انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم لغة القرآن
المرحلة 1
أستاذ المادة عيسى سلمان درويش المعموري
26/12/2013 18:50:08
الوصف من موضوعات شعرهم المهمة ، وقد وصفوا كل شيء وقعت عليه أعينهم في صحرائهم، وفي العادة يذكرون ذلك بعد غزلهم وتشبيبهم؛ إذ يخرج الشعراء إلى وصف رحلاتهم في الصحراء، فيتحدثون عن قطَعهم للمفاوز البعيدة، فوق إبلهم، ويأخذون في وصفها وصفًا مسهبًا على نحو ما هو معروف عن طرفة في وصفه لناقته بمعلقته وقد كاد أن لا يترك فيها عضوًا ولا جزءًا دون وصف وتصوير، والمفضليات والأصمعيات تزخر بأحاديثهم عنها ومقدار ما كانوا يرون فيها من جمال وكانوا يشبهونها بالقصور ويشبهون قوائمها بالأعمدة وقد يشبهونها بالسفن والقناطر ويشبهون قوائمها بجذوع الطلح ويديها بالصخر الغليظ أو بيدي السابح، وصوتها بصوت القصب وخفافها بالمطارق. وقد يشبهونها بالجبل ويشبهون صدرها بالطريق وكانوا يشبهونها بكثير من الحيوان مثل الظليم والثور وحمار الوحش، وحينئذ يستطردون إلى وصف هذه الحيوانات وما يكون من عراك بينها وبين كلاب الصيد1، يقول الجاحظ: "ومن عادة الشعراء إذا كان الشعر مرئية أو موعظة أن تكون الكلاب هي التي تقتل بقر الوحش، وإذا كان الشعر مديحًا وقال كأن ناقتي بقرة من صفتها كذا أن تكون الكلاب هي المقتلوة. ليس على أن ذلك حكاية عن قصة بعينها؛ ولكن الثيران ربما جرحت الكلاب وربما قتلتها. وأما في أكثر ذلك فإنها تكون هي المصابة والكلاب هي السالمة والظافرة وصاحبها الغانم"2. وكأنهم كانوا يتخذون قتل الكلاب في المديح رمزًا لأعداء الممدوح، وكانوا فعلًا يشبهونهم بالكلاب3. وعلى نحو ما أكثروا من وصف الإبل أكثروا من وصف الماعز، كما أكثروا من وصف الخيل وشبهوها بضروب من السباع المنعوتة بالمخالب وطول الأظفار ولامرئ القيس قطعة بديعة بمعلقته يصف فيها فرسه الذي اتخذه للصيد، وفيها يقول: له أَيطلا ظَبْيٍ وساقا نعامَة وإرخاءُ سِرْجانٍ وتقريب تتفل
. وكما ذكروا الأسد ووصفوه وصفوا الذئب كقول طفيل الغنوي وقد شبه فرسه بذئب: كسيدِ الغَضا العادي أضَلَّ جِراءَهُ على شَرَفٍ مُسْتَقْبِلَ الريحَ يَلْحَبُ وذكروا الهر والديك والخنزير في وصفهم لنشاط الناقة فقال أوس بن حجر. كأن هِرًّا جَنيبًا عند مغرضها والتفَّ ديك برجليها وخنزيرُ وقد ذكروا كثيرًا الضباع والرخم والعقبان والنسور والغربان وأكلها القتلى كما ذكروا الحُبارى والضب واليربوع والجرذان والجراد والأرانب والضفادع والوعول أو المعز الجبلية، وتعرضوا كثيرًا لوصف الحيات والأفاعي، ويشبه عنترة نفسه إزاء بعض أعدائه بأسود قد علق فيه نابه، ويقول في بعض وصفه له: رقود ضحيات كأن لسانه إذا سمع الأجراسَ مكحالُ أَرْمَدَا
وعلى نحو ما وصفوا الحيوان والزواحف وصفوا الطير، وكثيرًا ما يستطردون من وصف فرسهم بالعقاب إلى وصفها، وكانوا يذكرون الغراب كثيرًا ويتشاءمون به، وفيه يقول عنترة: ظعَنَ الذين فراقَهم أتوقَّعُ
وجرى بِبَيْنِهمُ الغراب الأبقع
حرِق الجناح كأنَّ لَحْيَ رأسِه جَلمانِ بالأخبار هَشٌ مولع إن الذين نَعَيتَ لي بفراقهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم هم أسهروا ليلي التمام فأوجعوا وكانوا يذكرون القطا والجراد والعصافير والنمل والعنكبوت والحمام ونوحه وما يهيج فيهم من شوق وشجا. وقد أفاض الجاحظ بكتابه الحيوان فيما جاء على ألسنتهم من وصف ذلك كله وتصويره وينبغي أن لا نعتد بما جاء فيه من قصص أسطوري عن طوق الحمامة والديك والغراب والهدهد والحيات مما ساقه على لسان أمية بن أبي الصلت؛ فقد حمل عليه شعر كثير وضعه القصاصون والرواة. وقد استرعى الجاحظ كثرة ما جاء على ألسنتهم من وصف فلواتهم3 ووصف البرد وقوارصه والحر وهواجره4 وما يجري في ديارهم أحيانًا من خصب بعد مطر غزير5.وفي معلقة امرئ القيس قطعة طويلة يصف فيها سيلًا عَرمًا نزل في مواطن بني أسد بالقرب من تيماء. ويتردد هذا الوصف في شعره وشعر شاعرهم عبيد بن الأبرص.وكما أكثروا من ذكر الخصب ورطوبة النبات ولدونة الأغصان وكثرة الماء أكثروا من وصف الجدب، وطالما وصفوا وعوثة الصحراء ومخاوفهم في لياليها من الجن والشياطين. وكادوا لا يتركون شيئًا يتصل بهم إلا وصفوه. فوصفوا الرعي والمراعي، ووصفوا الأسلحة والحروب، ووصفوا الخمر وأوانيها وسقاتها ومجلسها وأثرها. وكانوا يقحمونها كما قدمنا في حماستهم. ويفتخرون بأنهم يسقونها الصحاب والرفاق على صوت القيان ومع نحر الجزور، يقول ثعلبة بن صعير في حماسية له: أَسُمَيَّ ما يدريك أَنْ رُبَّ فِتْيَةٍ بيض الوجوه ذوي ندى ومآثر باكرتهم بسباء جــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــون ذارعٍ قبل الصباح وقبل لغو الطائر
وهذه الموضوعات التي قدمناها جميعًا كانت تتداخل في القصيدة الطويلة وكان يتداخل معها ضرب من الحكم والمعاني التهذيبية؛ فالشاعر ما يزال يدلي في تضاعيف قصيدته بتجاربه، وقد يفرد لها مقطوعات، إذا اتجه بها إلى تقديم وصية لبنيه، على نحو ما صنع عمرو بن الأهتم في وصيته لابنه التي يستهلها بقوله: وإن المجد أوله وعور ومصدر غبه كرم وخِيرُ وممن كثرت الحكمة في شعرهم زهير والأفوه الأودي وعلقمة بن عبدة، وهي تكثر في ميمية الأخير وتتوالى في أبيات متعاقبة من مثل قوله: الحمدُ لا يُشتَرى إلا له ثَمَنٌ مما يَضِنُّ به الأَقوامُ معلومُ والجود نافيةٌ للمال مَهــــــــــــــــــكَةٌ والبخلُ باقٍ لأَهليه ومذموم وكل حِصْن وإن طالت سلامته على دعائمه لا بُدّ مهدوم ويلخص لنا رأي الجاهلين في المرأة وما تطلبه من الرجل؛ فيقول في بائيته: فإن تسألوني بالنساء فإنني بصير بأدواء النساء طبيب فإن شاب رأس المرء أو قــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل ماله فليس له من ودهن نصيب ويظهر أن الحكمة قديمة عندهم، فنحن نجدها في معلقة عبيد بن الأبرص، وفيها يقول: وكل ذي غيبة يثوب وغائب الموت لا يئوب ويقول عبدة بن الطبيب: والمرءُ ساعٍ لأمر ليـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــس يدركه والعيشُ شح وإشفاقٌ وتأميل
ويقول عدي بن رعلاء الغساني: ليس من ماتَ فاستراح بِمَيْتٍ إنما الميْتُ ميِّتُ الأحْيَاءِ وتلك هي الموضوعات الأساسية التي تنظم في سلك القصيدة الجاهلية؛ فالشاعر يبدؤها بالتشبيب أو النسيب بالأطلال والديار، ويصف في أثناء ذلك حبه، ثم يصف رحلته في الصحراء، وهي أول ما يقدمه للمرأة من ضروب جرأته، وحينئذ يصف ناقته أو فرسه، وقد يؤخرهما إلى نهاية القصيدة، ويقدم عليهما غرضه من الحماسة أو الهجاء أو الرثاء أو المديح، مفتنًا في أثناء ذلك في وصف ما يقع تحت عينه، وناثرًا حكمه وتجاربه.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|