انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم لغة القرآن
المرحلة 1
أستاذ المادة عيسى سلمان درويش المعموري
26/12/2013 18:45:06
الرثاء وهو من الموضوعات التي تتصل اتصالًا واضحًا بالحماسة ؛ فقد كانوا يرثون أبطالهم في قصائد حماسية يريدون بها أن يثيروا قبائلهم لتأخذ بثأرهم، فكانوا يمجدون خلالهم ويصفون مناقبهم التي فقدتها القبيلة فيهم؛ حتى تنفر إلى حرب من قتلوهم. وكان يشرك الرجال في ذلك النساء؛ فقد كن ما يزلن يَنُحْنَ على القتيل حتى تثأر القبيلة له. ويظهر أنه كان يشيع عندهم ضرب من "التعديد" الذي نعرفه في مصر، فما تزال امرأة تنوح ويرد عليها صواحبها، وقد حدثنا الرواة أن الخنساء كانت تخرج إلى عكاظ فتندب أخويها صخرًا ومعاوية، وكانت هذه بنت عتبة أم معاوية تحكيها نائحة أباها. وفي هذا الخبر ما يدل على أن النساء لم يكن يندبن موتاهن يومًا أو أيامًا؛ بل كن يطلن ذلك إلى سنين معدودات، ويقال: إنهن كن يحلقن شعورهن ويلطمن خدودهن بأيديهن وبالنعال والجلود، وكن يصنعن ذلك على القبر وفي مجالس القبيلة والمواسم العظام. ولعل في حلق رءوسهن ما يجمع بينهن وبين الهجائين كما قدمنا وما يشهد بأن هذا الرثاء إنما هو تطور عن تعويذات كانت تقال للميت وعلى قبره حتى يطمئن في لحده. وبمر الزمن تطور الرثاء عندهم إلى تصوير حزنهم العميق إزاء ما أصابهم به الزمن في فقيدهم؛ فتلك التعويذات أصبحت وخاصة عند نسائهم بكاء ونواحًا وندبًا حارًّا. ونجد بجانب هذا الندب ضربًا من الرثاء يقوم على تأبين الميت والإشادة بخصاله وصفاته، وما نشك في أن الصورة القديمة لهذا التأبين هي تلك النقوش التي عثروا عليها في أنحاء مختلفة من الجزيرة، وقد تحدثنا عنها فيما أسلفنا، وكانوا يكتبون فيها أسماءهم وألقابهم وبعض أعمالهم تمجيدًا لذكراهم وتخليدًا لها، وتحولت هذه الصورة الساذجة إلى هذا التأبين الواسع الذي نجده عند الجاهليين. وقد ذهبوا يضمون إليه صورة من العزاء والدعوة إلى الصبر على الشدائد؛ فالموت كأس دائرة على الجميع، ولا مردّ لحكم القضاء.وقام بالقسط الأكبر من ندب الميت وبكائه النساء؛ فكن يشققن جيبوبهن عليه ويلطمن وجوههن ويقرعن صدورهن ويعقدن عليه مأتمًا من العويل والبكاء، ومن خير ما يصور ذلك كتاب "مراثي شواعر العرب" والخنساء؛ أشهرهن من دون منازع فقد قُتل أخوها معاوية في بعض المعارك، فارتفع نشيجها وبكاؤها عليه، وقتل أيضًا أخوها صخر فاتسع الجرح والتاعت لوعة شديدة، ومن رائع ما ندبت به صخرًا: قذى بعينك أم بالعين عُوَّار أم ذرفت أن خلت من أهلها الدار
كأن عيني لذكراهُ إذا خطرت فيضٌ يسيل على الخدين مدرار
فالعين تبكي على صخر وحق لها ودونه من جديد الأرض أستار
تبكي خناس وما تنفك ما عمرت لها عليه رنين وهي مقتار
وإن صخرًا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار
ولعل من الطريف أن بعض شعرائهم كان إذا أحس داعي الموت ندب نفسه ووصف ما يصنعه به أهله بعد الموت من ترجيل شعره ووضعه في مدارج الكفن، ثم لحده ودفنه، وتنسَبُ للممزق العبدي أو ليزيد بن الخذاق قطعة يصور فيها هذا المصير الذي ينتظره، يقول فيها: هل للفتى من بنات الدهر من واقِ أم هل له من حمام الموت من راقِ
قد رجَّلوني وما رجلت من شعث وألبسوني ثيابًا غير أخلاق
وأرسلوا فتية من خيرهم حسبًا ليسندوا في ضريح الترب أطباقي
وكانوا يكثرون من تأبين من يموتون منهم في ميادين الحرب، وقد يضمنون هذا التأبين هجاء لاذعًا لخصومهم وفخرًا بعشيرتهم ومآثرها وأيامها، على نحو ما نجد في قصيدة المرقش: هل بالديار أن تجيب صَمَمْ لو كان رسم ناطقًا كلَّم
فقد بدأها بالغزل وخرج منه إلى الرثاء؛ فمديح بعض ملوك الغساسنة، ثم فخر بقومه، وهجا أعداءهم. وقد يجعلون القصيدة خالصة للتأبين، على نحو ما صنع دريد بن الصِّمَّة في مرثية أخيه عبد الله: أرث جديدُ الحبل من أم معبد بعاقبةٍ وأخلفت كل موعد
وقد استهلها على هذه الشاكلة بالغزل، ثم مضى يرثي أخاه مصورًا مصرعه وولهه به وجزعه ومتحدثًا عن خلاله الحميدة من الشجاعة والجود والمضاء والصبر والحزم.ولم يؤبنوا أبطالهم من القتلى فحسب؛ بل فسحوا في مراثيهم لتأبين أشرافهم وإن ماتوا حتف أنوفهم، فخرًا بهم واعتزازًا بمناقبهم وأعمالهم ومآثرهم، وقد نجدهم يستنزلون لهم الغيث من السماء حتى تصبح قبورهم رياضًا عطرة، ومن رائع تأبينهم مرثية أوس بن حجر لفضالة بن كَلَدة الأسدي، وفيها يقول: أَيَّتُها النفسُ أَجْمِلي جَزَعَا إن الذي تحذرين قد وقعا
إن الذي جمع السماحة والنَّـ ـجدةَ والحزمَ والقوى جُمَعا
الألمعيّ الذي يظن لك الـ ـظن كأن قد رأى وقد سمعا
المخلفَ المتلفَ المرزَّأ لم يُمتع بضعف ولم يمت طِبعَا
وكانوا أحيانًا حين يذكرون المَوتَ يتأسون ويتعزون عنه بأنه حوض لا بد من وروده وقد سبقتهم إليه الأجيال الماضية من ملوك وغير ملوك وعلى هذا النحو ألمَّ الشاعر الجاهلي بجوانب الرثاء الثلاثة من الندب والتأبين والعزاء، وكان رثاؤه غالبًا يتعلق بأفراد وقلما تعلق بمجموعة من الفرسان، ومن هذا القبيل قصيدة أصمعية لأبي دؤاد الإيادي يرثي فيها من أوْدَى من شباب قبيلته وكهولهم، ونراه يقول في مطلع رثائهم: لا أَعدُّ الإقتارَ عُدْمًا ولكن فقد من قد رُزِئْتُهُ الإعدامُ
ويستمر يبكي فيهم الرءوس العظام وخلالهم من التأني والرفق والكرم وطيب الأرومة وشجاعة الأسد وما يخلط فرط حدتهم من أحلام وعقول راجحة، ويقول: إنهم أصبحوا هامًا وصدَى؛ إذ كانوا يعتقدون أن عظام الميت تتحول هامة تطير وصدى ما يزال يقول اسقوني: سُلِّطَ الدهرُ والمَنُونُ عليهم فلهم في صَدَى المقابر هامُ
فعلى إثرهم تساقط نفسي حسراتٍ وذكرهم لي سَقام
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|