انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

موضوعات الشعر الجاهلي/2

الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 1
أستاذ المادة عيسى سلمان درويش المعموري       26/12/2013 18:43:07
الحماسة ويرتفع هذا الغناء بل قل هذا الصياح في كل مكان؛ بحيث يخيل إلينا أنه لم يكن هناك صوت سواه، ولعل ذلك ما دفع أبا تمام إلى أن يسمي مجموعته من أشعارهم وأشعار مَن خلفوهم باسم الحماسة؛ فهي التي تستنفد أشعارهم وقصيدهم، وهي ديوانهم الذي يسطر تاريخهم ومناقبهم ومفاخرهم، وهل هناك فخر أعلى من فخر الشجاعة والتنكيل بالأعداء. فإذا ثأرت لنفسها وشفت غلها وحقدها أخذ شعراؤها ينشدون أناشيد النصر من مثل قصيدة دريد بن الصمة التي يتغنى فيها بأنه ثأر من قتلة أخيه عبد الله، ومع ذلك لا يزال يتوعدهم،يقول:
ويا راكبًا إما عرضت فبلغن
أبا غالب أن قد ثأرنا بغالبِ

قتلتُ بعبد الله خير لداته
ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب

فلليوم سميتم فزارة فاصبروا
لوقع القنا تنزون نزو الجنادب

تكر عليهم رَجْلَتِي وفوارسي
وأُكرِه فيهم صَعْدَتي غير ناكب

فإن تدبروا يأخذنكم في ظهوركم
وإن تقبلوا يأخذنكم في الترائب

وواضح أنه يتشفى من قتلة أخيه؛ فقد ظفر مع جمع من قبيلته بأعدائه من فزارة، فأخذتهم سيوفهم من أمام ومن وراء، ومسهلين في الأرض. وبصور ما لقيته مُرَّة في الحرب من بلاء شديد وكيف هربت أشجع وكيف نكلوا ببني ثعلبة وبني محارب، حتى شبعت منهم الضباع. ويتهددهم بأنه سيعيد الكرَّة عليهم. وفي كل مكان يدوِّي مثل هذا النشيد، ومن روائعهم في هذا الباب معلقة عمرو بن كلثوم، وفيها يصيح بانتصارات قومه وأيامهم المعلمة المشهورة من مثل قوله:
متى ننقل إلى قوم رَحانا
يكونوا في اللِّقاء لها طَحِينا

يكون ثِفالُها شرقيَّ نجدٍ
ولهوتها قضاعة أجمعينا

تطاعن ما تراخى الناس عنا
ونضرب بالسيوف إذا غُشينا

كأن ثيابنا منا ومنهم
خضبن بأرجوان أو طلينا

والمعلقة جميعها صياح شديد على هذا النحو الذي يرفع فيه قبيلته تغلب على كل من حولها في نجد شرقيها وغربيها؛ فكل من حدثته نفسه منهم بقتالها كان مصيره الهلاك والدمار، ويقول إن حياتهم سلسلة من الحروب، ويصف أسلحتهم الذي يذيقون بها أعداءهم كئوس الموت المرة. ومدَّ فخره إلى قبائل معد كلها بما يجذون من رءوس شجعانها، واعترف لأعدائه بشجاعتهم؛ فالسيوف في أيديهم وأيدي أعدائهم كأنها مخاريق بأيدي لاعبين، وهم يقتلون فيهم، كما يُقتل من قومه، فثيابهم جميعًا ملطخة بالدماء. وليس عمرو وحده الذي يصف خصومه بالشجاعة؛ فهناك كثيرون اشتهروا بهذا الإنصاف، وتسمى قصائدهم المنصفة وفي الأصمعيات أمثلة منها طريفة، من مثل قول المفضل النكري يصف موقعة بين عشيرته من بني نكرة بن عبد القيس وعشيرة عمرو بن عوف، يقول:
كأن هزيزنا يوم التقينا
هزيز أباءة فيها حريقُ

وكم من سيد منا ومنهم
بذي الطرفاء منطقه شهيقُ

فأبكينا نساءهم وأبكوا
نساءٌ ما يسوغُ لهن رِيق

وطبيعي وهم يصورون هذه الملاحم أن يصفوا أسلحتهم على نحو ما تقدم عند عمرو بن كلثوم، وهناك كثيرون يطيلون في وصفها ووصف الخيل التي يركبونها في اللقاء. وممن اشتهر بينهم بوصف الأسلحة أوس بن حَجر في لامية له مشهورة أطال بها في تصوير سيفه ورمحه ودرعه وقوسه، ويلقانا هذا الوصف كثيرًا في المفضليات والأصمعيات، وفي الحق أن هذا اللون من شعرهم ليس شعر قوة وبطولة فحسب؛ فقد تغنوا فيه بكريم الشيم وكل ما اتخذوه مثلًا رفيعًا لهم في حياتهم وسلوكهم، من كرم ووفاء وغير كرم ووفاء؛ فعلى نحو ما صوروا فيه بطولة وشجاعة نادرة صوروا كثيرًا من الفضائل الحميدة على شاكلة ما نقرأ في ميمية ربيعة بن مقروم إذ يقول:
وإن تسأليني فإني امرؤ
أُهين اللئيم وأحبو الكريما

وأَبني المعالي بالمكرمات
وأُرضي الخليل وأُرْوِي النديما

وقومي فإن أنت كذَّبتني
بقولي فاسئلْ بقومي عليما

طوال الرماح غداة الصباح
ذوو نَجْدَة يمنعون الحريما


وهو يذكر في البيت الثاني أن من شيمه أن يروي نديمه بالخمر، ويكثر في حماستهم تمدحهم بأنهم يسقون ندماءهم الخمر وأنهم يأخذون حظهم من الغناء وسماع القيان ولعب الميسر، وكأن في ذلك إعلانًا عن كرمهم وبذلهم على نحو ما تقدم في غير هذا الموضع عن طرفة وفتوته. وربما كان ذلك هو أصل ذكر الخمر ووصفها في الشعر الجاهلي على نحو ما هو معروف عن الأعشى وعدي بن زيد.العبادي؛ فقد تحولا بها من هذا الباب إلى وصفها في ذاتها وصفًا طريفًا.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .