انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم لغة القرآن
المرحلة 1
أستاذ المادة عيسى سلمان درويش المعموري
26/12/2013 18:37:21
فلما رأوا تعدد الموضوعات في بناء القصيدة القديمة سارعوا إلى رميها بالاختلال والتفكك، غافلين عن أن هذا التعدد ينخرط في سلك واحد لا يكشف عن وجهه إلا بعد المراودة والإلحاح الذي يتمكن القارئ عبره من تنظيم .( الانفعالات السائدة في النص، وإخضاع التعدد للوحدة، واستخراج النظام من الفوضى) وسيطرة شعور واحد على النص نتيجة طبيعية من شاعر يعاني مخاضًا شعريًا يسم كل المخرجات بلون الباعث الحقيقي على القول الشعري، ولو ظهر للقارئ تفاوت بين وحدات النص فإن باستطاعته تجلي الوحدة في طبيعة صياغة المشاهد ورسم اللوحات المنبعثة عن الغرض الأصلي والمتقدمة عليه في ترتيب النظم دائمًا . وإنه " من غير المعقول أن تتم هذه العملية الكبيرة، وتنجز هذه التجربة المتكاملة دون أن ينتظمها نظام ينسق أحوالها، ويربط بين أجزائها، ويوصل بين كل خيط من خيوطها بحيث تصبح هيكلا شعريًا موحدًا ... . ودليل هذا الترابط الفكري أو الشعري في نسيج القصيدة أن طبيعة مقدمتها تختلف باختلاف موضوعها الرئيس، فنحن نعلم أن قصائد الشعر القديم تفتتح غالبًا بمقدمة طللية غزلية يقف الشاعر فيها على ديار حبيبته باكيًا متواجدًا، يتذكر صاحبته في شوق وحسرة على الماضي الناعم المنصرم . هذا العرف الشعري تناله انحرافات في طبيعة الصياغة وفي موقف الشاعر من هواه القديم، وذلك بحسب تأثير الموضوع الأصلي الذي يضطرم في نفس الشاعر، فإن كان موضوع القصيدة فخرًا بالذات أو القبيلة، أو كان مديحًا خالصًا، فإن موقف الشاعر في مقدمة القصيدة لا يعبر عن الحب والشوق والوجد، بل يدور حول معاني البين والصد والقطيعة وكذلك حين يكون موضوع القصيدة رثاء فإنها لا تفتتح غالبًا بالغزل، وإن جاء في مقدمتها فإنه لا يعبر عن التهالك والصبابة، لأن موضوع الفناء لا يجعل نفس الشاعر مهيأة للشهوات، فتراه يرفض المرأة ويعلن عن هجرها والالتفات عنها والأمر نفسه يقال في موضوع الهجاء الذي يبرز أثره في تركيبة القصيدة وبنائها العام، فترى مقدمتها الغزلية سريعة خاطفة أو معبرة عن الهجران والصد الذي تبديه الحبيبة، كما أن الشاعر لا يصف الراحلة مسترسلا إلى مشاهد الصيد، ولا يتحدث عن عناء الرحلة الذي يظهر دائمًا في بنية المديح، لأن المهجو لا يستحق هذا الحديث الذي يكشف عن عناء الشاعر وإعيائه، ولأن فؤاد الشاعر.( مشحون يتميز غيظًا وتلهفًا على الهجوم على المهجو ورشقه بسهام التصغير والتحقير ) ولذا فإن طبيعة غرض الهجاء وما فيه من الحماسة والاندفاع لا تتيح للشاعر إظهار التماوت في الغزل، أو الاستطراد في الوصف، أو نحت مشاهد الرحلة ولوحات الصيد . وعلى هذا يتجلى أن نسيج القصيدة القديمة وخيوطها المتعددة لم تكن مضمومة إلى بعضها ضمًا عشوائيًا أو متنافرًا، بل كان يؤلف بينها موقف واحد يرتسم على الملامح العامة لكافة شرائحها، فالشاعر أثناء ممارسة المخاض الشعري كان واعيًا لما يصدر عنه من الصور والمواقف والمشاهد، فكان يجمع أطراف القصيدة فيقرنها إلى سارية واحدة تنجذب إليها وتحوم حولها جميع بنى النص دون نفور أو تفلت، فتتحد المشاهد والصور في بناء شعري متجانس يرتكز على قاعدة واحدة تنتمي إليها كل وحدات النص .ورغم إيمان جماعة من الباحثين بتوفر الوحدة في الشعر الجاهلي إلا أنهم أثناء ممارستهم التطبيقية على القصائد لإبراز الوحدة فيها كان اهتمامهم منصبًا على رد خلايا النص المتعددة من الطلل إلى الغزل إلى وصف الرحلة والراحلة ومشاهد الصيد وانتهاء بالغرض الأصلي إلى الموقف النفسي الذي يقفه الشاعر والذي ظهرت ملامحه جلية في كل أجزاء النص، أي أن عملية الربط بين بنى النص اكتفت بالربط العام بين هذه البنى عبر الوقوف على الطبيعة العامة التي تتشكل فيها كل بنية، ومن خلال التعرف على موقف الشاعر ونفسيته في كل جزء على حدة يتم إرجاع هذه المواقف العديدة لموقف نفسي أو شعوري واحد ينطلق منه الشاعر، ويكون معبرًا عن رؤية عامة لشخص أو قبيلة، و يكون صادرًا عن تصور عام للحياة أو البقاء والفناء، أو يكون منطويًا على رؤية وجودية للكون والأحياء . ولا شك أن هذا الجهد البحثي عملية مضنية، ونتائجها التي انتهى إليها الدارسون في غاية النفاسة، لكنهم كانوا يهملون في الغالب العناية بالأجزاء الصغرى في النص التي تقدم إسهامًا كبيرًا في استجلاء الوحدة العامة التي تنتظمه، ونعني بها الألفاظ التي وظفها الشاعر لحمل معانيه، والتشبيهات التي انتقاها، والصور التي اختارها، فلا شك أن هذه اللبنات الصغيرة تخفي شيئًا ثريًا من دفقات الشعور وأحاسيس النفس .
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|