انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم لغة القرآن
المرحلة 1
أستاذ المادة عيسى سلمان درويش المعموري
24/12/2013 20:17:45
الانتحال في الشعر الجاهلي (1) لا ريب أنَّ الشعر الجاهلي يثير معضلة تتجلى واضحة في تفاوت أساليب المقطوعات الشعرية والقصائد الجاهلية، وتظهر أيضاً في ترتيب الأبيات الشعرية واختلاف الروايات في مفرداتها وتراكيبها وصياغاتها . وهذا من شأنه أن يثير الشك حول صحة الشعر، من حيث نسبته إلى صاحبه، أو إلى زمانه، أو إلى مكانه . ولم يكن الأدب العربي بدعة في هذا السياق، إنما هي ظاهرة عانت منها آداب الأمم الأخرى في مراحلها التي سبقت التدوين، ولذلك فإنَّ الأدب الإغريقي، وبخاصة في ملحمتيه الإلياذة والأوديسا قد تسـرب الشك إليه في تـوثيق النصوص ونسبتها إلى مؤلفيها . وقد شاع استخدام مصطلح الانتحال ليدل على قضية الشك في الشعر الجاهلي ويؤثر بعضهم استخدام مصطلح النحل ويحدده بأنه » وضع قصيدة ما أو بيت أو أبيات وإسناد ذلك لغير قائله « ، ويذهب آخر إلى أنَّ » معنى انتحله وتنحله ادعاه لنفسه وهو لغيره ...ويقال نحل الشاعر قصيدة، إذا نسبت إليه، وهي لغيره « ، وقد ميز باحث آخر بين ثلاثة مصطلحات، وهي : النحل، والانتحال، والوضع، فالوضع لديه » هو أن ينظم الرجل الشعر ثم ينسبه إلى غيره لأسباب ودواع، والانتحال هو ادعـاء شـعر الغير... والنحل أن ينسب الرجل شـعر شـاعر إلى شاعر آخر« . ويمكننا إيجاز مفهوم الانتحال بأنه نسبة الشعر لغير قائله، سواء أكان ذلك بنسبة شعـر رجل إلى آخـر، أم أن يدعي الرجل شعر غيره لنفسه، أم أن ينظم شعراً وينسبه لشخص شاعر أو غير شاعر، سواء أكان له وجود تاريخي أم ليس له وجود تاريخي . وقد التفت علماء العربية إلى هذه الظاهرة وأولوها عناية وبحثا، إذ يؤكد ابن سلام الجمحي ذلك حين يقول : » وفي الشعر مصنوع مفتعل كثير لا خير فيه، ولا حجة في عربيته، ولا أدب يستفاد، ولا معنى يستخرج«، وإذا كان ابن سلام قد أجمل الحديث ـ هنا ـ عن الظاهرة بأسرها فإنَّ من علماء العربية من تحدث عن مفرداتها وجزئياتها، إذ يرد عن الأصمعي أنه قال : » إنَّ كثيراً من شعر امرئ القيس لصعاليك كانوا معه «. ولم يكن الأمر مقتصراً على علماء العربية القدامى فلقد أسهم المستشرقون بذلك وأدلى بعضهم بآراء خطيرة، وخالفهم أو تابعهم بعض الباحثين العرب المعاصرين . وسنتوقف في الصفحات التالية عند ابن سلام الجمحي بوصفه أبرز من تناول ظاهرة الانتحال عند القدامى، ثم نتناول الحديث عند المستشرقين، ونتوقف عند صموئيل مرجليوث بخاصة، لتبنيه تصورات خطيرة في قضية الانتحال، ونتوقف أخيراً عند طه حسين الذي أثار ضجة كبيرة في كتابيه الشعر الجاهلي والأدب الجاهلي، في تناوله لفضية الانتحال في الشعر الجاهلي . يؤكد ابن سلام الجمحي وفرة الشعر الجاهلي ولكن ما وصل إلينا منه قليل، إذ يروي عن أبي عمرو بن العلاء قوله: » ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافراً لجاءكم علم وشعر كثير «. ويرجع بعض ذلك ـ فيما يرى ابن سلام ـ إلى انشغال العرب بعد مجيء الإسلام بالجهاد، وقد هلك كثير من الناس مما أدى إلى ضياع كثير من الشعر يقول ابن سلام : » فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد، وغـزو فارس والـروم ولهت عن الشعر وروايته، فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح، واطمأنت العرب بالأمصار راجعوا رواية الشعر فلم يؤولوا إلى ديوان مدون ولا كتاب مكتوب وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل فحفظوا أقل ذلك، وذهب عليهم كثير «. إنَّ الشعر الذي وصلنا من الجاهلية قليل وقد ضاع أكثره، ويؤكد ابن سلام أنَّ في هذا القليل مصنوع مفتعل كثير لا خير فيه، مما يدفع إلى ضرورة تنقيته وعزل صحيحه عن زائفه، فهو يقول : » وفي الشعر مصنوع مفتعل كثير لا خير فيه، ولا حجة في عربيته ولا أدب يستفاد، ولامعنى يستخرج، ولامثل يضرب ولامديح رائع، ولاهجاء مقذع ولا فخر معجب، ولانسيب مستطرف، وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب لم يأخذوه عن أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء « . وقد اختلف العلماء في الشعر صحيحه وزائفه، ويرى ابن سلام أن ما اتفق عليه العلماء لاجدال حوله ولانقاش فيه، أو على حد تعبيره » ليس لأحد أن يخرج منه « . ويعي ابن سلام الجمحي أنَّ هناك أسباباً دفعت إلى نحل الشعر ووضعه، ويمثل العامل القبلي واحداً من الأسباب التي أدت إلى تزيد القبائل في نسبة الشعر إلى شعرائها في الجاهلية والإسلام، لأن العرب حين راجعت » رواية الشعر وذكر أيامها ومآثرها استقل بعض العشائر شعر شعرائهم وما ذهب من ذكر وقائعهم، وكان قوم قلت وقائعهم وأشعارهم فأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والشعراء، فقالوا على ألسنة شعرائهم « . ويختلط بالعامل القبلي أحياناً بعد سياسي، فقريش قد وضعت على حسان بن ثابت قصائد عديدة لم يقلها، لدرجة يصف ذلك ابن سلام بأنه » قد حمل عليه ما لم يحمل على أحد، لما تعاضهت واستتب، وضعوا عليه أشعاراً كثيرة لا تنقى « . وإذا كان العامل القبلي ـ هنا ـ يختلط ببعد سياسي فانه يختلط أحياناً ببعد ديني، ففي حديث ابن سلام عن أبي طالب يصفه بأنه كان » شاعراً جيد الكلام، أبرع ما قال قصيدته التي مدح فيها النبي صلى الله عليه : وَأَبيَضَ يُستَسقى الغَمَامُ بِوَجهِهِ رَبيعُ اليَتَامى عِصمَةٌ للأَرامِلِ وقد زيد فيها وطولت ... وقد علمت أنْ قد زاد الناس بها، ولا أدري أين منتهاها، وقد سألني الأصمعي عنها فقلت :صحيحة جيدة فقال : أتدري أين منتهاها، قلت : لا « . وقد أسهمت الرواية في وضع الشعر الجاهلي ونحله، فلقد عبث الرواة كثيرا في الشعر الجاهلي، ونسبوا إلى الشعراء ما ليس لهم، ويمكن تصنيف الرواة إلى فئتين : الفئة الأولى : رواة الأخبار والسير والقصص وأيام العرب : وهؤلاء يفتقرون إلى العلم بالشعر وخصائصه ومذاهبه، ففي حـديث ابن سلام عـن الشاعـر أبـي سفيان بن الحارث يثبت له شعــراً » كان يقوله في الجاهلية فسقط ولم يصل إلينا منه الا القليل، ولسنا نعد ما يروي ابن اسحق له ولا لغيره شعراً، ولأن لا يكون لهم شعر أحسن من أن يكون ذاك لهم « ، ومحمد بن اسحق هذا أحد رواة السيرة النبوية، وقد شنَّ عليه ابن سلام هجوماً عنيفاً لإفساده ما حمله من غث الشعر ومنحولة، وقد قال عنه ابن سلام » وكان ممن أفسد الشعر وهجَّنه وحمل كل غثاء منه محمد بن اسحق بن يسار ... وكان من علماء الناس بالسير.. فنقل الناس عنه الأشعار وكان يعتذر منها ويقول : لا علم لي بالشعر، اتينا به فأحمله، ولم يكن ذلك له عذراً فكتب في السير أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعـراً قط وأشعـار النساء فضلاً عن الـرجال، ثم جاوز ذلك عاد وثمود« . ويستدل ابن سلام الجمحي في الرد على محمد بن اسحق في شأن القصائد الشعرية الكثيرة التي وردت عن عاد وثمود، بالدليل النقلي، مستشهداً بآيات قرآنية كريمة تقرر وجهة نظره ويعجب عمن » حمل هذا الشعر ومن أداه منذ آلاف السنين، والله تبارك وتعـالى يقول »فَقُطِعَ دَابرُ القَومِ الذينَ ظَلَموا « ، أي لا بقية لهم، وقـال أيضاً »وَأَنَّـهُ أَهلَكَ عـاداً الأُولَى *وَثَمُودَ فَمَا أَبقَى « ، وقال في عاد: » فَهَل تَـرَى لَهُم مِـن بَاقِيَة « ، وقال » وَقُرونَا بَينَ ذلكَ كَثيرَا « ، ويتوهم ابن سلام دليلاً تاريخياً ليؤكد أنَّ لغة عاد وثمود لم تكن اللغة العربية، وهذا حق، غير أنَّ الدليل الذي يستدل به أمر يجافي طبيعة نشأة اللغة وتطورها إذ يؤكد أنَّ » أول من تكلم بالعربية ونسي لسان أبيه إسماعيل ابن إبراهيم صلوات الله عليهما « ، ويتكئ ابن سلام من ناحية أخرى على مقولة لأبي عمرو بن العلاء تؤكد أنَّ عربية حمير ليست بعربيتنا، فكيف بقصائد عاد وثمود التي تماثل قصائد شعراء العرب الجاهليين من حيث التراكيب والصيغ والأساليب، يقول ابن سلام : » وقال أبو عمرو ابن العلاء في ذلك : ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا، فكيف بما على عهد عاد وثمود مع تداعيه ووهيه « . ويعتمد ابن سلام من ناحية ثالثة على تصورات كانت شائعة في البيئة البصرية تؤكد قصر عمر الشعر الجاهلي، بحيث لا يمتد إلى أكثر من ثلاثمائة عام قبل الإسلام وكون الشعر في نشأته القصيرة هذه لا يعدو أنْ يكون سوى مقطوعات قصيرة، ثم طولت بعد هذا التاريخ، يقول ابن سلام: » ولم يكن لأوائل العرب من الشعر إلا الأبيات يقولها الرجل في حاجته، وإنما قُصّدتْ القصائد وطول الشعر على عهد عبد المطلب، وهاشم بن عبد مناف، وذلك يدل على اسقاط شعر عاد وثمود وحمير وتبع« ، ويقول أيضاً إنَّ أول من قصد القصائد وذكر الوقائع المهلهل بن ربيعة التغلبي، في قـتل أخيـه كليب بن وائل«. الفئة الثانية : رواة متخصصون عابثون : وقد عمد مجموعة من الرواة إلى نحل الشعر قاصدين، ومن هؤلاء حماد الراوية وخلف الأحمر، أما حماد الراوية فهناك تأكيد على علمه بالشعر وبكلام العرب، إذ يقول الهيثم بن عَدي » ما رأيت رجلاً أعلم بكلام العرب من حماد « ، ويؤكد ذلك الأصمعي، ولكنه يتحرز من وضعه ونحله الشعر على الشعراء يقول » كان حمّاد أعلم الناس إذا نصح يعني إذا لم يزد وينقص في الأشعار والأخبار فإنه كان متهما لأنه يقول الشعر وينحله شعراء العرب « ويؤكد ابن سلام الجمحي أنَّ حماداً الراوية » غير موثوق به، وكان ينحل شعر الرجل غيره، وينحله غير شعره، ويزيد في الأشعار « ، وكان يونس يقول : » العجب لمن يأخذ عن حماد، وكان يكذب، ويلحن، ويكسر «. إنَّ خطورة حماد الراوية أنه كان شاعراً، وكان عالماً بالشعر ومذاهبه، فينحل الشعراء قصائد ينظمها على طرائقهم في النظم ومذاهبهم في الإبداع، ولذلك حمل المفضل الضبي عليه حملة شعواء، قال » قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبداً، فقيل له : وكيف ذلك ؟ أيخطئ في رواية أم يلحن ؟ قال ليته كان كذلك، فإنَّ أهل العلم يردون من أخطأ إلى الصواب، ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيها، فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل ويدخله في شعره ويحمل ذلك عنه في الآفاق فتختلط أشعار القدماء ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد وأين ذلك « . وإذا كان المفضل الضبي متشائماً في شأن حماد الراوية وأضرابه لأنهم أفسدوا الشعر فلا يصلح أبداً، فإنَّ ابن سلام الجمحي يرجع ذلك إلى أهل العلم، ويرى أنهم قادرون على تمييز الصحيح من الزائف، وللعلماء رأيهم في ذلك، فإذا أجمعوا على إبطال شيء من الشعر فليس أمام أحد إلا أن يقبل هذا، ولا يخرج عنه ويؤكد أنه » ليس يشـكل عـلى أهل العلم زيادة الرواة ولاما وضع المولدون « . ويدخل في هذا السياق ما يزيده أبناء الشعراء في أشعار آبائهم، وكيف يكشف العالم صحيحه مـن زائفه، إذ يروي ابن سلام عن أبي عبيدة أنَّ » داود بن متمم قدم البصرة ... فسألناه عن شعر أبيه متمم، وقمنا له بحاجته، وكفيناه ضيعته، فلما نفد شعر أبيه، جعل يزيد في الأشعار، ويضعها لنا، وإذا كلام دون كلام متمم، وإذا هو يحتذي على كلامه، فيذكر المواضع التي ذكرها متمم، والـوقائع التي شهـدها، فلما توالى ذلك علمنا أنه يفتعله « .
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|