انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الادب في عصر الامارة والخلافة/3

الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 3
أستاذ المادة عيسى سلمان درويش المعموري       24/12/2013 19:00:23
على هذا النحو يمضي الشاعر في تصوير العلاقة بينه وبين من يحب وكأنها حرب بينه وبين كائن شديد اليأس ولهذا اضحى قتيلاً ولم يكن قاتله غير ذلك الحبيب وثمة حبيب قاتل ومحب صريع ولا بد ان يتبع ذلك اخذ الثأر وما ذلك القاتل سوى شادن جميل العينين ومن هنا يبدو لنا جليا كيف عمد الشاعر الى استمداد صوره ومعانيه الجزئية من حياة العرب ويجنح الشاعر في الابيات الاربعة الاخيرة الى مناجاة قلبه على هذا النحو الشجي وكأنه مجرد منه كائن ثان انساق وراء نزوته فحق عليه ان يعاني مرارة الحب ومثل هذا الاسلوب ينطوي على جدلية تجعل التعبير متسما بصراع وحركة تتجاذب مستوى العاطفة التي يبثها الشاعر في نصه وقد يعمد احيانا على ابراز التضاد من خلال الاعتماد على الطباق في اسلوبه اذ يذكر الظلم والعدل والهجر والوصل وعلى العموم يكشف النص السمات التقليدية وعناصر المحافظة ولم يكن هذا النزوع عارضا وإنما قصد اليه قصدا لان النص كان عبارة عن معارضة لنص مسلم بن الوليد ونزعة المعارضة هذه لا تتجلى في هذه القصيدة فحسب بل تكاد ان تكون شاملة في مذهبه الادبي بالرغم من جنوحه الى التجديد ولكن هذا التجديد كان ضمن اطار الماضي ويدور داخل فلكه وهذا الأثر جلي من خلال ما يصدر من احكام وأقوال في كتابه العقد الفريد بل ان كتابه هذا لم يكن إلا رغبة ملحة في مناقشة المشارقة وبلوغ شأوهم .
المرحلة الثانية من حياة ابن عبد ربة الاندلسي هي المرحلة التي تؤذن فيها شمس شباب الشاعر بالمغيب وتثقل عليه وطأة السنين لينكفي على نفسه فلا يلبث ان يجنح للحكمة وينعطف الى الزهد شأنه في ذلك الشأن اي انسان ينفتح عن الحياة في ريعان شبابه ثم لا يلبث عندما يدركه الهرم ان يتوارى عن مسرح المباهج هذا ما كان من امر ابن عبد ربه وهذا ما كان من شأن سلفه الشاعر الغزال بعد حياة من المباهج والمسرات بل ما كان اخيرا من شأن ابي نؤاس في المشرق وهكذا راح ابن عبد ربة يقول في نغم شجي:
إذا اخضر منها جانب جف جانب ألا انما الدنيـا غضــارة أيكــــــــــــــــــــة
عليـها ولا اللـذات إلا المصــــــــــــــــــائب هي الـــدار ما الآمـال الا فجـــــــــائع
وقرت عيون دمعها اليوم ســــــاكـب وكم سخنت بالأمس عـين قريرة
على ذاهب منــــــــــــــــها فأنــك ذاهـب فـــلا تكتـحل عيناك فيها بعــــبرة
ويبدو من الابيات ان الشاعر في تأملاته هذه كأنما يرثي نفسه قبل حين الرثاء وعلى الرغم من مسحة التشاؤم التي تسربلت بها هذه الابيات فأنها لطيفة الوقع على الاذن محببة الى النفس وذلك راجع الى عوامل خفية يوحي بها الى مثل هذا الشعر ولعل من عناصر جمال النص هذا مطلعه الذي يشبه به الشاعر الدنيا بشجرة وهذا التشبيه مفعم بالحياة على الرغم من بساطته وقرب مأخذه وهوة من جهة اخرى مستمد من طبيعة البيئة الاندلسية وربما كان ايضا من اسباب جمالية هذه الابيات ان الشاعر قد استطاع تصوير الدنيا غير المستقرة على حال والحياة المتقلبة والموصوفة بالتحول تصويرا حيا باختياره لمجموعة من الافعال مما يوحي بعنصر الحركة الذي ابتغاه . وجنح ايضا بالإضافة إلى ذلك الى هذه المطابقات التي اقتضتها طبيعة المقارنة بين وجهي الحياة القاتم والمشرق ويؤلف شعر الاداب والأخلاق الاسلامية حيزا مهما في ديوان ابن عبد ربه ويأتي بهذه القصائد في باب الامثال ايضا في كتابه (العقد الفريد) كما في قوله
حتى يروم التي من دونها العطب والحر لايكتفي من نيل مكرمة
ان كفة رهب يستدعـــــــــــــــــــــــه رغب سعى به أمل من دونه أجــــــــــــل
انظر اليك" وفـــــــــــــــــي تسآله عجب لذاك ماسأل موسى ربه" أرني
وهو النجي لديه الوصل والطلب يبقى التزيد فيما نال من كرم

الشاعر هنا اراد ان يذكر حرص الانسان على الاستزادة من الحياة وان يبلغ اعلى المراتب لأنه يحدوه عند سعيه الامل وقد يحول الاجل في كف طموح الشاعر ولكن في احيان كثيرة يبقى متماديا لا يرعوي حتى يقع في المصيبة.
الموضوع الاخر الذي تناوله في شعره والذي يتصل في شعر الاداب الاسلامية ويأخذ حجما واسعا من الديوان هو الشعر الزهدي الذي وصلت الينا منه قصائد كثيرة ذهب فيها ابن عبد ربه مذهبا جديدا اطلق عليه (الممحصات) وهي قصائد يعارض فيها قصائده التي قالها في حياته الاولى يلتزم فيها الوزن والقافية نفسهما ولكنه يناقض نزعته المتساهلة في باب الغزل وجل ما وصل الينا من هذه القصائد لاتزيد ابياتها على الخمسين بيتا كما في قوله:
ياعاجزاً ليس يعفو حين يقتدر
ولايقضّى له مـن عيشــه وطــــــــــــــــــــــــر
عاين بقلبك ان العين غافلــة
عن الحقيقة واعلم أنهــا سقـــــــــــــــــــــــر
سوداء تزفر من غيظ اذا سعرت
للظالمـــين فلا تبقــي ولاتــــــــــــــــــــــــذر
إن الذين اشتروا دنيا بآخــرة
وشقــوة بنعيــم ساء ماتجـــــــــــــــــــــــروا
انت المقول لـه ما قلت مبتدئا
هلا ابتكرت لبين ما كنت مبتكر

لقد اشاد النقاد بشاعرية ابن عبد ربه التي اتسمت بالغزارة في النتاج والتنوع في الموضوعات حتى رأى الباحثون انه كان نقطة تحول في الشعر العربي في الاندلس وقد تأثر فيه شعراء اندلسيون كثر ويمكن ابرز سمات شعره على النحو الآتي:
1- انماز شعر ابن عبد ربه بالبديهة في مرحلة شبابه والمقصود بالبديهة السهولة وطابع الخفة والارتجال وربما كان من اثر الارتجال كما يقول(د.احسان عباس) وفرة التيار العاطفي في شعره حتى في اشد الحالات التي يمكن ان تثور فيها العاطفة اما في مرحلة الشيخوخة فقد اقترن شعره بالكد والصنعة وظهر ذلك جليا في مظهره الفني الذي ابتدعه حين عارض اشعاره التي قالها في المرحلة الاولى في مرحلته الثانية وخص الادب الاندلسي بفن طريف سماه (الممحصات) ومن ابياته المشهورة بهذا الاتجاه قوله :
يامن يضن بصوت الطائر الغرد
ما كنت أحسب هذا الضـــن من أحــــد
لو ان أسماع أهل الارض قاطبة
أصغت الى الصوت لم ينقص ولم يـــزد
لولا اتقائي شهابا منك يحرقني
بنـــاره لأسترقـت السمــــــــــــــــــــــــــــــــع من بعد

2 -عدم التزامه اتجاها واحدا فهو محافظ حينا مجددا حينا اخر كما يراه (د.احمد هيكل ) مع امتياز شعره بالبساطة والغنائية حيث غلب الجانب الموسيقي والعنصر العاطفي
3- ما يتصل بلغة الشاعر:شيوع الالفاظ ذات الدلالات الموحية بالجمال في مراحله المبكرة ثم كثرت الالفاظ القرآنية والمصطلحات الفقهية ويبدو اثر الاقتباس القرآني واضحا في شعره كما في قوله:-
قد ضعف المطلوب والطالب ما انتم شيء ولا علمكم
تغالبون الله في حــكمه والله لايغلبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه غالب

ففيه اقتباس من قوله تعالى (ضعف الطالب والمطلوب) وقوله( والله غالب على امره)يوسف/21
والملاحظ ان ابن عبد ربه يجري في الاتجاه العام الذي جرى عليه الشعراء الاندلسيون في مجال الاقتباس اذ تأتي اقتباساتهم غير مباشرة على وفق رأي المالكيه في كراهة الاقتباس من القرآن الكريم في الشعر وهذا الكلام لا يبدو دقيقا لما صادفنا من اقتباسات تبدو مباشرة كما في قوله:
لذاك ما سأل موسى ربه أرني أنظر اليك وفي تساله عجب
وهناك سمة لا بد من التنويه بها وهو ما يتصل بثقافته تبدو هذه السمة في تعلقه في الثقافة المشرقية وموروثها الضخم فهو تارة يورد اشعار القدماء في كتابه(العقد الفريد) وفي صورة اخرى يكون معارضا لشعره كما رأينا في معارضته للامية (صريح الغواني) وليست(ممحصاته) إلا استمرارا لروح المعارضة التي سيطرت عليه فعلى رأي احد الدارسين يقول(فهو حين شبع من معارضة المشارقة عارض نفسه)

المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .