انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

موضوعات الشعر الجاهلي/4

الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 1
أستاذ المادة عيسى سلمان درويش المعموري       26/12/2013 18:48:01
المديح وبجانب هذا الرثاء كان عندهم مديح واسع يتمدحون فيه بمناقب قبائلهم وسادتها. وكانوا كثيرًا ما يمدحون القبيلة التي يجدون فيها كرم الجوار متحدثين عن عزتها وإبائها وشجاعة أبنائها وما فيهم من فتك بأعدائهم وإكرام لضيوفهم ورعاية لحقوق جيرانهم.وكان بعض السادة تمتد مآثرهم إلى من حولهم من القبائل فكان يتصدى لهم شعراؤها يمدحونهم لمكرماتهم التي أدوها، كأن يفتكوا أسيرًا، ولا نصل إلى أواخر العصر الجاهلي حتى يتخذ الشعراء المديح وسيلة إلى الكسب؛ فهم يقدمون به على السادة المبرزين وملوك المناذرة والغساسنة يمدحونهم وينالون جوائزهم وعطاياهم الجزيلة. وأخذوا في أثناء ذلك يعنون بهذه القصائد عناية بالغة حتى تحقق لهم ما يريدون من التأثير في ممدوحيهم. واشتهر بذلك زهير والنابغة وحسان بن ثابت، أما زهير فاختص بأشراف قومه، وأما حسان فاختص بالغساسنة، ولعلقمة بن عبدة فيهم مفضلية بديعة نظمها في الحارث الأصغر يتشفع لأخيه وقد وقع في يديه أسيرًا1. أما النابغة فخص النعمان بن المنذر بمدائحه، وتصادف أن وقع بعض قومه أسرى في أيدي الغساسنة؛ فأقبل عليهم يمدحهم ويتشفع فيهم؛ مما كان سببًا في غضب النعمان بن المنذر عليه، وسرعان ما أخذ يقدم له اعتذارات هي من أروع ما دبجه الجاهليون. ومعنى ذلك أن الاعتذار نشأ نشوءًا من المديح وفي ظلاله، وإن كانت تتداخل فيه عاطفة الخوف مع عاطفة الشكر والرجاء. ومما ينحو نحو الاعتذار ما ظهر عندهم من فنون عتاب كان ينشئه بعض الشعراء ملامة لما قد يصيبه من أذى الأقارب على نحو ما نجد عند ذي الإصبع العُدواني،والمتلمس.ولكن عتابهم واعتذارهم قليل، أما المديح فكثير كثرة مفرطة؛ إذ رحل به الشعراء إلى الملوك والأشراف يمتارون به، ويرجعون إلى أهليهم بُجْر الحقائب. ويظهر أن المناذرة خاصة كانوا يتخذونه وسيلة للدعاية لهم في القبائل، فكثر الشعراء حولهم وأخذ يموج بهم بلاطهم منذ عمرو بن هند، فقد قصده كثيرون من أمثال المثقب العبدي الذي لجأ إليه يمدحه بعد إيقاعه بقبيلته، وممن رحل إليه المتلمس والممزق العبدي وطرفة والمسيب بن علس. وكان النعمان بن المنذر ممدحًا للشعراء ومن بديع ما نظم فيه قول حجر بن خالد سمعت بفعل الفاعلين فلم أجد كفعل أبي قابوس حزمًا ونائلا:
يُساقُ الغَمامُ الغُرُّ من كل بلدةٍ
إليك فأضحى حول بيتك نازلا

فإن أنت تهلك يهلك الباعُ والنَّدى
وتضحى قلوص الحمد جرباء حائلا

فلا ملك ما يبلغنك سعيه
ولا سوقه ما يمدحنك باطلا

وانتهى هذا الفن من فنون شعرهم إلى الأعشى فأصبح حرفة خالصة للمنالة والتكسب؛ إذ لم يترك ملكًا ولا سيدًا مشهورًا في أنحاء الجزيرة إلا قصده ومدحه وفخم شأنه معرضًا بالسؤال.



الغزل هو موزع بين ذكريات الشاعر لشبابه ووصفه للمرأة ومعروف أن أول صورة تلقانا في قصائدهم هي بكاء الديار القديمة التي رحلوا عنها وتركوا فيها ذكريات شبابهم الأولى، وهو بكاء يفيض بالحنين الرائع، ومر بنا أنهم يردونه إلى شاعر قديم سبق امرأ القيس هو ابن خذام، وربما كان في ذلك ما يدل على أن هذا الجزء من غزلهم يسبق في قدمه الأجزاء الأخرى فيه.ونراهم يقفون عند المرأة فيصفون جسدها، ولا يكادون يتركون شيئًا فيها دون وصف له؛ إذ يتعرضون لجبينها وخدها وعنقها وصدرها وفمها وريقها ومعصمها وساقها وثديها وشعرها، كما يتعرضون لثيابها وزينتها وحليها وطيبها وحيائها وعفتها2. وقد يتعرضون لبعض مغامراتهم معها. وهي مغامرات تحوَّل بها بعض الرواة إلى قصص غرامية على نحو ما قصوا عن حب المرقش الأكبر لأسماء والأصغر لفاطمة بنت المنذر وعن حب المنخل اليشكري للمتجردة زوج النعمان، وله قصيدة رائعة رواها الأصمعي وهي تجري على هذا النمط:
ولقد دخلت على الفتا
ججججج ة الخدر في اليوم المطير

الكاعب الحسناء تر
فل في الدمقس وفي الحرير
ج
فدفعتها فتدافعت
مشي القطاة إلى الغدير
ج
ولَثَمْتُها فتنفست
كتنفس الظبي البهير
ججج
ووقف الشعراء طويلًا يصورون حبهم للمرأة وما يذرفون من دموعهم وكانت ذكراها لا تزال تلم بهم، ومن ثم أكثروا الحديث عن طيفها وما يثيره في أنفسهم من تباريح الحب ولهم في وصف هذه الذكرى وما تصنع بهم شعر كثير يصفون فيه صبابتهم على شاكلة قول المرقش الأصغر:
صحا قلبُه عنها، على أن ذِكْرَةً
إذا خطرتْ دارتْ به الأرضُ قائما
جججج
وكانوا كثيرًا ما يصفون ظعنُها، وهي ترحل في الجزيرة من موضع إلى موضع، وكان الرحلة أساسًا في حياتهم؛ فهم يرحلون وراء منابت الغيث، وينتقلون معها حيث حلت، وفي معلقة زهير وصف طويل لهذه الظعن وربما فاقه في هذا الوصف المثقب العبدي في قصيدته:
أفاطمُ قبل بينك متعيني
ومنعك ما سألتِ كأن تبيني
ج
فإني لو تخالفني شِمالي
خلاَفك ما وصلتُ بها يَميني
ج
وقد مضى يصف ظعنها ويتتبع سيرها وما تصنع هي وصواحبها في قلوب الرجال وهن يظهرن بكلَّة ويسدلن أخرى ويرسلن براقعهن على وجوههن وذوائبهن على ظهورهن:
أَرَيْنَ محاسنًا وكَنَنَّ أُخرى
من الأَجْياد والبشَرِ المصونِ
جج

ويقول: إنهن كن يمددن أعناقهن مستشرفات للنظر وصاحبته بينهن تفوقهن حسنًا وجمالًا. وكن كطبيعة النساء في كل عصر ينصرفن عن الشيب ومن قل ماله؛ ولذلك كثر عتابهم معهن، وخاصة من حيث ما يأخذنه عليهم من البذل الذي يذهب بأموالهم، ودائمًا نراهم يحتجون عليهن بأن خلود المرء في بذله لا في ثرائه2. وقد يصورون في تعلقهم بالمرأة ضربًا من المتاع الحسي، على نحو ما يصور ذلك طرفة في معلقته وكذلك امرؤ القيس، ومرد ذلك إلى ضرب شاع عندهم من الفتوة؛ فهم يتمدحون بأنهم ينالون من المرأة ما يريدون، وكانوا وثنيين ولم يكن هناك دين يردعهم. على أن منهم من كان يتسامى في غزله حتى ليمكن القول بأن الغزل العذري له أصول في الجاهلية عند عنترة وأضرابه. ومن المؤكد أن المرأة الحرة لم تكن ممتهنة عندهم؛ بل كانت في المكان المصون، وكان الشاعر يستلهمها شعره؛ ولذلك كان يضعها في صدر قصيده، ونحس عند كثيرين منهم -وخاصة فرسانهم من مثل عنترة- أنهم يقدمون مغامراتهم في الكرم وفي الحرب لها لينالوا حبها، وكان أكثر ما يشجيهم ويبعث الموجدة في قلوبهم أن تؤسر وتسبى؛ فكان لا يقر لهم قرار إلا أن يعودوا بها مكرمة إلى ديارهم.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .