انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

بناء القصيدة العربية القديمة/2

الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 1
أستاذ المادة عيسى سلمان درويش المعموري       26/12/2013 18:35:09
وقد ناقش د- محمد فتوح هذا الموضوع و اعتبر رأي ابن قتيبة يتوفر على وعي نقدي مبكر بماهية المقدمات من حيث هي آصرة وجدانية بين المبدع والمتلقي ثم من حيث هي ضرب من التقاليد الفنية تتجلى من خلاله صيرورة كليهما إلى ميراث من الأعراف الشعرية المشتركة ? وثم ثم يمكن القول بأن مقدمة القصيدة رغم ما يبدو من ذاتية مصدرها في نفس المبدع هي في التحليل الأخير مشتركة وجماعته من حيث عموم الإحساسبها" وأعطى د.يوسف اليوسف في كتابه" مقالات في الشعر الجاهلي" تفسيرا مغايرا حيث اعتبر افتتاح الشاعر بالنسيب تعبير عن إحباطاته وعن ميولاته وغرائزه المكبوتة يقول" أما الركيزة النفسانية التي قدمها ابن قتيبة والتي ترمي إلى أن الشاعر الجاهلي كان يطلع بالنسيب ليمتلك انتباه السامع أو القارئ نظراً لاجتذاب الغزل للإنسان? فهي على الرغم من أنها تحمل شيئا من الصحة بعيدة كل البعد عن إصابة كبد الحقيقة? لقد اعتاد الشاعر الجاهلي أن يستهل قصيدته بالنسيب والطللية شكل من أشكال النسيب بالتأكيد في غالب الأحيان لأن الجنسية هي أشد دوافعه حاجة إلى التلبية والإنسان نزاع دوما إلى الحديث عن دوافعه المحبطة فيوسف اليوسف يرى أن ابتداء الشاعر بالنسيب هو تعبير مباشر أو غير مباشر عن القهر الجنسي الذي يتعرض له لكن هذا الرأي بعيد عن حقيقة وواقع الشعر الجاهلي لأن الشاعر الجاهلي عبر عن عواطفه الصادقة وليس عن رغباته المحبطة.أما الدكتور محمد مندور فاعتبر بناء القصيدة تقليداً من تقاليد الشعر الجاهلي يقول: "هذه النظرية التقريرية في تفسير تأليف القصيدة العربية فليس صحيحا أن الشاعر المادح هو الذي فكر أن يبدأ بالديار والحبيبة والسفر وما على ذلك ليمهد لمديحه? وإنما هي تقاليد الشعر الجاهلي التي استمرت مسيطرة بعد أن دخل التكسب في الشعر وإذا اعتبر الدكتور محمد مندور هذا البناء تقليداً متوارثاً فما هو السبب الذي جعله يكون تقليداً? ألا يمكن أن يكون اهتمام الشاعر بالمتلقي ? فالدكتور محمد مندور اكتفى بالقول هو تقليد ولكنه لم يبحث عن سبب هذا التقليد.تعددت القراءات لنص ابن قتيبة وتوالت الدراسات وكل واحد تناوله انطلاقا من أفق توقعه لهذا اندمجت بعض الآفات مع الناقد في حين تعارضت آفاق أُخَر.
إن هذه المقولة تمثل نمطا محددا من القصائد الجاهلية, وأن نص ابن قتيبة كان هو أول نص أشار الى القصيدة بوصفها بناء كليا يتكون من عدة أقسام .وقد حاول إيجاد رابط نفسي يصل بين أجزاء القصيدة .كما حاول إيجاد لون من التوازن بين أجزاء القصيدة, فلا يطغى جزء على أخر كما حدث مع من مدح نصر بن سيار.وقد ركز على الجانب الوظيفي للقصيدة , فلكل مكون من مكوناتها غرضه الخاص, كما أن هذه الأغراض تتسلسل حتى تصل إلى غرض رئيس. وقد كان نقده نقدا توجيهيا تمثل في دعوته إلى ضرورة تأسي النمط الذي وضعه, والتعديل بين أجزائه, وعدم خروج المتأخرين من الشعراء عن مذهب المتقدمين. نظرة المحدثين لوحدة القصيدة - لقد أضحت القصيدة في نظر عدد من المحدثين كأنها حبات عقد جمعت في عقد جمعًا عشوائيًا دون تناسب أو انسجام في الصورة واللون والحجم، فليس هناك ما يؤلف بينها سوى ذلك الخيط الذي يجمعها والذي يماثل الوزن والقافية في بناء القصيدة . وقد امتد أثر هذه النظرة التجزيئية في قراءة الشعر فظهرت في دراسات كثير من باحثي هذا العصر، فقرروا في بحوثهم أن الشعر القديم يفتقر إلى الوحدة، وأن القصيدة عبارة عن أبيات ضمت إلى بعضها دون نظام، لذا فإن من العبث السعي لتلمس وحدة تنتظم تلك الأمشاج المفرقة . هذا ما تردد عند كثير من الباحثين المحدثين، وقد انقسم المحدثون حيال هذه القضية إلى نافٍ ومثبت للوحدة في الشعر القديم، والفرق بين الفريقين يعود إلى تفاوت ما في آليات البحث وأدوات النظر بين قارئ يقف أمام النص بقناعة مسبقة بافتقاره إلى الوحدة والانسجام، وبين قارئ يؤمن بنفاسة تراثه وعلو كعب أسلافه في نسج الشعر، فتراه يتحسس الوحدة بيده دون مشقة أو تكلف، فالوحدة قائمة ماثلة في كثير من قصائد شعرنا القديم لمن يبحث عنها بعين الإنصاف والعدل دون تصور سابق . ولقد كانت اتهامات الدارسين للشعر القديم بالتخلخل وانعدام الوحدة قائمة على أسلوب القطع واليقين، وكأن أحكامهم تلك حق لا مراء فيها ولا تقبل الحوار أو الجدل، كما نقرأ في هذا المقطع الذي صدره صاحبه بلفظ ( ومن الحق ) الدال على القناعة وتمام الإيمان بفكرته، والموحي من زاوية أخرى بأن ما يخالف هذا القول فهو ( باطل ) ما دام هذا القول ( حقًا ) ، يقول : " ومن الحق أن القصيدة العربية لم تكن تعرف هذه الوحدة العضوية معرفة واضحة قبل عصرنا الحديث إلا نادرًا ، ... ، حيث نجد القصيدة متحفًا لموضوعات مختلفة لا تربط بينها أي رابطة قريبة ... " ثم ينتهي إلى القول : " وعلى هذا النحو تألفت القصيدة الجاهلية من أبيات متجاورة متناثرة كأبيات الحي وخيامه، فكل بيت له حياته واستقلاله، وكل بيت وحدة قائمة بنفسها، وقلما ظهرت صلة وثيقة بين بيت سابق ولاحق "وواضح أن صاحب هذا الرأي لا ينفي وحدة الموضوع فحسب، بل ينفي تحقق أي شكل من أشكال الوحدة في القصيدة القديمة كالوحدة النفسية أو الشعورية التي غالبًا ما تصبغ شرائح النص كله بلون واحد مميز، فالقصيدة- حسب المقطع السابق - (متحف لموضوعات مختلفة لا تربط بينها أي رابطة قريبة )وهذا الزعم لا يصمد ولو قليلا عند الوقوف على بعض النصوص الجاهلية .
ثم إن تشبيهه أبيات القصيدة بأبيات الحي تشبيه لا يخدم فكرته، لأن هذا التشبيه يصور أبيات القصيدة بأنها متلاحمة متلائمة ينشد بعضها لبعض، ويلتفت كل بيت لسابقه ولا حقه، لأن من المعروف أن بين أبيات الحي ترابط شديد وتعاون وتآزر، لأنه يجري بين تلك البيوت دم واحد يؤلف بينها كما يجرى في جسد القصيدة إحساس واحد وعاطفة واحدة تنضح في كافة مقاطع النص .ونقع على الزعم نفسه عند باحث آخر يجعل تعدد موضوعات القصيدة نافيًا لوحدتها، يقول : " على أن القصيدة العربية لم تخرج عن كونها مجموعة من الموضوعات متلاحمة تلاحمًا غير عضوي، فالشاعر ينتقل انتقالات فجائية من مقطوعة تعبر عن موضوع إلى مقطوعة تعبر عن موضوع آخر دون ربط أو تداخل ولو عنى هذا الباحث نفسه قليلا فقرأ بعض نصوص الشعر الجاهلي قراءة رأسية لا أفقية لاتضح له أن وحدات النص متلاحمة تلاحمًا شديدًا، تنبض بنفس واحد، ويهيمن عليها شعور واحد، فالموضوعات التي يعرضها الشاعر الجاهلي هي بمثابة الأمواج المتعاقبة التي تقف عند ميناء واحد، لكن هذا لا يتكشف للقارئ إلا بعد التمهل والفحص الدقيق والتجوال في مسارب النص والصعود والهبوط في نجاده ووهاده، وحينئذ يمكن أن يكتشف العقد الذي تنخرط فيه جميع مقاطع النص . أما القراءة السطحية الأفقية فإنها لا يمكن أن تهب القارئ شيئًا غير تلك النتيجة .ويبني بعض الباحثين اتهامه ذاك على أساس واهٍ لا يقبله المنطق العلمي، حيث يسوق جزءًا من قصيدة جاهلية ينعتها بالاختلال والتفكك، لتكون بذلك نموذجًا للشعر الجاهلي كله، ومعلوم أن شعرنا القديم بحر لا ساحل له، فكيف يجوز أن يكون مقطع واحد شاهدًا على كلامة عامة، يقول : " والمتأمل في الشعر الجاهلي ... يجد أن معظم القصائد فيه تقوم على أساس وحدة البيت لا وحدة القصيدة . ولنضرب مثالا بأبيات وردت في معلقة زهير ... انظر إلى هذه الأبيات ... فسوف تجد كل بيت منها مستق ً لا في ( معناه لا علاقة له بالبيت الذي قبله أو الذي يليه " (17) ولعلنا نجد مخرجًا لهؤلاء الذين يتهمون الشعر القديم بالافتقار للوحدة أنهم يعنون بها وحدة الموضوع، أي أن تكون القصيدة تعالج في كافة أبياتهاا موضوعًا واحدًا فقط، فلما رأوها تفتتح بالأطلال والغزل، ثم تعرج على وصف الراحلة والرحلة، ويسترسل الشعراء في ذلك عادة حتى يصلوا إلى غرضهم الرئيس من مدح أو فخر أو هجاء أو رثاء أو غيره - سارعوا إلى اتهام القصيدة والشعر كله بالتفكك وتخلخل البناء، ولم يدر هؤلاء أن كافة الشرائح تصب في مصلحة الغرض الرئيس وتنبع منه، أي أن ملامح غرض الشاعر تظهر في كافة ألفاظه وصوره ، كما تظهر بارزة في كل ما يرسم من المشاهد ويلون من الأحداث. ولهذا فإن الوحدة قائمة في نسيج القصيدة القديمة وإن تعددت موضوعاتها حيث تتقرى بيدك فيها نَفسًا واحدًا لا يتبدل من أول النص إلى منتهاه, ومع هذا نجد من يسلب من القصيدة القديمة كل ألوان الوحدة، ويصر على نعتها بالتفكك واستقلال الوحدات فيقول : " فليست القصيدة الجاهلية وحدة عضوية في شكل ما من الأشكال،لأنه لا صلة فكرية بين أجزائها. وعد بعض الباحثين التفتيش عن الوحدة والترابط بين أجزاء القصيدة القديمة بأنه من العبث " في حين ذهب البعض إلى القول بأننا : نضني أنفسنا كثيرًا إذا نحن التمسنا خيطًا نفسيًا واحدًا ينتظم القصيدة كلها بكل ما فيهامن صور ومشاهد " والحقيقة أن هذا الخيط النفسي الذي ينتظم القصيدة كلها قائم مشدود بين ساريتي كثير من نصوص الشعر الجاهلي، ولكنه خيط دقيق خفي يحتاج لروية وتمهل للإمساك به، وبسبب دقته وخفائه اتهمت نصوص شعرنا القديم بعدم احتوائها على رباط يضم الأبيات ويشدها إلى بعضها، ولو تعمق القارئ في النظر، وأخذ يقلب الألفاظ ويستجلي المعاني ويحرك الساكن لتبينت له أمور وتكشفت له حقائق وباح له النص بأسرار لم يكن ليفضي له بها لو لم يلح عليه ويطيل الدوران حوله، ولهذا فإن سبب إنكار الوحدة في الشعر القديم لا يعود إلى صدق التهمة، بل هو متعلق بالمنكرين أنفسهم الذين " لا يدرسون الشعر القديم كما ينبغي ولا يتعمقون أسراره ومعانيه، وإنما يدرسونه درس.تقليد، ويصدقون فيه ما يقال لهم من الكلام في غير تحقيق ولا استقصاء ... وليس هذا فحسب هو سبب إنكار الوحدة في الشعر الجاهلي، فقد كان لعناية النقاد الأوائل بالأبيات المفردة أثر سلبي في تلقي ذلك الشعر، حيث امتدت هذه النظرة للعصور اللاحقة، فأمسى الشعر في نظر المتلقين عبارة عن أبيات مفردة لا قصائد ملتحمة مترابطة، فصار قارئوا الشعر حديثًا - بتأثير أسلافهم - يعتنون بالأبيات ويحومون حولها لاستظهار بلاغتها وجماليتها في غفلة تامة عن تحسس الوحدة العامة التي تصدر منها وحدات النص وتؤول إليها، ولهذا ربما صح القول بأن تهمة بعض المعاصرين للقصيدة الجاهلية بالافتقار للوحدة هي في أصلها " نظرية عربية قبل أن تكون نظرية عصرية غربية ... فأصول هذه النظرية تعود إلى الأدب والنقد العربي في فجر بواكير الدراسات الأدبية والنقدية لدى. ( الأدباء والنقاد العرب وقد عزا بعض المنتصرين للقصيدة القديمة سبب رميها بالتفكك وتخلل البناء إلى التأثر بالتيارات الأجنبية والافتتان بها حين رأوا فيها تلاحمًا ونموا متجانسًا فالتفتوا على عجل يفتشون عن هذا الملمح في تراث أسلافهم فلما لم يقعوا عليه في التفاتتهم السريعة تلك سارعوا إلى اتهامه وتنقصه . وفرق بين من يقرأ تراث أسلافه بعين عربية، ونفس تحس تجاهه بالحنين والإلف، وعين تنظر إليه بمنظار غربي تتلمس العثرة وتتحسس النقيصة .وقد وقفت طائفة من النقاد في صف الشعر الجاهلي تذب عنه وترد ما يرمى به من سهام النقيصة والاتهام، فبحثوا في أرضه وتأملوا مبانيه فوجدوه شعرًا مكين الأساس رصين البناء متماسك الأجزاء، وأن ما يتوهم فيه من التخلخل ينطوي في حقيقته على خيوط دقيقة تصله ببقية الأجزاء، فليس التعدد الموضوعي في القصيدة الواحدة مانعًا من توفر الوحدة فيها، ونعني وحدة الفكر والإحساس الذي ترشح به جميع شرائح النص، وينساب انسيابًا طبيعيًا في مكوناته من الألفاظ والجمل والتشبيهات، حيث تتصل جميع هذه الأجزاء بالغرض الرئيس فتصب في بحر واحد، وتنساق في رفق وتؤدة لتقف في صف واحد يجسد هم الشاعر وهواجسه ورؤاه فتكون القصيدة في تعدد موضوعاتها وانسجامها الداخلي كالشجرة في تعدد مكوناتها وائتلاف أجزائها وتناسق مرآها . وعلى هذا فإن بحثنا عن الخيط الذي ينتظم نسيج النص هو بحث عن هذا الخيط الذي يجسد الإحساس المسيطر على عامة فقرات النص، ويتحكم بشكل مباشر في خطوط لوحاته . وهذا الخيط النفسي أو الشعوري قائم متحقق في بنية كثير من شعرنا القديم رغم إنكاره ونفيه من قبل بعض المتعجلين، فتعدد موضوعات القصيدة " لم يمنع من أن ترتبط هذه الموضوعات على أساس فكري عام، أو على أساس العاطفة التي يحاول الشاعر أن يجعل منها أساسًا لهذا الربط ... وعلى هذا لم تكن القصيدة الجاهلية مفككة أو غير متصلة الأجزاء، ففيها دائمًا اتجاه إلى مراعاة وحدتها على أساس الترابط العاطفي أو الفكري أو الفني، وليس على أساس الترابط الموضوعي أو المنطقي " وهذا الضرب من الوحدة خفي على كثير من الدارسين الذين انصب تركيزهم على الوحدة الموضوعية،

المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .