انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

موضوعات الشعر الجاهلي

الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 1
أستاذ المادة عيسى سلمان درويش المعموري       26/12/2013 18:40:34
موضوعات الشعرالجاهلي
لعل أقدم من حاول تقسيم الشعر العربي جاهليًّا وغير جاهلي إلى موضوعات ألف فيها ديوانًا هو أبو تمام المتوفى حوالي سنة 232 للهجرة؛ فقد نظمه في عشرة موضوعات، هي الحماسة، والمراثي، والأدب، والنسب، والهجاء، والأضياف ومعهم المديح، والصفات، والسير، والنعاس، والملح، ومذمة النساء. وهي موضوعات يتداخل بعضها في بعض فالحديث عن الأضياف؛ إما أن يدخل في المديح أو في الحماس والفخر، والسير والنعاس يدخلان في الصفات، كما تدخل مذمة النساء في الهجاء، أما الملح فغير واضحة الدلالة. وجاء في باب الأدب بما يدل على أنه يقصد به المعنى التهذيبي؛ غير أنه أنشد فيه أبياتًا في وصف الخمر، وأغفل إغفالًا تامًّا باب العتاب والاعتذار. ووزَّع قدامة في كتابة نقد الشعر هذا الفن على ستة موضوعات، هي المديح والهجاء والنسيب والمراثي والوصف والتشيبه وحاول بعقله المنطقي أن يرد الشعر إلى بابين أو موضوعين هما المدح والهجاء؛ فالنسيب مديح، وكذلك المراثي، ومضى يعين المعاني التي يدور حولها المديح، وهي في رأيه الفضائل النفسية، ونجد نفس المحاولة في تضييق موضوعات الشعر واضحة في كتاب نقد النثر؛ فهو مديح وهجاء وحكمة ولهو، ويدخل في المديح المراثي والافتخار والشكر واللطف في المسألة ويدخل في الهجاء الذم والعتاب والاستبطاء والتأنيب. كما يدخل في الحكمة الأمثال والزهد والمواعظ، أما اللهو فيدخل فيه الغزل والطَّرْد وصنعة الخمر والمجون.
وجعل ابن رشيق موضوعات الشعر في كتابه العمدة تسعة، وهي النسيب، والمديح، والافتخار، والرثاء، والاقتضاء والاستنجاز، والعتاب، والوعيد والإنذار، والهجاء، والاعتذار، ومن السهل أن يرد موضوع الاقتضاء والاستنجاز إلى المديح، والوعيد والإنذار إلى الهجاء، وأن يضم العتاب إلى الاعتذار، وأيضًا فإنه نسي موضوع الوصف. ويقول أبو هلال العسكري: "وإنما كانت أقسام الشعر في الجاهلية خمسة: المديح والهجاء والوصف والتشبيه والمراثي، حتى زاد النابغة فيها قسمًا سادسًا وهو الاعتذار فأحسن فيه" وهو تقسيم جيد؛ غير أنه نسي باب الحماسة، وهو أكثر موضوعات الشعر دورانًا على لسانهم. ولا نستطيع أن نرتب هذه الموضوعات في الشعر الجاهلي ترتيبًا تاريخيًّا، ولا أن نعرف كيف نشأت وتطورت، فإن الأصول الأولى لهذا الشعر انطمرت كما قدمنا في ثنايا الزمن، وإن كنا نستطيع أن نظن ظنًّا أنها تطورت من أناشيد دينية كانوا يتجهون بها إلى آلهتهم، يستعينون بها على حياتهم؛ فتارة يطلبون منها القضاء على خصومهم، وتارة يطلبون منها نصرتهم ونصرة أبطالهم، ومن ثم نشأ هجاء أعدائهم ومدح فرسانهم وسادتهم، كما نشأ شعر الرثاء وهو في أصله تعويذات للميت حتي يطمئن في قبره، وفي أثناء ذلك كانوا يمجدون قوى الطبيعة المقدسة التي تكمن فيها آلهتهم والتي تبعث فيهم الخوف؛ ومعنى هذا كله أن موضوعات الشعر الجاهلي تطورت من أدعية وتعويذات وابتهالات للآلة إلى موضوعات مستقلة.
الهجاء ويظهر أنه كانت لا تزال في نفوسهم بقية من هذه الصلة القديمة بين الشعر ودعاء الآلهة؛ يدل على ذلك أكبر الدلالة ما جاء في القرآن الكريم من كثرة الربط بين الشعر والسحر وتعاويذ الكهنة؛ فقد كانوا يرمون الرسول في بدء دعوته تارة بأنه شاعر وتارة ثانية بأنه كاهن وتارة ثالثة بأنه ساحر {وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} ورد عليهم القرآن دعواهم الكاذبة مرارًا في مثل: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} وواضح أن القرآن الكريم يحكي على ألسنتهم ما كانوا يؤمنون به من العلاقة بين الشعر والكهانة والسحر، وكانوا يزعمون أن الشياطين تنزل على الشعراء كما تنزل على الكهان، وزعموا أن الأعشى كان له شيطان ينفث في وعيه الشعر يسمى مسحلًا وأن شاعرًا كان يهاجيه يسمى عمرو بن قطن، كانت له تابعة من الجن اسمها جُهُنَّام. وظل بعض الشعراء في الإسلام يزعم أن له تابعًا من الجن، ويؤكد الأسطورة أبو النجم؛ فيزعم أن لكل شاعر شيطانًا إما أنثى وإما ذكرًا، يقول:
إني وكل شاعر من البشر
شيطانه أنثى وشيطاني ذكر

وفي أخبارهم أن الشاعر كان إذا أراد الهجاء لبس حلة خاصة، ولعلها كحلل الكهان، وحلق رأسه وترك له ذؤابتين ودهن أحد شقي رأسه وانتعل نعلًا واحدة ونحن نعرف أن حلق الرأس كان من سننهم في الحج، وكأن شاعر الهجاء كان يتخذ نفس الشعائر التي يصنعها في حجه وأثناء دعائه لربه أو لأربابه، حتى تصيب لعناتُ هجائه خصومه بكل ما يمكن من ألوان الأذى وضروب النحس المستمر.فالهجاء في الجاهلية كان لا يزال يُقْرَن بما كانت تقرن به لعناتهم الدينية الأولى من شعائر، ولعلهم من أجل ذلك كانوا يتطيرون منه ويتشاءمون ويحاولون التخلص من أذاه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا. ونحن نعرف أن الغزو والنهب كان دائرًا بينهم؛ غير أن المغيرين إن أغاروا ونهبوا إبلًا بينها إبل لشاعر، وتعرض لهم يتوعدهم بالهجاء اضطروا اضطرارًا إلى ردها أو على الأقل يردون ماله هو وإبله. وقد تحولوا يصبون أهاجيهم ولعناتهم على خصومهم هم وعشائرهم؛ فلم يسلم منها أحد من أشرافهم، يقول الجاحظ: "وإذا بلغ السيد في السؤدد الكمال حسده من الأشراف من يظن أنه الأحق به، وفخرت به عشيرته فلا يزال سفيه من شعراء تلك القبائل قد غاظه ارتفاعه على مرتبة سيد عشيرته؛ فهجاه، ومن طلب عيبًا وجده فإن لم يجد عيبًا وجد بعض ما إذا ذكره وجد من يغلط فيه ويحمله عنه؛ ولذلك هجي حصن بن حذيفة، وهجى زُرَارة بن عُدَس وهجي عبد الله بن جُدْعان وهجي حاجب بن زُرارة؛ وإنما ذكرت لك هؤلاء لأنهم من سؤددهم وطاعة القبيلة لهم لم يذهبوا فيمن تحت أيديهم من قومهم ومن حلفائهم وجيرانهم مذهب كليب بن ربيعة ولا مذهب حذيفة بن بدر ولا مذهب عيينة بن حصن ولا مذهب لقيط بن زرارة. فإن هؤلاء وإن كانوا سادة قد كانوا يظلمون" وبمقدار ماكان في القبيلة من شرف وأشراف كان هجاؤها عندهم؛ إذ كانوا لا يزالون يتعرضون لها ولأشرافها بأقبح الهجاء وأقذعه، يقول الجاحظ أيضًا:"إذا استوى القبيلان في تقادم الميلاد، ثم كان أحد الأبوين كثير الذرء "النسل" والفرسان والحكماء والأجواد والشعراء، وكثير السادات في العشائر وكثير الرؤساء في الأرحام "القبائل الكبيرة" وكان الآخر قليل الذرء والعدد ولم يكن فيهم خير كثير ولا شر كثير خَملوا أو دخلوا في غمار العرب وغرقوا في معظم الناس وكانوا من المغمورين ومن المنسيين فسلموا من ضروب الهجاء، وسلموا من أن يضرب بهم المثل في قلة ونذالة؛ إذ لم يكن "منهم" شر وكان محلهم من القلوب محل من لا يغيظ الشعراء ولا يحسدهم الأكفاء، وإذا تقادم الميلاد، وكان فيهم خير كثير وشر كثير ومثالب ومناقب لم يسلموا من أن يُهجوا ويضرب بهم المثل. .....ويروى أنه قيل لحسان بن ثابت، وقد أخذ في هجاء القرشيين: "لشعرك أشد عليهم من وقع النَّبْل" وفي ذلك ما يصور مدى أثر الهجاء في نفوس العرب؛ فقد كان سلاحًا لا يقل عن أسلحتهم في القتال؛ ولذلك قرنه عبد قيَس بن خفاف البرجمي إلى ما يلقى به أعداءه من سيف ورمح ودرع،يقول:
فأصبحتُ أعددتُ للنائبا
ت عِرْضًا بريئًا وعضبًا صَقيلا

ووقع لسان كحد السِّنانِ
ورُمحًا طويل القناة عَسُولا

وسابغة من جياد الدروع
تسمع للسيف فيها صَليلا

كماء الغدير زفته الدبور فاللسان كان يَنْكأ بهجائه في الأعداء نكأ السيوف والرماح. ويخيل إلى الإنسان كأنما تراص شعراء القبائل بجانب فرسانها وشجعانها في صفوف، وقد أخذ كل منهم يريش سهام هجائه ويرمي بها أعداءه من الأشراف والقبائل، وكل يحاول أن يكون سهمه أنفذ السهام وأصماها؛ حتى لا تقوم للشريف وقبيلته قائمة. وكانوا ينتهزون فرصة تلاقيهم في الأسواق وخاصة سوق عكاظ، فينشدون أهاجيهم لتذيع، وليلحقوا بخصومهم كل ما يريدون من خزي وعار، وفي يقول راشد بن شهاب اليشكري لقيس بن مسعودالشيباني:
ولا تُوعِدنِّي إنني إن تُلاقني
معي مَشْرفِيٌّ في مضاربه قَضَمْ

وذمٌّ يُغَشَّى المرءَ خِزْيًا ورهطه
لدى السَّرْحة العَشَّاء في ظلها الأَدَمْ

وهو يشير إلى سرحة أو شجرة عظيمة كانت بعكاظ؛ حيث تقام السوق
الكبيرة هناك ويضرب العرب قباب الأدم، وتجتمع العشائر من أنحاء الجزيرة ومعها شعراؤها وما يحملون في حجورهم من حجارة الهجاء.ودار هجاؤهم على كل ما يناقض مثلهم التي صورناهم في غير هذا الموضع، وقد قلنا إنه كانت تجمعها كلمة المروءة، وهي تعني عندهم فضائلهم من الشجاعة والكرم وحماية الجار والوفاء والنجدة وطلب الثأر، وما هي إلا أن يدخل الشاعر في الهجاء؛ فإذا هو يخلص القبيلة وأشرافها من كل هذه الفضائل وما يتصل بها فهي لا تكرم الجار ولا تحميه، وهي تفر في الحروب وتقعد عن الأخذ بثأرها. ولا يكتفي الشعراء الهجاءون بذلك؛ بل يتعرضون لمخازي القبيلة في حروبها وأيامها التي ولت على أدبارها فيها منهزمة منكسة الأعلام، وكثيرًا ما يتعرضون لشخص فيزعمون أنه دعيٌّ في قومه زنيم. وشاع بينهم هذا الضرب من الوقوع في الأعراض، ومن ثم لا نعجب حين نجد شاعرًا يزعم أن النعمان بن المنذر لم يولد لرشدة؛ فهو ليس سليل المناذرة؛ إنما هو سليل صائغ بالحيرة، يقول فيه عبد قيس بن خفاف البُرْجمي:
لعن الله ثم ثَنَّى بلعن
ابنَ ذا الصائغ الظلومَ الجهولا

يجمع الجيشَ ذا الألوف ويغزو
ثم لا يرزأ العدو فَتيلا


وكان النعمان كثير الوقائع في قبائل العرب وخاصة عبد القيس فتعرض له شاعرها يزيد بن الخداق بهجاء كثير يتوعده وينذره ويخيفه، يقول في بعضه:
نعمانُ إنك خائن خدع
يُخْفِي ضميرك غير ما تُبْدي


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .