقوم على التضاد بين رقة خصر الحبيب وعدم رقة قلبه . وهنالك شاهد أخر تتجلى فيه السهولة واليسر في اللفظ والقافية كما في قوله : حكمته لو عـــــــــــدلا أعطيته ما سألا ادري به ما فـــــــعـلا وهبته روحي فما لاملّ ذاك الشُغلا قلبي به في شغل
وهذه الظاهرة التي نلمحها في شعر ابن عبد ربه لم تكن سائدة في الشعر الأندلسي على هذا النحو قبل عصر ابن ربه ولعلنا واجهناها أول الامر في شعر يحيى الغزال على حين كانت سمات الغرابة في اللفظ والجزالة في الاشعار السابقة من قصائد ابن عبد ربه الغزلية لاميته التي عارض فيها قصيدة صريح الغواني(مسلم ابن الوليد) التي يقول فيها :- ولاتطلبا مــن عند قاتلتي ذخـــــــــــــــــلي أديرا علي الراح لا تشربا قبـــــــــلي ولكن على من لايحــل له قتـــــــــــــــــلي فياحزني أني أمــوت صـــــــــــــــــــــبابة "دعيه الثريا منه اقرب من وصلي " فديت التي صدت وقالت لتربها
فقال ابن عبد ربه معارضاً القصيدة التي بتمامها :- اتقتلني ظلماً وتجحدني فضلي وقد قام من عينيك لي شاهدا عدل أطلاب ذحلي ليس بي غيرشادن بعينية سحر فاطلبوا عنده ذحــــــــــــــــــــلي أغار على قلبي فلما أتيته أطالبه فيـه أغــار على عــــــــــــــــــــــــــــــــقلي بنفسي التي ضنت بردّ سلامها ولو سألت قتلي وهبت لــــــها قتلـي اذا جئتها صدت حياء بوجها فتهجرني هجـراً ألذ من الوصــــــــــــل اقول لقلبي كلما ضامه الأسى اذا ما اتيت العز فاصبر على الذل برأيك لا رأيي تعرضت للهوى وأمرك لا أمري وفعلك لا فعـــــــــــــــلي وجدت الهوى نصلاً من الموت مغمداً فجردتــه ثم أتكات على النصــــــــــــل فان كنت مقتولاً على غير ريبة فأنت الذي عرضت نفسك للقتل
على هذا النحو يمضي الشاعر في تصوير العلاقة بينه وبين من يحب وكأنها حرب بينه وبين كائن شديد اليأس ولهذا اضحى قتيلاً ولم يكن قاتله غير ذلك الحبيب وثمة حبيب قاتل ومحب صريع ولا بد ان يتبع ذلك اخذ الثأر وما ذلك القاتل سوى شادن جميل العينين ومن هنا يبدو لنا جليا كيف عمد الشاعر إلى استمداد صوره ومعانيه الجزئية من حياة العرب ويجنح الشاعر في الابيات الاربعة الاخيرة إلى مناجاة قلبه على هذا النحو الشجي وكأنه مجرد منه كائن ثان انساق وراء نزوته فحق عليه ان يعاني مرارة الحب ومثل هذا الاسلوب ينطوي على جدلية تجعل التعبير متسما بصراع وحركة تتجاذب مستوى العاطفة التي يبثها الشاعر في نصه وقد يعمد احيانا على ابراز التضاد من خلال الاعتماد على الطباق في اسلوبه اذ يذكر الظلم والعدل والهجر والوصل وعلى العموم يكشف النص السمات التقليدية وعناصر المحافظة ولم يكن هذا النزوع عارضا وإنما قصد اليه قصدا لان النص كان عبارة عن معارضة لنص مسلم بن الوليد ونزعة المعارضة هذه لا تتجلى في هذه القصيدة فحسب بل تكاد ان تكون شاملة في مذهبه الادبي بالرغم من جنوحه إلى التجديد ولكن هذا التجديد كان ضمن اطار الماضي ويدور داخل فلكه وهذا الأثر جلي من خلال ما يصدر من احكام وأقوال في كتابه العقد الفريد بل ان كتابه هذا لم يكن إلا رغبة ملحة في مناقشة المشارقة وبلوغ شأوهم . المرحلة الثانية من حياة ابن عبد ربة الأندلسي هي المرحلة التي تؤذن فيها شمس شباب الشاعر بالمغيب وتثقل عليه وطأة السنين لينكفي على نفسه فلا يلبث ان يجنح للحكمة وينعطف إلى الزهد شأنه في ذلك الشأن اي انسان ينفتح عن الحياة في ريعان شبابه ثم لا يلبث عندما يدركه الهرم ان يتوارى عن مسرح المباهج هذا ما كان من امر ابن عبد ربه وهذا ما كان من شأن سلفه الشاعر الغزال بعد حياة من المباهج والمسرات بل ما كان اخيرا من شأن ابي نؤاس في المشرق وهكذا راح ابن عبد ربة يقول في نغم شجي: إذا اخضر منها جانب جف جانب ألا انما الدنيـا غضــارة أيكــــــــــــــــــــة عليـها ولا اللـذات إلا المصــــــــــــــــــائب هي الـــدار ما الآمـال الا فجـــــــــائع وقرت عيون دمعها اليوم ســــــاكـب وكم سخنت بالأمس عـين قريرة على ذاهب منــــــــــــــــها فأنــك ذاهـب فـــلا تكتـحل عيناك فيها بعــــبرة ويبدو من الابيات ان الشاعر في تأملاته هذه كأنما يرثي نفسه قبل حين الرثاء وعلى الرغم من مسحة التشاؤم التي تسربلت بها هذه الابيات فأنها لطيفة الوقع على الاذن محببة إلى النفس وذلك راجع إلى عوامل خفية يوحي بها إلى مثل هذا الشعر ولعل من عناصر جمال النص هذا مطلعه الذي يشبه به الشاعر الدنيا بشجرة وهذا التشبيه مفعم بالحياة على الرغم من بساطته وقرب مأخذه وهوة من جهة اخرى مستمد من طبيعة البيئة الأندلسية وربما كان ايضا من اسباب جمالية هذه الابيات ان الشاعر قد استطاع تصوير الدنيا غير المستقرة على حال والحياة المتقلبة والموصوفة بالتحول تصويرا حيا باختياره لمجموعة من الافعال مما يوحي بعنصر الحركة الذي ابتغاه . وجنح ايضا بالإضافة إلى ذلك إلى هذه المطابقات التي اقتضتها طبيعة المقارنة بين وجهي الحياة القاتم والمشرق ويؤلف شعر الاداب والأخلاق الاسلامية حيزا مهما في ديوان ابن عبد ربه ويأتي بهذه القصائد في باب الامثال ايضا في كتابه (العقد الفريد) كما في قوله حتى يروم التي من دونها العطب والحر لايكتفي من نيل مكرمة ان كفة رهب يستدعـــــــــــــــــــــــه رغب سعى به أمل من دونه أجــــــــــــل انظر اليك" وفـــــــــــــــــي تسآله عجب لذاك ماسأل موسى ربه" أرني وهو النجي لديه الوصل والطلب يبقى التزيد فيما نال من كرم
الشاعر هنا اراد ان يذكر حرص الانسان على الاستزادة من الحياة وان يبلغ اعلى المراتب لأنه يحدوه عند سعيه الامل وقد يحول الاجل في كف طموح الشاعر ولكن في احيان كثيرة يبقى متماديا لا يرعوي حتى يقع في المصيبة. الموضوع الاخر الذي تناوله في شعره والذي يتصل في شعر الاداب الاسلامية ويأخذ حجما واسعا من الديوان هو الشعر الزهدي الذي وصلت الينا منه قصائد كثيرة ذهب فيها ابن عبد ربه مذهبا جديدا اطلق عليه (الممحصات) وهي قصائد يعارض فيها قصائده التي قالها في حياته الاولى يلتزم فيها الوزن والقافية نفسهما ولكنه يناقض نزعته المتساهلة في باب الغزل وجل ما وصل الينا من هذه القصائد لاتزيد ابياتها على الخمسين بيتا كما في قوله: ياعاجزاً ليس يعفو حين يقتدر ولايقضّى له مـن عيشــه وطــــــــــــــــــــــــر عاين بقلبك ان العين غافلــة عن الحقيقة واعلم أنهــا سقـــــــــــــــــــــــر سوداء تزفر من غيظ اذا سعرت للظالمـــين فلا تبقــي ولاتــــــــــــــــــــــــذر إن الذين اشتروا دنيا بآخــرة وشقــوة بنعيــم ساء ماتجـــــــــــــــــــــــروا انت المقول لـه ما قلت مبتدئا هلا ابتكرت لبين ما كنت مبتكر
لقد اشاد النقاد بشاعرية ابن عبد ربه التي اتسمت بالغزارة في النتاج والتنوع في الموضوعات حتى رأى الباحثون انه كان نقطة تحول في الشعر العربي في الأندلس وقد تأثر فيه شعراء اندلسيون كثر ويمكن ابرز سمات شعره على النحو الآتي: 1- انماز شعر ابن عبد ربه بالبديهة في مرحلة شبابه والمقصود بالبديهة السهولة وطابع الخفة والارتجال وربما كان من اثر الارتجال كما يقول(د.احسان عباس) وفرة التيار العاطفي في شعره حتى في اشد الحالات التي يمكن ان تثور فيها العاطفة اما في مرحلة الشيخوخة فقد اقترن شعره بالكد والصنعة وظهر ذلك جليا في مظهره الفني الذي ابتدعه حين عارض اشعاره التي قالها في المرحلة الاولى في مرحلته الثانية وخص الادب الأندلسي بفن طريف سماه (الممحصات) ومن ابياته المشهورة بهذا الاتجاه قوله : يامن يضن بصوت الطائر الغرد ما كنت أحسب هذا الضـــن من أحــــد لو ان أسماع أهل الارض قاطبة أصغت إلى الصوت لم ينقص ولم يـــزد لولا اتقائي شهابا منك يحرقني بنـــاره لأسترقـت السمــــــــــــــــــــــــــــــــع من بعد
2 -عدم التزامه اتجاها واحدا فهو محافظ حينا مجددا حينا اخر كما يراه د.احمد هيكل مع امتياز شعره بالبساطة والغنائية حيث غلب الجانب الموسيقي والعنصر العاطفي 3- ما يتصل بلغة الشاعر:شيوع الالفاظ ذات الدلالات الموحية بالجمال في مراحله المبكرة ثم كثرت الالفاظ القرآنية والمصطلحات الفقهية ويبدو اثر الاقتباس القرآني واضحا في شعره كما في قوله:- قد ضعف المطلوب والطالب ما انتم شيء ولا علمكم تغالبون الله في حــكمه والله لايغلبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه غالب
ففيه اقتباس من قوله تعإلى (ضعف الطالب والمطلوب) وقوله( والله غالب على امره)يوسف/21 والملاحظ ان ابن عبد ربه يجري في الاتجاه العام الذي جرى عليه الشعراء الأندلسيون في مجال الاقتباس اذ تأتي اقتباساتهم غير مباشرة على وفق رأي المالكيه في كراهة الاقتباس من القرآن الكريم في الشعر وهذا الكلام لا يبدو دقيقا لما صادفنا من اقتباسات تبدو مباشرة كما في قوله: لذاك ما سأل موسى ربه أرني أنظر اليك وفي تساله عجب وهناك سمة لا بد من التنويه بها وهو ما يتصل بثقافته تبدو هذه السمة في تعلقه في الثقافة المشرقية وموروثها الضخم فهو تارة يورد اشعار القدماء في كتابه(العقد الفريد) وفي صورة اخرى يكون معارضا لشعره كما رأينا في معارضته للامية (صريح الغواني) وليست(ممحصاته) إلا استمرارا لروح المعارضة التي سيطرت عليه فعلى رأي احد الدارسين يقول(فهو حين شبع من معارضة المشارقة عارض نفسه)
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|