انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الفصل الدراسي / الأول الأسبوع الخامس

الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 3
أستاذ المادة علي عبد الفتاح محيي فرهود       19/01/2014 16:45:46
ملاحظة // المواعيد المسجلة أمام المحاضرات غير ثابته بسبب تغيرها في ضوء العطل والمناسبات إذ تعوض بتقديمها , أو تأخيرها لطفا .
----------------------------------------------------------

الأسبوع الخامس/
المحاضرةُ التاسعةُ (29/10/2013)
يعد التوكيد من بين تلك الأساليب الرئيسة التي زخرت بها صور الجملة العربية وتراكيبها وله الأثر البالغ والمقصود في دلالة النص فهو أسلوب لغوي غايته التحقيق وإزالة التجوُّز في الكلام ، يقوِّي به المتكلم عبارَتَه لتوثيق كلامه ودفع أدنى صور الارتياب فيه ولترسيخ دلالته وصدقه حينًا ، أو لأنه يعرف أنه يكذبُ ويريد من السامع أن يصدقه حينًا آخر ، مستعملاً الأداة تارةً وغيرَها تاراتٍ بحسب مقتضى الحال. فقد يستدعي ذلك استعمالَ مؤكِّد واحدٍ فيكون الخبر طلبيًّا ، وقد يستدعي استعمال أكثر من مؤكد واحد فيكون الخبر إنكاريًّا ، وهذا بخلاف النص المقابـل الخالي من التوكيد الذي يسمى الخبر فيه ابتدائيًّا.
وقد زخرت سورة يوسف (عليه السلام) بأسلوب التوكيد في جملها وعباراتها وتراكيبها ، ولعلي لا أُبالغ إن ذهبت إلى أن من جوانب إعجاز هذه السورة المباركة ذلك البناء اللغوي والبياني الذي يمثله أسلوب التوكيد فيها. فهي سورة حية نابضة متحركة – والقرآن الكريم كله كذلك - تتسارع فيها الأحداث والوقائع وتستمر فيها المحاورات والمشاورات وطرح الرؤى واختلاق الحجج ، وسوى ذلك مما يجعل من التراكيب اللغوية سبيلاً يدفع بالقارئ إلى أن يلتمس الوجه البياني الرائع الذي يصوره أسلوب التوكيد.
وقد بحثت في استجلاء معطيات هذا الأسلوب – وسواه من أساليب التعبير ذات الصلة – الدلالية في نصوص السورة المباركة بحسب تسلسل آياتها من أولها إلى آخرها تحقيقًا لفائدة التعايش مع أحداث هذه القصة بشكل مفصَّل مرتب ومنظم لنقف بذلك على حقيقة أثر أسلوب التوكيد وما يصرف إليه في نص هذه السورة من دلالات إيحائية تسرح بالقارئ في فضاء التأمل والتدبر والاستنباط. معتمدًا ما لدي من حصيلة علمية في ضوء المعرفة القرآنية واستعانة بنص القرآن الكريم نفسه برد الآية إلى أختها وفهم النص في ضوء سياقه وسوابقه ولواحقه ، مبتعدًا عن الأخذ بتلك التأويلات والتحليلات والآراء الكثيرة التي قيلت وكتبت عن سورة يوسف (عليه السلام) إلا ما وجدته مناسبًا ومساعدًا في البحث ، إذ ليس كـل ما يُدرَس ويُكتب يكون بحثًا إذا كان تقليدًا وتسليمًا لما كُتب فـي المصادر السابقة وترديدًا لما قيـل من آراء. فالقرآن متجدد حي وقد حثنا الله تعالى على التدبر فيه بقوله عز وجل: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَاْ) [محمد/ 24]. فكان هذا الكتاب ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت وإليه أُنيب ، وله الحمد أولاً وآخرًا وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.
1- كلامه تعالى عن نعمته الكبرى (القرآن الكريم) :
قال تعالى: ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُون ) [ 2].
بسببٍ من عظمة الخالق مُنـزِلِ القرآن الكريم ، وسمو شأن هذا المُنزَل ورفعة قدره وأثر هدْيه وإرشاده افتُتِحَ هذا النصُّ بأداة التوكيد (إنَّ) التي لها أثر بلاغي في توكيد النص الذي ترد فيه(1). وقد استدعى المقام ابتداءَ هذا النص بالتوكيد ردا على اليهود وسواهم ممن اتهم الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) بافتعال القرآن من عنده أو بأنه لا علم له بأحوال الأنبياء والأمم السابقة(2). فإنكارهم صدق النبوة ومعجزتها اقتضى الرد عليهم بنص مؤكد ردعًا وتبكيتا لهم. وقد ورد اسم (إنَّ) وهو ضمير المتكلم (الله تعالى) بصيغة الجمع دلالة على التعظيم وأن الله تعالى هو وحده العالم بالغيب ، وهو الذي يوحي من غيبه ما يشاء - ومنه قصص الأنبياء والأمم السابقة – إلى رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهذه الأمور الغيبية تحتاج إلى توكيد لترسيخ صدقها في أذهان السامعين والمقصودين بالخطاب. وإن سمو شأن اللغة العربية وكون القرآن الكريم قد نزل بها على نبي عربي في أمة عربية اللسان لينطلق بدعوته إلى العالم بأسره أمرٌ في غاية الخطورة ، يستدعي تفنيد مزاعم كل مفتر ومعترض على نزول القرآن بهذه اللغة إذاما خطر بباله – كبرًا وانحرافا – أن التوراة نزل بالعبرية والإنجيل نزل بالسريانية وقد عني أنبياء بني إسرائيل وأممهم بهذين الكتابين المقدسين تكليفا وحملا وعملا وتبليغا ، فلمَ يُعدل عن لغتيهما إلى اللغة العربية ؟ فجاء هذا النص مؤكدا ليوحي – مما يوحي به – بأن اللغة العربية لغة مقدسة وذات بيان وتأثير ، يهدي بيانُها البشر إلى الرقي والسمو ، ويقصد بهم نحو الإنسانية والآدمية التي خُلقوا عليها ولأجلها ، ويُبعدهم عن النزول إلى مراتب الحيوانية والبهيمية إذاما التزموا منهجَ القرآن الجلي وعملوا بأوامره ونواهيـه ومن يلتزم هذا المنهج فهو العاقل السليم القويم وهي السمات التي يريد اللهُ تعالى للإنسان أن يتحلى بها. أما من يحيد عنه ويعدل فهو دون العاقل الذي خلق ليعقل ولم يُرِد ذلك.

المحاضرةُ العاشرة (29/10/2013)
2- كلامه تعالى لرسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) حول القرآن وقصص السابقين:
قال تعالى: (نَحْنُ نَقُـصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْـكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِين)[3].
هذا ردٌّ على مزاعم المبطلين المعاندين ممن خسروا أنفسهم وأضاعوا خير الدارين عندما أنكروا نبوة الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) وادعوا افتعاله القرآن ، فقد تضمنت هذه الآية الكريمة هذا الرد الجلي الواضح الذي يبعث الثقة المطلقة في نفس الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) فما نزل عليه إنما هو بوحي الله تعالى ، لا من عنده ، وقد بدأ هذا النص بالضمير (نحن) كناية عن الله تعالى بعبارة ملؤها التعظيم والتخصيص ، (نحن) لا غيرنا بمشيئتنا لا بمشيئة مخلوق ، وقد تلا هذا الضميرَ الفعلُ المضارعُ (نقصُّ) وهو مبدوء بحر ف المضارعة (النون) الذي يعد كناية عن الفاعل بصيغة الجمع إرادة للتعظيم أيضا. فهذا الضمير (نحن) قد قدم توكيدًا للعناية والاهتمام(3) على الفعل (نقص) الذي يكتنف هذا الضمير أيضا. وقد جاء الفعلُ (نقصُّ) بالصاد المدغمة المشددة غير المفكَّكة ، وفي هذا إشارة إلى أن قصص الأنبياء (عليهم السلام) والأمم السابقة إنما هو من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى ، فهي قصص مستورة مخفية لم يطلع عليها أحد – بعد الله تعالى – إلا من منَّ الله عز وجل عليه بوحي يكشف له ذلك. وهذا الغيب المستور ناسب إدغام (الصاد) في الفعل (نقص) فكما أنه غيب غير معلوم إلا بعد الإيحاء به كذلك هذه (الصاد) مدغمة غير مكشوفة ولا مفككة ، ويقابل هذا الرسم قوله تعالى على لسان يعقوب لابنه يوسف (عليه السلام) : (يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاك) [5] تنبيها ليوسف (عليه السلام) على أن بوحَه برؤياه وكشفه إياها لإِخوته سيعود عليه بالضرر. لذا نهاه عن الكشف والفك والبوح بقوله: (لاَ تَقْصُصْ) أي لا تجعل الأمر مكشوفا ظاهرا واضحا. وقد ناسب النهيَ عن هذا الكشف مجيءُ (الصاد) مكشوفة غير مدغمة ولا مستورة فهذه الخصوصية استدعت مجيءَ النص مؤكدًا بتقديم ما حقه التأخير وهو الضمير (نحن) على الفعل (نقص). واللهُ أعلمُ.
وثمة موضع ثان وقع فيه تقديم ما حقه التأخير لتوكيد النص وهو قوله تعالى: (بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْـكَ هَـذَا الْقُرْآنَ) ، فقد قُدم الجار والمجرور (إِلَيْـكَ) على المفعول به (هَذَا) والبدل عنه (الْقُرْآنَ) دلالة على أن الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) قد شُرِّف بالوحي والرسالة ، وأنه منتهى غاية الإيحاء والتبليغ ، وأن ما يخبر به من قصص السابقين ليس من هواه ولا من ابتداعه (إِنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) [النجم: 4-5] وهذا موضع يستدعي التقديم لأهمية المقدَّم.
وثمة موضع ثالث وقع فيه التقديم أيضا ، وهو قوله تعالى: (وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِين) إذ قُدم الجار والمجرور (مِن قَبْلِهِ) على خبر (كان) وهو (لَمِنَ الْغَافِلِين) دلالة على أن الأحداث والقصص والأحوال التي لم توحَ إلى الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد إنما كان هو منها من الغافلين ، أي غير العالمين بتفاصيلها ودقائقها وأسرارها وحقائقها إلا بعد الوحي الإلهي بحسب ما نفهمه من هذا النص والله أعلم. وهذا موضع يستدعي الاهتمام والعناية فقُدم فيه ما كان حقه أن يتأخر.
إن كل جزء من أجزاء التركيب أو الجملة يُقدَّم على موضعه الطبيعي الاعتيادي يكون قد أُحيط بالعناية والاهتمام ، ويكون غاية في الذكر من بين أجزاء تلك الجملة ، يُلفت إليه النظرُ ، ويُمعَنُ فيه الفكرُ ، وتفيض من ذكره وتقديمه المعاني الإيحائية التي يسرح بها الفكر وتتسع لها المخيلة.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .