انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الادب الحديث

الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 4
أستاذ المادة مثنى عبد الرسول مغير الشكري       13/12/2012 08:14:53
وينحسر هذا الظل المديد الذي يمثله الزمن في شعر نازك ؟انحسارا غير قليل - في ديوانها " شجرة القمر " ، وسر ذلك أنها اكتشفت التعويض عنه بالفن، وإلى هذا ترمز قصيدتها " شجرة القمر " نفسها، فهي مبنية على قصة طفل كان يحلم أن يصيد القمر، فلما تحقق حلمه ثار الناس عليه يريدون استرجاع قمرهم، فما كان من الطفل إلا أن زرع القمر، واستنبت منه شجرة تتدلى من أغصانها أقمار فضية، ثم رد القمر الأصلي إلى السماء، فالقمر عند نازك يرمز إلى الطبيعة (وهو في الوقت نفسه صورة للزمن)، والطفل هو الفنان، والشجرة هي فنه المستمد من الطبيعة، المستقل عنها في آن معا، وبه وجد الطفل (الفنان) رضى عوضه عن الطبيعة والزمن كذلك، وتقول نازك أنها استعارت الأسطورة دون رموزها - من قطعة شعرية إنكليزية مما يكتب للأطفال، ولعلها لو لم تقرأها هنالك لخلقت مثلها، فإن رغبة الطفل في صيد النجم (أو القمر) موجودة في شعرها من قبل، وإنما كانت تلك الرغبة بحاجة إلى تطوير:
وافقنا وانتهى الشيء الذي خلناه حبا
وتبقت حولنا الذكرى التي تسخر منا
من خيالات صغيرين بدأ نجم فظنا
أن في وسعهما أن يمسكاه فأشرابا
لحظة ثم تهاوى السلم
في برود وتلاشى الحلم
فهذا النجم الذي كان " طفلان " يريدان صيده هو " الحب " ن وكان صيده وهما تلاشى من بعد، ولكن هذا النجم حينما أصبح " فنا " استطاع الطفل أن يحوزه، وأن يخلق مثله، وبانتقال الصراع من دائرتي الزمن والحب إلى
(1/98)
________________________________________
الصراع بين الزمن والفن، تضاءلت قوة الزمن، لأن الفن يكفل الخلود والرضى والطمأنينة. بل الأمر أكثر من ذلك وأبعد دلالة، فقد كان الحب رابطة بين اثنين، معرضة للاهتزاز وللانفصام، وكان الزمن زونهما، الخاص بهما (أو بالشاعرة وحدها) أما الفن فإنه استطاع أن يرضي الذات (وبالتالي سيرضي الآخرين) كما أن إرجاع القمر (الطبيعة ؟الزمن) إلى الناس كان يعني اعترافا بأن لهم حق المشاركة فيما كان يحبه الفنان (أو يخاف منه)، ومن هنا تتفتح المشاعر الذاتية على الآخرين، وتأخذ في تحسس مشكلاتهم وقضاياهم على نحو أرحب، وبتعاطف أشد،ومن هنا أيضا يشرب الخوف من الزمن (ومن الموت) في غمار المشاركة الجماعية، وذلك ما ينبئ عنه التطور ؟الموضوعي - الذي شهده شعر نازك (1) .
وحين يحاول الدارس أن يحدد فكرة أدونيس عن الزمن ؟من شعره - تواجه عقبات كثيرة، منها أن الشاعر أكثر من استعمال الفعل المضارع، وأعيا أن تلك الصيغة لا ترتبط بزمن محدد ؟في اللغة العربية - فحين يقول:
في عالم يلبس وجه الموت
لا لغة تعبره لا صوت
(تولد) عيناه
يدرك أن لفظة " تولد " تعني هنا الديمومة، وكذلك هو قوله:
بين الصدى والنداء - يختبئ)
تحت صقيع الحروف (يختبئ).
__________
(1) تجد مزيدا من التفصيل عن علاقة شعر نازك بالزمن في كتابي " الزمن في شعر نازك " وهو سيصدر قريبا.
(1/99)
________________________________________
بل أنه حين يستعمل الصيغ التي تدل على المستقبل (سافر في موجة في جناح/ سأزور العصور التي هجرتنا/ والسماء الهلامية السابعة) فإن الناحية الزمنية تتضاءل إلى جانب الإرادة، التي قد تحقق وجودها أيضا في لا زمن، أو قد تجيء المقطوعة مفرغة من كل دلالة زمنية، خالية من أية صيغة فعلية، مثل قوله:
خرساء أو مخنوقة الحروف
أو لا صوت
أو لغة تحت أنين الأرض
أغنيتي للموت
للفرح المريض في الأشياء للأشياء
أغنيتي للرفض
يا كلمات الرعب والدواء
يا كلمات الداء.
بل كثيرا ما تكون صوره الزمنية غير ذات دلالة على الزمن، ففي قوله يخاطب أبا نؤاس:
تائه والنهار حولك دهر من الدمن
شاعر كيف يشرئب
على وجهك الزمن.
نجد أن أبا نؤاس في " حضور " لا علاقة له بالماضي، والحديث عن النهار الذي هو دهر من الدمن إيماء إلى الشعر المثقل بوصف الأطلال، واتباعية التراث، والتعبير عن " الزمن الذي يشرئب " إشارة إلى ولادة الثورة التجديدية ؟على يد أبي نؤاس - فاستعمال ألفاظ " النهار " و " الدهر " و " الزمن " واهي الصلة بحقائق الزمن، فالزمن ؟وخاصة الماضي - لا يحمل قيمة في ذاته، وإنما القيمة الكبرى
(1/100)
________________________________________
للإنسان ؟الشاعر، فإنه هو الحقيقة التي تبدأ منها الحقائق، ذاهبة في تيارها المستقبلي،
يولد في عيني معنى الضحى
تبدأ من نفسي كل الدروب
ومن ثم يغدو أمس الشاعر " غدا " ، وينعدم وجود الأمس، ويصبح الموت صديقا، وتصبح ثانية الشاعر بما يملؤها من حيوية وإبداع وألق سنوات، أن الزمن قد يكون عدوا للطاغية، مثلا، لا للشاعر، ولهذا فإن الطاغية يحس أن علاقته بالزمن طغيان متبادل:
زمن يجري، زمن يهرب مثل الماء
وأنا أجري
كل نهار سكين في أحشائي
والليل حراب،
ومن ثم نجد أن بعض أقنعة (1) الشاعر تستعصي على الموت، فزيد بن الحسين يقتل ويصلب ثم يحرق وينثر رماد جثته فوق الماء، ولكنه لم يمت لأنه ظل رمزا حيا إلى الأبد.
الجسم يصاعد في رماد
مهاجر كالغيمة الخفيفة
والرأس وحي نار
عن زمن الغيوب والثورة والثوار
يقرؤه السياف للخليفة؟
__________
(1) سيجيء الحديث عن " القناع " في الشعر الحديث، في فصل تال، ويكفي أن أقول هنا أن " القناع " رمز تاريخي - في أكثر الأحيان - يرمز للشاعر، أو يحمله الشاعر نظراته في الفن والتضحية والمبادئ؟الخ.
(1/101)
________________________________________
ومهيار: يأمر تيمور الطاغية بتعذيبه ثم يقطع جسده إلى أجزاء صغيرة ترمى في جب للأسود ويفصل رأسه عن جسمه، ولكنه يظل هو " النفس المزروع في رئة الحياة " ، ويظل رأسه يتحدث عن موته الذي كان " فوهة الزمان، كان الوعد والمجيء " وعن جسده الذي سار أمامه:
أزمنة، مدائنا
تواكب النهر
مسرحها بضفتين: الحب والبشر
وحين توحد بالأرض والكون والموت والزمن صار هو " المدى والمدار " ، أو هو الحقيقة المطلقة، بل لعله أكبر من كل ذلك.
ليس للزمن وجود ذاتي متميز عن أدونيس، وإنما هو مجال، ساحة لدينامية الإنسان، امتداد، أهم ما يعكسه حركة الإنسان في داخله وأحيانا في خارجه - ولهذا بدلا من أن يركز نظره في الزمن، وإحساسه الكلي في تقلباته وتجسداته، كما تفعل نازك التي تسمع وقع خطى الأيام، وتحس دبيب أقدام الليل، فإنه لا يحاول أن يرى سوى الصيرورة المستمرة، وحياة التحولات في أقاليم الليل والنهار، أن أدونيس لا يبحث عن زمن ضائع - كما فعل بروست - وإنما يلاحق زمنا لم يولد بعد، بل أن قولنا " لم يولد بعد " مجاز، لأن الإنسان متحد به، وهو في صيرورته المستمرة يرسم له أبعاده.
وحسبنا هنا أن نعرض مثالا واحدا يصور هذه الصيرورة ؟قناعا آخر من أقنعة أدونيس - بعيدا بعض الشيء عن " تأله " مهيار، وقدرته على توجيه الحياة الإنسانية، وعن تكييف الإنسان ؟بقدرة يسميها الناس خارقة - مثالا يتحرك في التاريخ، ويمثل الإرادة الإنسانية
(1/102)
________________________________________
كما يمثل تواضع الإنسان، وليكن هذا المثال هو " صقر قريش " (1) ؟عبد الرحمن الداخل - الذي لم يكن دوره التاريخي ؟فكيف بالرمزي - دورا عاديا عابرا.
الصقر يعاني أزمة الزمان والمكان: مختبئ يرى ما يحل بأهله من قتل وصلب، وتنقسم مشاعره بين تذكر قريش وأمجادها، وبين التفكير في النجاة، والزمن يضيق:
وكأن النهار
حجر يثقب الحياة
وكأن النهار
عربات من الدمع
والمكان يضيق، وفارس الموقف كله الموت
والموت يسرج أفراسه
والذبيحة
بجع يتخبط،
ويريد فسحة، يريد عونا من الفرات، يريد من الطريق أن يتسع " والطريق يدحرج أهواله ويضيق " ، ولكنه يهيب بالمكان أن يتسع، " أفتحي يا برادي مصاريع أبوابك الصدئات " ومع ذلك فإنه استطاع أن يسير في أرض " أضيق من ظل رمحه " . مشكلة الصقر الكبرى أنه ليس شاعرا، لا يعرف أن يغير الفصول، لا يستطيع أن ينقذ أخاه الطفل، لا يستطيع أن يدجن الغرابة، أن يغير الآجال، أن أشياء كثيرة ستحدث دون أن يستطيع الصقر التدخل في مجراها، لأنه ليس شاعرا، ولكنه في النهاية " يرفع في وله الصبوة والإشراق/ أندلس الأعماق " .
__________
(1) انظر قصيدة تحولات الصقر في الملحق.
(1/103)
________________________________________
وعند هذا الحد ينتهي الصقر التاريخي ليبدأ الرمز، وتبدأ من ثم تحولات الصقر،: كانت هناك أصوات تنادي الصقر أن يرجع، ولكنها هدأت، وتضاءل صوت الماضي، لكنه لم يتضاءل في الواقع لأن الصلة بالماضي قوية، ويحاول الصقر أن يشدد من عزيمته ليقتل الماضي،
طاغ أدحرج تاريخي وأذبحه على يدي، وأحييه
ولي زمن أقوده، وصباحات أعذبها
أعطي لها الليل، أعطيها السراب، ولي
ظل ملأت به أرضي
يطول، يرى، يخضر، يحرق ماضيه ويحترق،
ولكن صورة دمشق (حبيبة أدونيس) لا يستطيع الصقر أن ينعتق منها بسهولة، ولهذا فإنه يعيش لحظات طويلة، مشدودا إلى هذا الماضي الدمشقي، الذي ينتهي ب " عفوك يا دمشق " ؟ وهو تردد بين الرثاء والتحطيم، وحين يصعد الصقر ؟الشاعر إلى أبراج الموت، يمحي الصقر، ويبرز أدونيس، ليعيش لحظات مترددا بين انتماء إلى دمشق الماضي أو القدرة على التحول، ويعاوده الحنين إلى الحضارة القديمة، فيلم ببغداد، ليلقي بالزمن:
الزمن أخضر نما وطال
أورق في الجدران والحصون
الزمن الأنهار والتلال
والزمن العيون:
قامات أحجار ربيعية
في غابة الروح الفرائية
وليقرأ الشواهد التي كتبت على قبر الصقر (الشاعر)، وليفيد منها أن قوة الموت أن كانت قد استطاعت التغلب على الصقر، فإن زوجة فقيرة كانت على وشك أن تعلن ولادة، صقر جديد
(1/104)
________________________________________
وقيل كانت زوجة فقيرة
هنا وراء التلة الصغيرة
حبلى
وبين الليل والنهار
في الصمت
في التمزق المضيء
تنظر الطفل الذي يجيء.
أن هذه القصيدة التي تعد من أكثر قصائد ادونيس واقعية، تصور حقيقة التحول على شكل صراع بين الماضي والمستقبل، وميزتها الكبرى أنها تنصف الماضي ولا تهزأ من علاقاته، ولا تحاول الاستخفاف به أو التهوين من قيمته، وإذا كان الانعتاق من الماضي ضروريا فإنها تصور صعوبة ذلك الأنعتاق، وهو شيء يجب أن لا نعده موقفا رومنطقيا، فإنه نابع من شخصية الصقر نفسه الذي كان يقول رغم ما حققه من طموح ومجد، مخاطبا النخلة: " يا نخل أنت غريبة مثلي " ، وإذا لم تكن هذه الغربة إنسانية، فماذا تكون؟ هي غربة علها أصدق بكثير من حديث رأس " مهيار " في حقيقة الواقع الإنساني.
وللزمن في شعر محمود درويش قصة أخرى، ربما راقه أن يعود إلى الماضي متمثلا في الطفولة، إلا أنها ليست عودة وإنما هي استكشاف:
وأثير جسمك
تولد اليونان
تنتشر الأغاني
يسترجع الزيتون خضرته
يمر البرق في وطني علانية
ويكتشف الطفولة عاشقان
(1/105)
________________________________________
بل أن هذا بل أن هذا الاكتشاف ألا في حالة دون أخرى، ذلك لأن سمات الطفولة لا تتغير، ليس الطفل أبا للرجل(كما يقول وردزورت) وإنما الطفل هو الرجل، ففي الطفولة كان الطفل " صغيرا وجميلا، كانت الوردة داره والينابيع بحاره " ، ثم أن الوردة هي التي تغيرت فصارت جرحا، والينابيع هي التي تغيرت فصارت ظمأ، أما الطفل فلم يتغير كثيرا، ظل " صغيرا وجميلا " واستطاع أن يحول الوردة إلى نخلة والينابيع إلى عرق، أن الأشياء تكبر حقا، فتلقي ظلالها على الطفولة، حتى تخيل للناظر أن الطفولة تجاوزت عهدها، ولكن بشيء قليل من التأمل تتضح الحقيقة.
وهذا الطفل لا يخشى الزمن، أنه يأخذه بيديه كأنه دمية (ربما كانت دمية متفجرة وهو لا يدري، ولكنه يحبسها كالخرز الملون) يداعبها " كأمير يلاطف حصانا " :
إني أحتفل اليوم
بمرور يوم على اليوم السابق
وأحتفل غدا بمرور يومين على الأمس
وأشرب نخب الأمس
ذكرى اليوم القادم
وهكذا أواصل حياتي (1) .
وفي هذه " المداعبة " يتضح التمويه، فالزمن قد لا يكون مرعبا للطفل، ولكن هذا الطفل الذي كبر أخذ يحس بثقل أيامه، ويحاول تزجيتها على نحو من المعاناة التي تتطلب ؟رغم عد الأيام - شيئا من النسيان، ولكن هذا النسيان
__________
(1) هذه القطعة لا تعتمد إيقاعا منتظما، ولكنها ذات قيمة في الدلالة على نظرة الشاعر إلى الزمن.
(1/106)
________________________________________
غير متأت لارتباط الماضي بالحاضر ارتباطا وثيقا حتى أنه " حين أحيا الذكرى الأربعين لمدينة عكا أجهش بالبكاء على غرناطة " . المشكلة ؟إذن - أن الطفل يحاول إلا يكبر فيستكشف أن الذاكرة كبرت واتسعت، وأنه رغما عن التشبث بثبات الزمن على حال لا تتغير، يجد أن الزمن يمتد في بعد آخر، في اتجاه جديد، وتمتلئ الذاكرة بالذكريات، وهو يحاول أن يتخلص منها فلا يزداد منها إلا قربا:
من كل نافذة رميت الذكريات كقشرة البطيخ
واستلقيت في الشفق المحاذي للصنوبر (تلمع الأمطار
من بلد بعيد، تقطف الفتيات خوفا غامضا)
والذكريات تمر مثل البرق في لحمي، وترجعني إليك
إليك. أن الموت مثل الذكريات كلاهما يمشي إليك.
يكاد يكون من المستحيل الثورة على الذاكرة لا لأن الذكريات أحيانا تكون " هوية الغرباء " وحسب، بل لأن الزمن " يضاجع الذكرى وينجب لاجئين " .
ها هنا مشكلة تبحث عن حل: هل يكون هذا الحل في الامتداد الجغرافي؟ لقد جربه " عبد الله " ؟صديق الشاعر ؟فماذا حدث؟:
كان عبد الله حقلا وظهيره
يحسن العزف على الموال
والموال يمتد إلى بغداد شرقا
وإلى الشام شمالا
وينادي في الجزيره
؟.
يقفز الموال من دائرة الظل الصغيره
ثم يمتد إلى صنعاء شرقا
وإلى حمص شمالا
وينادي في الجزيره
(1/107)
________________________________________
ولكن هذا الامتداد لم ينقذ عبد الله " وتدلى رأس عبد الله/ في عز الظهيرة " لنبحث إذن عن حل آخر، لعله في التشبث بالحاضر والدخول في لفظة " الآن " دخولا لا منفذ له:
وإن لا أحزن الآن
ولكني أغني
أي جسم لا يكون الآن صوتا
إي حزن لا يضم الكرة الأرضية الآن
الآن؟الآن؟.، بل لعله الخروج من الجلد ومبارحة شيخوخة المكان، ولكنه كلما فعل ذلك لم يجد " غير وجهه القديم الذي تركه على منديل أمه " ، بل لعله الخروج خارج جدار الزمن والاستنامة إلى نوع جديد من الموت:
وبودي لو أموت؟.
خارج العالم في زوبعة مندثرة
ولكنه يعجز عن ذلك لأنه أتحد بالمحبوبة ؟الأرض - الأم وانتشر على جسمها كالقمح، كأسباب بقائه ورحيله، وهي تنتشر في جسمه كالشهوة، مستحيل أن يحقق ذلك: أنها تحتل ذاكرته كالغزاة، تحتل دماغه كالضوء، ما أقسى تلك المحبوبة! ليتها تقول له مرة واحدة " أنتهى حبنا " لكي يصبح قادرا (لا على النسيان) بل على الموت والرحيل، ليتها تصبح زوجة له " ليعرف الخيانة مرة واحدة " ، اتحاد الشاعر بالمكان هو سر صلابته أمام الموت، أمام الزمن، مثلما هو في الوقت نفسه سبب الوجد والعذاب المبرح، وحين يبتعد عن المحبوبة قليلا يجد الزمن متحيزا متشخصا، فإذا عاد إلى اتحاده بها فقد الزمن ووجد هويته. وإذن فإن الحل ؟إن كان ثمة من حل - هو في التمسك بالصلابة والمقاومة حتى النهاية، فإنها وحدها القادرة على خلق الاستحالة
(1/108)
________________________________________
المتجددة، وفي كل خروج من مسامير العذاب بحث مستأنف عن " شكل جديد لوجه الحبيب " ، وعلى مرأى من الزمن نفسه يستطيع المحب أن يهدي إلى تلك المحبوبة ذاكرته، أن يتحدث عن تلك الاستحالة المتجددة، وأن يمزج ذكرياته، بذكرياتها، ورغم أن الطفل في هذا الموقف أحس بأنه قد كبر، وكبر المساء، وكبر الرحيل، وأصبحت المحبوبة " غزالا سابحا في حقل دم " فإنه وجد بين يديها الولادة الجديدة:
والموت مرحلة بدأناها
وضاع الموت
ضاع؟.
في ضجة الميلاد
فامتدي من الوادي إلى سبب الرحيل
جسما على الآوتار يركض
كالغزال المستحيل.
هل بعد ذلك كله يهم أن نجد الزمن مقياسا؟ بعد قليل، بعد عام؟ بعد عامين،؟ ما الفرق؟ أننا ؟بدلا من ذلك - بحاجة إلى مقياس للمكان حتى لو فعلنا كما فعل سرحان الذي " يقيس الحقول بغلاته " .
* * *
هذه خمسة نماذج لتصور العلاقة بين الشاعر الحديث والزمن (والموت)، وفي تفرد كل نموذج منها بخصائص ومميزات فارقة، ترتسم سمة واضحة تتخذ علامة على موقف إنساني يميز اتجاها عن آخر، ولا ريب في أن مزيدا من الأمثلة يستطيع أن يوسع من حدود الافتراق والتلاقي بين الشعراء حول هذا الموضوع، غير أنه لا يفوتنا أن نلحظ
(1/109)
________________________________________
مدى التفاوت الذي تم ؟حتى في هذا النطاق المحدود - بين زمن رومنطقي خالص (وأحيانا متافيزيقي) كما هو الحال عند نازك والسياب، وبين زمن قائم على الصيرورة المستمرة، يفعل فيه الإنسان ويتفاعل به، ويقف محمود درويش في مرحلة بينهما، وأن كان ؟مع الزمن - قد أخذ يقترب من الثاني.
(1/110)


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .