انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

خصائص الشعر الجاهلي// الخصائص اللفظية//1

الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 1
أستاذ المادة عيسى سلمان درويش المعموري       26/12/2013 19:11:32
-الخصائص اللفظية
من أهم ما يلاحظ على الشعر الجاهلي أنه كامل الصياغة؛ فالتراكيب تامة ولها دائمًا رصيد من المدلولات تعبر عنه، وهي في الأكثر مدلولات حسية، والعبارة تستوفي أداء مدلولها، فلا قصور فيها ولا عجز. وهذا الجانب في الشعر الجاهلي يصور رقيًّا لغويًّا، وهو رقي لم يحدث عفوًا فقد سبقته تجارب طويلة في غضون العصور الماضية قبل هذا العصر، وما زالت هذه التجارب تنمو وتتكامل حتى أخذت الصياغة الشعرية عندهم هذه الصورة الجاهلية التامة؛ فالألفاظ توضع في مكانها والعبارات تؤدي معانيها بدون اضطراب.وقد يكون من الأسباب التي أعانتهم على ذلك أن الشعراء كما أسلفنا كانوا يرددون معاني بعينها؛ حتى لتتحول قصائدهم إلى ما يشبه طريقًا مرسومًا، يسيرون فيه كما تسير قوافلهم سيرًا رتيبًا، وكانوا هم أنفسهم يشعرون بذلك شعورًا دقيقًا، مما جعل زهيرًا يقول بيته المأثور إن صح أنه له:
مَا أَرَانَا نَقُوْلُ إلَّا معارًا
أو مُعادًا من لفظنا مكرورا


فهو يشعر أنهم يبدءون ويعيدون في ألفاظ ومعان واحدة، ويجرون على طراز واحد طراز تداولته مئات الألسنة بالصقل والتهذيب؛ فكل شاعر ينقح فيه ويهذب ويصفي جهده حتى يثبت براعته. ولم تكن هناك براعة في الموضوعات وما يتصل بها من معان إلا ما يأتي نادرًا؛ فاتجهوا إلى قوالب التعبير، وبذلك أصبح المدار على القالب لا على المدلول والمضمون، وبالغوا في ذلك، حتى كان منهم من يخرج قصيدته في عام كامل، يردد نظره في صيغها وعباراتها حتى تصبح تامة مستوية في بنائها1.
وربما دل ذلك على أن مطولاتهم لم تكن تصنع دفعة واحدة؛ بل كانت تصنع على دفعات، ولعل هذا هو سبب تكرار التصريع في طائفة منها، ولعله أيضًا السبب في تَفْككها واختلاف عواطفها؛ فقد كان الشاعر يصنعها في أزمنة مختلفة. وأغلب الظن أنه كان إذا صنع قطعة عرضها على بعض شعراء قبيلته وبعض من يلزمه من رواته؛ فكانوا يروونها بصورة، وما يلبث أن يعيد فيها النظر فيبدِّل في بعض أبياتِها، يبدل كلمة بكلمة، وقد يحذف بيتًا. ومعنى ذلك أن صناعة المطولات أعدت منذ العصر الجاهلي لاختلاف الرواية فيها بسبب ما كان يدخله صاحبها عليها من تعديل وتنقيح. وفي أسماء شعرائهم وألقابهم ما يدل على البراعة في هذا التنقيح وما يطوى فيه من تجويد؛ فقد لقبوا امرأ القيس بن ربيعة التغلبي بالمهلهل لأنه أول من هلهل ألفاظ الشعر وأرقها1 ولقبوا عمرو بن سعد شاعر قيس بن ثعلبة بالمرقش الأكبر لتحسينه شعره وتنميقه ولقبوا ابن أخيه ربيعة بن سفيان بالمرقش الأصغر، كما لقبوا طفيلًا بالمحبر لتزيينه شعره ، ولقبوا علقمة بالفحل لجودة أشعاره4 ولقبوا غير شاعر بالنابغة في شعره، ومن ألقابهم التي تدل على احتفالهم بتنقيح الشعر المثقِّب والمتنخّل. وقد استطاعوا حقًّا أن يبهروا العصور التالية بما وفروه لأشعارهم من صقل وتجويد في اللفظ والصيغة.
ونحن نعرف أن الصيغة في الشعر صيغة موسيقية، وقد أسلفنا كيف أحكموا هذه الصيغة؛ فقد كان الشاعر يتقيد في قصيدته بالنغمة الأولى، وما زالوا يصفون في نغم القصيدة، حتى استوى استواء كاملًا، سواء من حيث اتحاد النغم أو اتحاد القوافي وحركاتها، وبرعوا في تجزئة الأوزان حتى يودعوا شعرهم كل ما يمكن من عذوبة وحلاوة موسيقية على نحو ما نلاحظ في غزلية المتنخل اليَشْكَري السابقة. وحقًّا هو في جمهوره جزل؛ ولكنها جزالة تستوفي حظوظًا من الجمال الفني؛ ولذلك ظلت ماثلة في شعرنا العربي عند شعرائه الممتازين إلى عصورنا الحديثة. واقرأ في حوليات زهير وقصائده المطولة وفي غيره من المبرزين أمثال النابغة وعلقمة الفحل والمرقشين والأعشى وطرفة والمتلمس وعنترة ودريد بن الصمة وسلامة بن جندل والحادرة والمثقب العبدي فستجدك أمام قصائد باهرة، قد أُحكمت صياغتها وضبطت أدق ضبط، وسنعرض قطعًا منها فِي حديثنا عن الشُّعراء، لنصور براعتهم في هذا الجانب وكيف حققوا لموسيقاهم مهما جَزُلَتْ وتضخمت كل ما يمكن من بهاء ورونق. وقد استعانوا منذ أقدم أشعارهم؛ لغرض التأثير في سامعيهم، بطائفة من المحسنات اللفظية والمعنوية، وأكثرها دورانًا في أشعارهم التشبيه؛ فلم يصفوا شيئًا إلا قرنوه بما يماثله ويشبهه من واقعهم الحسي، فالفرس مثلًا يشبه من الحيوان بمثل الظبي والأسد والفحل والوعل والذئب والثعلب ويشبه من الطير بالعقاب والصقر والقطاة والباز والحمام، ويشبه بالسيف والقناة والرمح والسهم وبالأفعوان والحبل والهراوة والعيب والجذع وتشبه ضلوعه بالحصير وصدره بمداك العروس وغرته بخمار المرأة والشيب المخضوب ومنخره بالكير وعرفه بالقصبة الرطبة وحافره بقعب الوليد وعنقه بالرمح والصعدة وعينه بالنقرة والقارورة ولونه بسبائك الفضة وارتفاعه بالخباء. وكل هذه الأوصاف والتشبيهات مبثوثة في المفضليات والأصمعيات، ويعرض علينا امرؤ القيس في وصفه لفرسه بمعلقته طائفة طريفة منها. وعلى نحو ما لاحظنا آنفًا كانوا يحاولون الإطراف في التشبيه، حتى يخلبوا ألباب سامعيهم، وقد يقعون على صورة نادرة كتصوير المتنخل اليشكري لغدائر بعض النساء بأنها كالحيات، يقول:
َعْكُفْنَ مِثْلَ أَساودِ الـ ـتَّنُّوم لم تُعْكَفْ لزُورِ


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .