انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم لغة القرآن
المرحلة 4
أستاذ المادة مثنى عبد الرسول مغير الشكري
13/12/2012 08:12:57
وما دمنا نستبعد دراسة الرومنطقية وما يقابلها في الشعر الحديث، وما دمنا نستبعد أيضا تفريع هذه الدراسة تحت عنوانات مستمدة من العوامل الكبرى التي أثرت في توجيه ذلك الشعر، فلا بد من اختيار طريقة ثالثة، وهي طريقة مستمدة من النظر إلى القوى الكبرى التي تحدد وجهات الشعر نفسه، وتنبع من العلاقة الجدلية القائمة بين الشاعر وتلك القوى، وهي قوى تعمل في داخل الشعر مثلما تعمل في داخل نفس الشاعر، مثلما هي قضايا إنسانية هامة، وبعبارة أبسط ما دامت الحياة مواقف فما هو موقف الشاعر من كل قضية كبرى مثل الحب، الزمن، التراث؟ ثم بالتالي: ما هو (1/80) ________________________________________ موقفه من المجتمع، فإن دراسة الشعر من هذه الزوايا تكفل أيضا تبيان فعل العوامل الخارجية في الوقت نفسه، وعلى هذا سنتناول الفصول التالية: 1 - الموقف من الزمن (ومن ثم من الموت). 2 - الموقف من المدينة 3 - الموقف من التراث 4 - الموقف من الحب 5 - الموقف من المجتمع. وربما كان من الخير أن نقتصر ؟موقتا - على هذه المواقف الخمسة، وأن كان من الممكن إضافة مواقف أخرى إليها، فإن هذه تكفي للدلالة على أكبر الاتجاهات الشعرية، كما تكفي للدلالة على مدى صلة الشاعر بالحداثة. (1/81) ________________________________________ فراغ (1/82) ________________________________________ 4 - الموقف من الزمن يقول بيتر شون في دراسة له عن بودلير: طأن تجربة بودلير فيما يتعلق بالزمن، ذات أهمية أصيلة لفهم شعره (في أزهار الشر) حتى ليمكن أن يقال أنها مفتاح لفهم ذلك الشعر " ، وأكاد لا أتردد في أن أقول مثل هذا القول نفسه في كل شاعر من أصحاب الشعر الحر، أعني الذين استطاعوا منهم أن يحفروا عميقا في مجرى التيار الشعري، فإن موقف كل منهم من الزمن هو الذي يعطي شعره سمة فارقة، ويحدد صلته بالحداثة، ويقرر مدى انتمائه وطبيعة ذلك الانتماء. ذلك أنه لا خلاف ؟اليوم - حول أهمية " الزمن " في تيارات الأدب الحديث ؟على المستوى العام - لا في الشعر وحده، ولعل خير ما يصور هذه الأهمية، لا عدد البحوث الفلسفية التي كتبت في هذا الموضوع وحسب، وفي طليعتها بحوث برجسون وهيدجر، بل بتلون النتاج الأدبي منذ بروست وجيمس جويس وفرجينيا وولف بما لفكرة الزمن من قيمة في القصة الطويلة، وبهذه الدراسات الكثيرة التي كتبت حول إبراز الدور الذي " يلعبه " الزمن في مختلف الفنون الأدبية وفي نتاج عدد كبير من الأدباء، وبعيدا عن الدخول في المنعرجات الفكرية حول الموضوع، أحب أن أضع هنا بعض الحقائق الأولية: (1) أن هناك فرقا في تصور الزمن بين الجماعات البدائية وبين الجماعات التي تعيش في ظل الحضارة، فالزمن للبدائي " ميثولوجي " أو شعائري أي أنه ربما كان منعدما، أما الزمن بالنسبة للمتحضر فإنه " تاريخي " لأنه شيء يمكن قياسه والتعامل معه. (1/83) ________________________________________ (2) أن هناك فرقا في تصور الزمن بين الحضارات القديمة والحضارة الأوربية الحديثة، فالحضارات القديمة تستطيع التغاضي عن الزمن، بينما تصر الحضارة الآوربية على وجوده، وتربط الثقافة والحياة ربطا محكما به. (3) وبناء على الملحوظة يمكن القول أن الحضارة الإسلامية (حسب تصوري) كانت ترى الزمن دورات ؟محدودة الأمد - يتخللها نظرة رجوعية إلى الماضي، بينما تذهب الحضارة الأوربية إلى أن الزمن تيار مستمر، وخاصة منذ أن ارتبطت في القرن التاسع عشر بفكرة التقدم أو النطور التي تعني استمرار السير قدما، دون معوقات من النظرة إلى الوراء، فإذا تحدثنا عن التطور أو التحول فإنما نستعير تصور الحضارة الأوربية للزمن. (4) أن هناك فرقا أساسيا بين رؤية برجستون للزمن، وما حاوله بروست في التطبيق الأدبي، فبينا يرى برجستون أن الزمن الذي يمثل تجربة نوعية ؟لا كمية حين يكون زمنا مسقطا على المكان أو المسافة - لا بد أن يستعاد لا متقطعا على أنه لحظات عاشها المرء، وإنما لا بد من بعث الروابط التي تصل بين تلك اللحظات، بينما حاول بروست، بعث تلك اللحظات في الماضي دون أن يعبأ بإقامة صلة زمنية بينها. (5) أن " الزمن " ظل حتى مطلع هذا القرن يقف في أحد اعتبارين: فأما هو حقيقة واقعية خارجية، وأما هو حقيقة ذاتية يتضاءل وجودها الخارجي المستقل. ولكن في سنة 1908 صرح العالم الرياضي هرمان منكوسكي بقوله: " بعد اليوم يتضاءل الزمن وحده، أو المسافة وحدها، ولن يحفظ ارتباط الزمن ؟بالمكان - أو المسافة - في أدب اقرن العشرين، وتحول أحدهما إلى الآخر، أمرا ضروريا. (1/84) ________________________________________ (6) أنه مهما يبلغ الإنسان من تطور، فلا بد أن يظل الصراع مستمرا بين زمن تاريخي واقعي وزمن لا نهائي ؟يسمى الخلود - ، (أو على الأقل، نوع من الانبعاث المتجدد) حتى يبلغ الإنسان مرحلة يعتبر الموت فيها جزءا ضروريا من الحياة. من هذه الملاحظات الأولية يمكن أن ننطلق إلى محاكمة نماذج من الشعر الحديث ؟من حيث صلتها بالزمن - ولما لم تكن هذه الدراسة معنية بالإحاطة الشمولية، فإنه لا بد من الاقتصار على أمثلة محددة، وليكن أول هذه الأمثلة شعر خليل حاوي: ابتداء من نهر الرماد حتى بيادر الجوع يطالعنا خليل بنوع متشابه من المكان ؟أو المسافة - فنحن حينا في نهر الرماد (انعدام الحركة) أو في جوف الحوت أو في الكهف، أو في عصر الجليد أو في القبر (لعازر) أو في الرحلة الثامنة (لا حركة لأنها رؤيا) ومعنى ذلك أننا في موقف محدد من الزمن، فهو يكاد ينعدم تماما (في الكهف) أو يتحرك حركة خفيفة، وهو ساكن واقف في لعازر " سمر اللحظة عمرا سرمديا " أو هو لحظات خاطفة لا تلبث أن تمحي " عمره عمر الغجر، عمره ثانية عبر الثواني " وهو بالنسبة للحبيبة في قصيدة " وجوه السندباد " قد توقف عند نقطة معينة ؟ذاتية - لأن الحبيبة نفسها لا تستطيع أن تتجاوزها، حرصا منها على أن تشيح بوجهها عن التغير الحقيقي الذي أحدثه مرور الزمن: غبت عني والثواني مرضت ماتت على قلبي فما دار النهار ليلنا في الأرز من دهر نراه البارحة (1/85) ________________________________________ ومع أن هذا " التجميد " للماضي انتصار على الزمن وتشبث بالبقاء، ببقاء اللحظة الجميلة، عند المحبوبة، فإنه ليس إلا وهما في نظر المحب، ولا مخرج من هذا الوهم إلا انتصار حقيقي، لا يتم دون ولادة طفل، فإنه هو الحقيقة الوحيدة التي تستطيع أن تنتصر على الزمن: ويمر العمر مهزوما ويعدي عند رجليه ورجلينا الزمان يقابل هذا الزمن الماضي الذي " تجمد " عند اللحظة الجميلة في نظر المحبوبة، زمن آخر متجمد، هو الحاضر، الذي يتمثل أحيانا في تحجره كأنه لا يسير: وعرفت كيف تمط أرجلها الدقائق كيف تجمد، تستحيل إلى عصور وغدوت كهفا في كهوف الشط يدفع ليل تحجر في الصخور ذلك لأن الإنسان إنما يعيش حاضره في كهف، كهف نفسه أو كهف الواقع، وأن هذا الكهف نفسه هو جوف الحوت، ومع أن الظلمة ترين على أرجائه فإن الشاعر يعبر عن ضجره من استمرار الضوء ؟بعض الضوء - ويصرخ: " ومتى يحتضر الضوء المقيت " ، لأنه ليس ضوءا منقذا قادرا على تبديد تلك الظلمة الشاملة، فهو يعلم يقينا أنه في جوف الحوت، في جو جحيمي السعير: في مداه لا غد يشرق لا أمس يفوت غير آن ناء كالصخر على دنيا تموت (1/86) ________________________________________ ولهذا فإنه حين يحاول أن يتشبث بالماضي يشك في حقيقة ذلك الماضي: أتراه يوما نضيرا معافى؟ لقد محا ثقل الحاضر كل شيء، ولم تبق إلا احساسات ثقيلة بجهامة الحاضر، وثقل وطأته: كل ما أعرفه أني أموت مضغة تافهة في جوف حوت. ولكن الشاعر يستطيع رغم كآبة الحاضر وضياع الماضي أن يمد جسرا إلى المستقبل، ومرة أخرى يعود الأطفال إلى الصورة، فهم الذين يمدونه بالقوة على أن لا يخاف زحف الجليد من جديد، أن لي جمرا وخمرا ولي أطفال أترابي ولي في حبهم خمر وزاد من حصاد الحقل عندي ما كفاني وكفاني أن لي عيد الحصاد وحين وجد الشاعر ؟من خلال الأزمة الذاتية - هذا الجسر، اتسعت لديه طبيعة الرؤيا، فإذا هو في " الرحلة الثامنة " يتذكر أخطاء الماضي ليتطهر منها، مادا بعينيه إلى المستقبل، وفي فمه " بشارة " : وسوف يأتي زمن احتضن الأرض وأجلو صدرها وأمسح الحدود وأصبح إيمانه بالتجدد، بالبعث، طريقه إلى قهر الزمن، والتغلب على الموت. وإذا كان في " لعازر 1962 " قد عاد إلى التشبث بالموت - رغبة في الموت نفسه - فإنما كان ذلك (1/87) ________________________________________ كذلك لأن القصيدة لا بد أن تقرأ على ضوء أزمة تاريخية مرت بها الأمة العربية، والسنة المقترنة باسم لعازر (1962) تشير بوضوح إلى تلك الأزمة، واليها يومئ خليل حين يقول في مقدمة القصيدة مخاطبا لعازر " لئن كنت وجه المناضل الذي انهار أمس، فأنت الوجه الغالب على واقع جيل، بل واقع أجيال يبتلى فيها القوي الخير بالمحال، فيتحول أبلى نقيضه، ويتقمص الخضر طبيعة التنين الجلاد والفاسق وتكون المذلة مصدر تعاظمه " . أن النفور من العودة إلى الحياة في القصيدة ؟أو الاستسلام الكلي للزمن - لهو صورة مرحلية لا تمثل عمق التفاؤل بالبعث وبعودة المنقذ في شعر خليل. وقد كان من الممكن أن نستشرف هذا التغير في موقف الشاعر من الزمن، منذ أول قصيدة في الديوان، وهي قصيدة " البحار والدرويش " فإن الدرويش يمثل الحقيقة الثابتة التي تتحدى الزمن والموت، وبكوخه يستريح التوأمان: " الله والدهر والسحيق " ، وهو الذي شهد ؟في حالة خلوده - تتابع الحضارات، وفعل الزمن " ذلك الطفل - الغول الذي تلده الثواني " ، بينما هو ؟أي الدرويش - قابع في ضفة " الكنج " ، شاهد لا تمتد إليه يد الفناء، وأما البحار الذي يرمز إلى الشاعر المسافر، فإنه يعانق الأشياء الزائلة، يموت مع الطين الموات، وقد ماتت منارات الطريق بعينيه، وفي سياق ذلك الخلاص من قبضة الزمن، نجد ؟في النهاية - أن البحار أتحد بالدرويش أو كاد، وأعلن ؟بالبعث والتجدد - انتصاره على الزمن، وإذا لم يستطع أن يكون هو " الخضر " فإنه ؟على الأقل - لم يعد فريسة " للتنين " . من ذلك يتضح أن الاتجاه الشعري عند خليل حاوي لن يفهم على حقيقته إلا عندما يتضح موقفه من الزمن، فإذا (1/88) ________________________________________ أضفنا إلى ذلك أنه يؤثر أن يتحدث عن الزمن بمصطلح المسافة/ فيعبر عن بطئه وركوده بمثل " الجليد " أو " صحراء الكلس " كما يعبر عن حيويته بمثل " غناء الرؤيا " و " رعشة البرق " ؟ أدركنا أننا إزاء شاعر يتميز بوعي دقيق لهذا التزاوج الضروري بين الزمن والمسافة. وتكاد لا ترى أن خليل حاوي ؟رغم تعلقه بالأم - يتحدث كثيرا عن الماضي، ويحلم كثيرا بالعودة إليه، ورغم إيمانه بجمال الطفولة، فإنه لا يعدها ملاذا وحمى، وهو في هذا يفارق ؟مثلا - شاعرا مثل السياب، عاش طول حياته يحلم بالطفولة والعودة إلى الأم - ويجد في الماضي عزاء عن الحاضر، بل هو يزخرف الماضي لأن في ذلك التمويه تعويضا عن قسوة الحاضر، ولهذا كان موقف السياب من الزمن ؟ومن ثم من الموت - مختلفا عن ذلك الذي اتبعه خليل، وبسبب تعرض السياب لتحولات مختلفة في نظرته الفكرية تجد لديه مواقف مختلفة، فهو في قصائده التي سميتها " الكهفيات " (1) يقترب من خليل في تصوره نفسه ميتا يبعث، رامزا بذلك إلى بعث الأمة العربية، وذلك هو ما غلب عليه في عهد اتجاهه القومي، ولعل قصيدته " في المغرب العربي " خير مثال على ذلك، وفيها يتخيل أنه ميت ؟مع موت المجد العربي والحضارة العربية - إلا أن هذا الموت، سيستفيق ولا بد لأنه ؟لا يمكن أن يحيا دون الماضي، فهما يهبان معا من القبر: ومن آجرة حمراء مائلة على حفرة أضاء ملامح الأرض بلا ومض دم فيها فسماها __________ (1) انظر: بدر شاكر السياب: 267 - 275. (1/89) ________________________________________ لتأخذ منه معناها لا عرف أنها أرضي لاعرف أنها بعضي لاعرف أنها ماضي، لا أحياه لولاها وأني ميت لولاه، أمشي بين موتاها وهذا البعث، يتغلغل أيضا في ثنايا قصائده التي قالها وهو يشهد ؟مقاما - حركة المد الشيوعي في العراق، فقد أعتمد فيها اللجوء إلى أسطورة أدونيس وعشتار، وكان يستمد من الأسطورتين وأمثالهما شعوره بأن الخصب لا بد أن يخلف الجدب، وأن التضحيات لن تذهب سدى. ولكن للسياب ؟إذا شئنا الإيجاز - موقفين آخرين من قضية الموت ؟والزمن - أحدهما إلى نظرته للدمار اكلي قد يعم العالم بسبب القنبلة الذرية، وهذا هو ما تعبر عنه قصائد متعددة تمتد من أقصى تطور تقني في " رؤيا فوكاي " إلى أخيلة القروي الذي يتصور الموت ثعلبا والناس " دجاج القرى " ؟هي تحديقة الشاعر المباشرة في حقيقة الموت، متمثلة في سذاجة الشاعر وثقافته حين يصبح التمييز بينهما أمرا غير ضروري، والثاني هو في مواجهته موته الذاتي، يطل عليه من خلال المرض المزمن، وفي هذا الموقف اليائس يصبح الإنسان مترددا بين العودة إلى الطفولة والأم والقرية، ليحس بالنجاة المؤقتة من مخلب الموت، وبين استدعاء الموت نفسه لأنه ؟فيما قد يبدو - أهون من مكابدة المرض. ويدرك الشاعر أن العودة للطفولة مستحيلة: وهيهات ما للصبا من رجوع أن ماضي قبري واني، قبر ماضي موت يمد الحياة الحزينة؟ أم حياة تمد الردى بالدموع (1/90) ________________________________________ ولهذا فهو يصرخ مستدعيا الموت: منطرحا أصيح انهش الحجار أريد أن أموت يا اله بل أنه حين يعود إلى الطفولة، إلى القرية، يحس بالتغير ؟أي بفعل الزمن، ولهذا فإنه يتساءل حائرا: جيكور ماذا؟ أنمشي نحن مع الزمن أم أنه الماشي ونحن فيه وقوف؟ أين أوله؟ وأين آخره هل مر أطوله أم مر أقصره الممتد في الشجن؟ وليس يوازي تجربة السياب ؟في الشعر الحديث - تجربة أخرى، تريد أن تحيي الماضي ؟ماضي اطفولة - طفولتي، صباي، أين؟. أين كل ذاك؟ أين حياة لا يحد من طريقها الطويل سور كشر عن بوابة كاعين الشباك تفضي إلى القبور؟! كما تحاول أن تعد الزمن، سنة سنة، " عشر سنين سرتها إليك " و " ثلاثين انقضت " ؟ الخ، أن السياب يقف في التجربة ؟تجربة الزمن والموت - شاعرا متفردا، لأنه كان حالة متفردة. انه لا يتفلسف كثيرا حول المشكلة، وإنما كان يعيشها. (1/91) ________________________________________ ومهما يكن من شيء، فإن الزمن عند خليل (طفل ؟غول)، ربما كان مخيفا ولكنه رغم شكله المخيف ما يزال طفلا، كما أن الزمن عند السياب " ثعلب " - يصطاد دجاج القرى، وقد يكون في شكل آخر أكثر أخافة، ولكنه حقا لا يبلغ صورته المخيفة عند نازك، التي تراه في صور مخيفة مقيتة فهو حينا " الافعوان " الذي يسد كل الدروب، مطاردا، خانقا كل شيء، يقتفي الخطوات، ويتجسد في كل اتجاه، حتى أنه ليغلق كل باب للفرار، ذلك الغول أي انتعاق من ظلال يديه على جبهتي الباردة أين أنجو وأهدابه الحاقدة في طريقي تصب غدا ميتا لا يطاق أين أمشي، وأي انحناء يغلق الباب دون عدوي المريب أنه يتحدى الرجاء ويقهقه سخرية من وجومي الرهيب ؟ أين أين أغيب هربي المستمر الرتيب لم يعد يستجيب لنداء ارتياعي وفيم صراخ النداء! وهو حينا سمكة ميتة، تكبر وتكبر، لتحول بين المحبين، وتنذرهما بالأفتراق، ومشيا لكن الحركة ظلت تتبعنا والسمكة تكبر تكبر حتى عادت في حضن الموجة كالعملاق (1/92) ________________________________________ وصرخت رفيقتي أي طريق يحمينا من هذا المخلوق لنعد فالدرب يضيق يضيق والظلمة محكمة الإغلاق ومن ثم تختلف نازك في موقفها إزاء الزمن ؟من خليل حاوي والسياب - فهي ترى في الزمن قوة جبارة مطاردة، والإنسان يحاول أن يهرب منها، ولكنه لا يملك أن ينجو، أو لا يكاد يملك ذلك. وليس الافعوان أو السمكة آو السحلاة، رموزا لقوة متميزة، مستقلة بذاتها تمثل وجودا في مقابل الوجود الإنساني، يقوم بينها وبين الوجود الإنساني صراع مستمر، وتكون الغلبة لها في كل جولة، وما الإنسان بالنسبة لها إلا كيان ضعيف، يحاول أن ينجو، ويتلمس كل سبب للنجاة دون أن يستطيع ذلك، وقد يكون " السمكة " في بعض حالاتها رمزا لانبعاث الماضي حيا، وحيلولته بين المحبين، ولكن تضخم السمكة ؟رغم موتها - يدل على أن هذا الماضي يستطيع أن يستغرق الحاضر والمستقبل، وأن ينشر رعبه على نحو كلي، فلا يعود محددا بآن واحد. ونازكعلى وعي بهذا الذي تتحدث عنه، وليست رموزها للزمن ؟القوة الجبارة - عفوية، ففي مقدمة ديوانها " قرارة الموجة " حديث صريح عن ذلك، حين تتخيل نفسها تتحدث إلى أخرى ؟إلى القرينة التي جردتها من ذاتها - حول فكرة الزمن نفسها، وفي أثناء هذه المحاورة تقول: " أني لا أخاف الزمن، أني اسأمة وحسب " ، وتقر أن السمكة رمز للزمن ؟أي الفراق بين الصديقين - وتذهب إلى أن فراق " عشرة أشهر " ؟مثلا - يجعل من المستحيل على الأصدقاء أن يعودوا أصدقاء، لأن كلا منهم قد تغير (1/93) ________________________________________ ولم يعد هو نفسه، ليحس إزاء الآخر بمثل ما كان يحس به من قبل، وهذا هو ما تعنيه بالشخص الثاني: الشخص الثاني، من أعماق شهور التيه المطموره حاكته دقائق تلك الأيام الجانبية المغروره وترسب في عينيه تثاقلها ورؤاها المذعوره وما دام الأمر كذلك، فإن المحبين بعد أي فراق مهما يكن قصيرا ؟أي بعد خضوعهما لفعل الزمن - لا يكونان هما المحبين اللذين كانا من قبل، وسينكر أحدهما الآخر، وفي هذا عذاب متجدد، لأن الصورة التي تكونت عند أول لقاء، أي اللحظة الزمنية المليئة بالإيحاءات، قد أمحت، ولا يمكن استعادتها. ومن ثم تجد نازك نفسها تنتقل من الفكرة المتافيزيقية للزمن، من حيث هو قوة منفصلة تصارع الآدميين، إلى تصور الواقع الزمني في مراحله الثلاث الماضي والحاضر والمستقبل، وأكثر ما يغلب على تصورها أن الماضي ميت، وأن المستقبل كذلك ميت. وكيف يمكن لقوة ميتة في الماضي وفي المستقبل، أن تكون مخيفة إلى الحد الذي تتصوره الشاعرة، وحقيقة الأمر أن هنا فرقا بين الزمن حين يكون ؟في الخارج - قوة مجردة، وبين الزمن حين يكون علاقة انسانية، فهو في الحال الثانية يمكن أن يكون حيا أو ميتا، مليئا أو فارغا بسبب احساس الإنسان به، أما في الحالة الأولى، فإنه صورة من الموت، ولذا فإنه قوة لا يستطاع التمرس بها. والأمس في شعر نازك ؟في أغلب المواقف - ميت " جثة الماضي الغريق " ، لا يمكن أحياؤه أو بعثه، والتعبير عن موته يتخذ صورا مختلفة، ويتكرر في مواقف متعددة، ونادرا ما ينتقض موت الماضي بعودته إلى الحياة أو بالعودة (1/94) ________________________________________ إلى الطفولة، وفي قصيدتين متقاربتي التاريخ (1) تعبر نازك تعبيرين مختلفين عن هذا الماضي، في أولاهما تصور الخوف الرهيب من الزمن ؟ومن الموت - وتحاول أن تتخذ فكرة تحجبها عن عيون السنين، وأن تشير إلى موضع قائم في المدى المرتمي محجوبا بالظلال، حيث يتم العبور إلى موطن لا يستطيع الزمان البليد أن يصل إليه، إلى عالم حافل بالوعود، ولكنه ليس الأمس: سنمحو الزمان، وننسى المكان هناك ونقسم الا نعود إلى أمسنا المنطوي سر بنا! ومع إن التعبير عن هذا الموضع مقترن بالاستقبال (سنعبر، سنحيا، سنمحو) فإن الزمن المنقذ ليس هو المستقبل أو الغد، وفي القصيدة الثانية حلم - أو محاولة حلم - بالعودة إلى الطفولة، والمسير إلى الأمس: سنحلم أنا نسير الأمس لا للغد ومع ثقل الأمس وتجهمه ومحاولة الهرب منه، فإنه يبدو أخف وقعا من الغد ذلك المجهول المطلق، ولذلك فإن أهداب الافعوان واقفة بالمرصاد تصب " غدا ميتا لا يطاق " . كما أن انتظار الغد يعني مواجهة القبور التي " تمد إلينا بأذرعها الباردة " ولهذا فإن النجاة من الاثنين ؟الماضي والمستقبل - إنما يتم باللجوء إلى دائرة " اللازمان " ، وهي الدائرة التي __________ (1) هما قصيدة أول الطريق (2: 229) وقصيدة دعوة إلى الأحلام (2: 236) والأولى بتاريخ 8 - 4 - 1948 والثانية بتاريخ 28 - 9 - 1948. (1/95) ________________________________________ تسميها الشاعرة " يوتوبيا " منطقة يتعطل فيها حكم الزمن، وتتخذ صفة الكمال والخلود، ولكن الشاعرة تتصور يوتوبيا هذه على ألوان فمرة تراها عالما يموت فيه الضياء، ومرة عالما يبقى فيه الضياء ولا تغرب الشمس، ومرة ثالثة حيث ديانا(ربة القمر) تسوق الضياء، ولكن الصفة الثابتة لها أنها أفق أزلي لا يدركه الفناء. وبين ألامس الميت والغد الرهيب يقع الحاضر، وهو في الغالب يمثل الفراغ، والزمن فيه بطيء العبور، تتمطى دقائقه تمطيا، ولذلك يوصف الزمن هنا بأنه بليد، وتمثل " الساعة " آلة بغيضة بلهاء، لأنها مقترنة بعد الدقائق البطيئة: دقت الساعة في الظلمة تسعا ثم عشرا/ تململت الساعة الباردة على البرج/ وأنا أصغي وأعد دقائقها القلقات، ويمكن التغلب على حركة الانتظار هذه بمشاهدة المتحركات في الزمن، كالقطار مثلا حيث يشكو الآخرون البطء " هذي العقارب لا تسير " ويتساءلون: كم مر من هذا المساء متى الوصول؟/ وتدق ساعته ثلاثا في ذهول/ فان مراقبة هذه المتحركات تأمل في زمن الاخرين، وتخفيف من ثقل الانتظار. كما يمكن التغلب على هذا الحاضر بالسير المستمر في المكان - دون وصول - ( لان الوصول يعني الموت) والسير في مكان يتجاهل فيه عامل الزمن ينقذ من العودة التي سيكشف للأعين أن كل شيء مررنا به وخلفناه وراءنا قد تغير: لماذا نعود أليس هناك مكان وراء الوجود نظل إليه نسير ولا نستطيع الوصول (1/96) ________________________________________ مكان بعيد يقود إليه طريق طويل يظل يسير يسير ولا ينتهي غير أن المكان غير موجود، مثله مثل يوتوبيا، ولذلك كان لا بد من العودة والمرور بالتغيرات التي تحول الأمكنة إلي أمكنة أخرى والشخص إلى شخص ثان، وذلك يعني التعايش مع أشياء لم تؤلف من قبل، ومع أن هذا التجدد كان يمكن أن يخلق بهجة متجددة، فإنه عند الشاعرة نذير بالسأم والضيق، مثله مثل الركود الزمني، لا يخلق سوى الإحساس بالضجر في شعر نازك صور مختلفة، توازي التعبيرات المتعددة عن بطء الزمن، وعن الإحساس بالفراغ، وليس التعبير عن " البطء " من أجل التأمل في الزمن، أو للاستسلام للحلم، وإنما هو صورة لاستثقال الحاضر والفزع من الآتي. ويجدر بنا أن نتأمل هنا في موقفين أحدهما: تجسيد الزمن في صورة قوة خارقة، قوة تكاد تكون مرئية، هائلة في قدرتها على المطاردة، وسد جميع المنافذ والدروب، والثاني: الزمن البليد البطيء المتثاقل الذي تتشابه لحظاته في رتابتها، بحيث لا تعنى الشاعرة أبدا بالإمساك بأية " لحظة " مفردة فيه واستدامته والاحتفاظ بها، وهاتان الحالتان يمثلهما الرمزان الكبيران: الافعوان الذي يرمز إلى الجبروت والمطاردة، والسمكة الميتة التي تكبر وتتضخم رغم موتها، وهي ترمز ؟بحركتها - إلى بلادة الزمن، وتثاقله، وهذا الزمن في حاليه - في صراع مستمر مع الحب، ولا تكافؤ، لأن الحب دائما خاضع له أو منهزم، بل أنه في بعض الحالات يقتل الحب بخلق العداوة، والبغض، وأحداث التغير في الناس والأشياء. (1/97) ________________________________________
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|