انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم لغة القرآن
المرحلة 4
أستاذ المادة مثنى عبد الرسول مغير الشكري
13/12/2012 08:08:26
3 - العوامل التي تحدد الاتجاهات الشعرية كانت الغاية من التحرم بهيكل التاريخ ؟في الفصل السابق - أن نستجلي " نقطة البداية " لا غير، دون أن يكون ثمة إصرار على الاستمرار في هذا السياق التاريخي، وهو سياق طبيعي ممكن، بل يكون أحيانا ضروريا. ولكن الأخذ فيه هنا تحول دونه أسباب كثيرة، أبسطها أن الدواوين الشعرية التي بين يدي ليست جميعا تحمل تاريخ صدورها الأول أو تواريخ القصائد، ولهذا كان لا بد من العدول عن هذا السياق، والانتقال إلى منطقة التساؤل عن العوامل التي رسمت ؟وما تزال ترسم - المسالك والاتجاهات التي سار فيها الشعر المعاصر، وما يزال يسير. سؤال كبير متعدد الجوانب بسبب طبيعة العصر الذي نعيش فيه: عصر متفجر بشتى الأحداث والمشكلات والمبتكرات والقضايا والنظريات والعلوم، متميز بسرعة التحول والتطور في ما يتصل بهذه الشؤون جميعا. وأحسب أن كثيرين منا حين يلقون هذا السؤال على أنفسهم تتجه بهم خواطرهم ؟أولا وقبل كل شيء - إلى القضية الفلسطينية التي ارتبطت نشأة هذا الشعر زمنيا بها، وإلى ما تمخض عنها من آثار قريبة وبعيدة، من توزيع لأهلها بين من يقطنون خارج الوطن وداخله، وما يواجهه كل فريق منهم من مشكلات، وإيجاد دولة دخيلة تقسم العالم العربي في شطرين، بل تقسم الدول مرة أخرى إلى دول مواجهة ودول بعيدة عن المواجهة، والعواصف الداخلية (1/57) ________________________________________ التي اجتاحت العالم العربي بعدها، من انقلابات وثورات، والعواصف الخارجية على شكل تدخلات وحروب، وشن الغارات على المخيمات، ثم تجسد الأماني الفلسطينية في حركة فدائية، ومحاولة القضاء على هذه الحركة في مراحل، إلى غير ذلك من شؤون، ولست أعني هنا كيف أصبحت القضية والأحداث المتصلة موضوعا للشعر، وإنما أعني ما الذي خلقته من مواقف وأساليب شعرية ووعي شعري، وإلى أي حد غيرت العطاء الشعري، وبلورت المفهومات والمنطلقات الشعرية، وكيف كان من المحتوم أن تربط هذا الشعر بالحركات التحررية في أرجاء العالم: في فيتنام وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وغيرها، وأن توحد رموز التضحية ؟توحد بين لوركا وغيفارا وغسان كنفاني وكمال ناصر و؟، وحين فعلت ذلك لم يعد هذا الشعر يستطيع الانفصال عن الإحساس بأثر قضايا الحرب والسلام، والتمييز العنصري، والحرب الباردة بين المعسكرين الكبيرين، وظهور المعسكر الثالث، والانقسام بين قوى اليسار، وانحسار الاستعمار القديم، وتغول الاستعمار الجديد، وقضايا البترول وأثرها في داخل البلاد العربية وخارجها، والتنكيل بالأحزاب اليسارية في البلاد العربية نفسها، وتعرض تلك الأحزاب للانقسامات، وظهور حركات " رد فعل " يمينية، وعلى ضوء هذا كله تحددت على نحو حاسم معان كثيرة: معنى الثورة، معنى الشعر الثوري، معنى الشاعر الثوري، مدى العلاقة بين الماضي والحاضر، مدى " الرؤيا " المستقبلية، مدى إيمان الشاعر بوسائل النضال أو بمسارب الهرب، وبرزت من خلال ذلك أسئلة قديمة، ما مهمة الشعر؟ ما وجه الصلة بين الشاعر والمفكر؟ ما اللغة وما اللغة الشعرية؟ وما العلاقة بين الشاعر والجمهور؟ وقد كانت الأجوبة على هذه الأسئلة أيضا محددة للاتجاهات التي سار فيها الشعر. (1/58) ________________________________________ وحين يخرج المرء من هذه الغابة من الأسئلة (وأنى له أن يخرج) تسلمه قدماه إلى غاية أخرى: ولنسمها " غابة الحقوق " : (يقول مفكر ساخر: هذا عصر يتحدث الناس فيه عن الحقوق، ولم أسمع أحدا يتحدث فيه عن الواجبات): حقوق العمال، حقوق الفلاحين، حقوق الموظفين، حقوق المرأة، وما آلت إليه هذه الحقوق الأخيرة من مطالبة بالأنصاف إلى مطالبة بالتحرر، واهتزاز وضع العائلة أو تفككها، وضياع سلطة الأب، والعلاقات الجديدة بين الأب والأبناء (أو انعدام العلاقات)، واستعلاء قضية " الجنس " واحتلالها مقام الأهمية، والاستشفاء بمعالجة الكبت (العفة القديمة) بإشباع الرغبات، كيف فعلت كل هذه في توجيه الشعر، وقبل كل ذلك كيف غيرت مفهوم العصبية العائلية، وحطمت القيم القديمة، وأيدت التساهل في تصوير الشذوذ، وأوجدت معنى جديدا للحب، وفعلت ؟ وفعلت؟ مما لا قبل لهذه اللمحة بتصويره. وقبل هذا كله أين يقف الشاعر نفسه من فكر عصره وثقافته وأيديولوجياته: هل هو ماركسي يتحدث ؟دون أدنى تعقيد - عن البروليتاريا والثورة وصراع الطبقات وحتمية التاريخ، أو هو ليبرالي؟ وهل يؤمن بما تدعو إليه الوجودية من مبادئ؟ أتراه يرى أن الإنسان ابن موقفه وأن مطلبه الأول والأخير هو الحرية، وأن حريته بالمعنى الدقيق التزام، وهل توغل في شعاب التحليلات النفسية الفرويدية وآمن بسيطرة اللاوعي وبأهميته في حياة الأفراد، وبالأحلام وما تعنيه من مخزونات جنسية، ولا بد أن يتأثر اتجاهه - بل لعله يتحدد - إذا أعجب بالسريالية وآمن كما يؤمن السرياليون بتعطيل العقل الواعي (automism) ليجد العقل الباطن سبيله إلى الانطلاق دون أن تعوقه أية عوائق، أو إذا عدل في هذا الموقف متابعا فنسنت بونور (1/59) ________________________________________ في المزاوجة بين فيوض العقلين اللاوعي، لأنه لا جدال " في أن الجهاز النفسي لدى الإنسان كان موحدا، وأن الشعر وسيلة لإيجاد هذه الوحدة المفقودة " . وهل يرى أن " العجيب " هو قلب الشعر وعصبه النابض، وأنه إذا كان المطلب المحوري لدى الوجودي هو " الحرية " فإن المطلب المحوري لدى السريالي هو " الرغبة " ، وتجري في هذا النطاق استفسارات كثيرة عن الميدان العالمي المحبب إلى الشاعر، هل هو علم الاجتماع أو الأنثروبولوجيا أو الفلسفة، وأي فروع علم الاجتماع مثلا، ومن هو رفيقه المفضل من الكتاب: أهو ماكس قيبر أم لفي شتراوس أم هيدجرام؟ بل لعل الباحث حاول أن يتعرف إلى اللون الغالب على قراءات الشاعر: أهو ممن يحب قراءة الروايات والقصص أو قراءة الدواوين الشعرية أو قراءة الكتب العلمية أو يفضل أن يبتعد عن سيطرة الكتاب والأفكار ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وإذا كان يجب قراءة الشعر فهل هو يفضل (مثل السياب) الشاعرة الإنكليزية أيدث سيتول أو الشاعر الإنكليزي ت. س. ايليوت، أو لعله لا يقرأ هذه ولا ذاك، وإنما يحب سان جون بيرز أو يعجبه بابلو نيرودا أو ناظم حكمت. ليس هذا كله من قبيل التهويل، بل لعلنا أغفلنا ؟رغبة في الإيجاز - عوامل أخرى تحدد اتجاهات الشعر من مثل دور المجلة والصحيفة والجامعة ومؤسسات الإعلام ووسائله، ومدى الاطلاع على النظريات النقدية الحديثة، ومدى صلة الشاعر بألوان التطور في الإخراج المسرحي، والمنتمى جملة دون تفصيل، ونمو المدن، وتضاؤل شأن الحياة الريفية، والاتجاه نحو التصنيع، وغير ذلك من العوامل التي تقوم بدور كبير في حياة المجتمع الحديث. بل لعلنا أغفلنا أهم عامل بين تلك العوامل جميعا وهو " شخصية الشاعر " نفسه، ومدى استقلالها، ومدى قدرتها على صهر بعض (1/60) ________________________________________ هذه العوامل القابلة للصهر، أو نبذ ما لا يتفق وطبيعتها، ومدى صلابتها، وقدرتها على خوض التجارب، أو مدى قابليتها للانهيار والضعف والتخاذل. وعلينا أن نتذكر أن ما عددناه من عوامل لم يوضع بحسب قسمة منطقية دقيقة، وإنما هو وليد خواطر مرسلة، وأن بعضه قد يصلح أن يكون نتيجة، وأن كثيرا منه يتفاعل معا، وأن المحك في النهاية هو العلاقة بين العامل الواحد أو العوامل المتكثرة، أو العوامل المتفاعلة المتداخلة وبين نفسية الشاعر وشخصيته. وليس يتم الكشف عن هذه العلاقة أو عن ماها، بطرح بيان من الأسئلة على الشاعر، لأن الشاعر أعطى هذا البيان دون أن يسأل، وشعره هو الذي يتحدث عنه، ومهمة الدارس بعد ذلك هي أن يستنطق هذا البيان ليحدد الاتجاه الواحد أو الاتجاهات المتعددة، وهي مهمة قد تبدو سهلة ؟في الظاهر - ولكنها ليست كذلك في الحقيقة. لقد قلت: أن ما عددته من عوامل باعثة على خلق الاتجاهات أو بلورتها أو تنوعها ليس من قبيل التهويل، وكنت أعني ما أقول، ذلك لأن الفروض ؟أية فروض - لا بد أن تأخذ باعتبارها كل الاحتمالات أو أكثرها أن كان لا بد لها من أن تكون شمولية أو قريبة من الشمول، فإذا قلنا أن قضية تحرر المرأة لا بد أن تكون ذلت أثر في رسم وجهة شعرية ما، فالفرض صحيح، وعجزنا عن اكتشاف ذلك الأثر ليس دليلا على عدم وجوده، بل أن عدم وجوده أن صح دليل على اختلال في العلاقات الضرورية بين الشعر والحياة. وحين نبارح دائرة الفروض إلى دائرة الواقع علينا أن نأخذ في الاعتبار أمرا هاما، وذلك أن تطور هذا الشعر م يكن دائما على نسق أو حسب خطى منتظمة، وقد يبدو (1/61) ________________________________________ هذا طبيعيا بسبب اختلاف الأجيال والموارد الثقافية وحاجات الوقت، ولكني اعني شيئا آخر، أعني أن هذا الشعر ظل في مراحل مختلفة الابن الوفي لنشأته، وقد رأينا أن نشأته كانت تحولا في الشكل مع التمسك بالرومنطقية وعدم مبارحة مجالها إلا شيء يسير ؟أو غير يسير - من الاستبطان الذاتي، والتحليل النفسي والتحوير القصصي، وفي هذه السمة التي يمكن أن توصف بأنها تحليلية ؟على وجه العموم - يتفاوت الشعراء، دون أن يعني ذلك أن الجيل الذي جاء بعد الرواد الاوائل، أو الجيل الذي بعده، قد استطاع أن يطور في هذا المنحى، أضف إلى ذلك أن الخضوع للرومنطيقية ظل هو الوجه الغالب على هذا الشعر، بحيث تعنف هذه النزعة أو تبهت بحسب حظ الشاعر منها، حتى معالجة القضايا الإنسانية أو القومية أو العقائدية ظلت تتم في هذا الإطار ؟في أكثر الأحيان - . ولست هنا بصدد شجب الرومنطيقية، إذ يبدو أن التخلص منها ؟أن كان لا بد منه - ليس أمرا سهلا، وخاصة إذا تضافرت عوامل عدة في واقع الأمة العربية تغذيها وتنعشها كلما فترت؛ ولكن الذي أقوله أن الرومنطيقية تحدد زاوية الرؤية وتضخم الجانب المأساوي لدى اصطدام النفس الحساسة بالمشكلات، وبهذا لا يستطيع الشعر الحديث أن يصبح " رؤيا " خالصة كما يريد له أصحابه. ومن الواضح أن هذا الاتجاه هو الذي غلب على شعر نازك وصلاح عبد الصبور ومحمد إبراهيم أبو سنة وبلند الحيدري، كما نجده في المراحل الأولى من شعر أمل دنقل وفايز خضور وسعدي يوسف وفدوى طوقان ومحمد عفيفي مطر، وفي مرحلة لاحقة في شعر البياتي، وقد وجد انعطافة قوية نحو مزيد من الرومنطقية في شعر توفيق زياد والمراحل الأولى من شعر سميح القاسم ومحمود درويش (1/62) ________________________________________ أعني من نسميهم " شعراء الأرض المحتلة " ؛ وقد كان لهذه الانعطافة أسبابها القوية، الفردية والجماعية، وكان مما ساعد على استمرارها وإطالة عمرها سهولة الاستجابة لهذا اللون من الشعر، ومحاولة إبقاء جذوة الوعي بالقضية الكبرى حية ملتهبة، إيمانا من الشاعر بأن الإثارة العاطفية هي الجسر المباشر بينه وبين جمهوره، وحسبي أن أورد على ذلك مثالين أثنين، أولهما قصيدة لتوفيق زياد بعنوان " رجوعيات " (1) ، يقول في مطلعها: دموع هذه الريح التي تأتي من الشرق محملة هتاف أحبتي الغياب مذبوحا من الشوق صريحا عاري النبرات ملء الأرض والأفق والقصيدة تضعنا في جو غارق في الحزن، في انتظار العائدين، وهي أحق أن تسمى " بكائيات " ، لأنها تستقطب جميع الآلام التي مرت على المنتظر والغائبين خلال أعوام وأعوام، وحين نتذكر أنها نظمت سنة (1966) نجدها نبوءة ؟رغم تشبثها بالأمل واستصراخها لمواطن القوة والصبر والنضال - للهزيمة المروعة التي جاءت بعد أقل من عام، وحين يقول الشاعر: أناديكم أشد على أيديكم أبوس الأرض تحت نعالكم وأقول أفديكم __________ (1) ديوان توفيق زياد: 121 - 134. (1/63) ________________________________________ وأهديكم ضيا عيني ودفء القلب أعطيكم فمأساتي التي أحيا نصيبي من مآسيكم عندما يقول ذلك نشعر أن هذا الوتر الرومنطيقي الذي يعزف عليه الشاعر قد حشد له كل المعاني التضحية، وأنه ليس شيئا فرديا، وأنه ليس استغراقا في الحلم الذاتي الخالص، وإنما هو العيش في سبيل الجماعة والموت أيضا في سبيلها، وقد اجتمع إلى ذلك، تعبير باللغة البسيطة العادية التي تحبها تلك الجماعة، وتستطيع أن تتجاوب معها. وبين الاعتزاز بالصلابة خلال سنوات طويلة من الظلم والاضطهاد، والفناء في حب الوطن، والذوبان في الجماعة، والتمسك بكل ما يربط الشاعر بالجماعة من مجد تراثي، وفوكلور جميل، نحس أن الرومنطقية لم تعد " مرضا " فرديا، وإنما أصبحت قوة عجيبة في قدرتها على الربط بين الحزن والصلابة، بين الانتظار والاستمرار في النضال، وهي رغم الاستغراق الشديد في بحر الأسى، ترى بوعي شديد أن هذا الأسى يجب ان لا يقف حالا دون الصمود الدائم: أنا ما هنت في وطني ولا صغرت أكتافي وقفت بوجه ظلامي يتيما عاريا حافي حملت دمي على كفي وما نكست أعلامي وصنعت العشب فوق قبور أسلافي أناديكم؟ أشد على أياديكم. (1/64) ________________________________________ وفي هذا اللون من الشعر تكبر الحقيقة، ويتسع مدى التجربة، وتشتد المعاناة، حتى أنها لتتنفس في أي شكل كان، أو بعبارة أدق: في أشكال متعددة، وإذا كانت وطأة التجربة بهذا العنف، لم نستطع أن نحاسب الشاعر، لأنه أختار لقصيدته شكلا دون آخر. وأما المثال فهي قصيدة " عاشق فلسطين " (1) لمحمود درويش، وهي كالقصيدة السابقة في روحها من حيث الجمع بين الحزن المأساوي والصلابة، ولكنها تختلف عنها في أنها لا تتوجه إلى الجماعة، وأن كانت تنطق بألسنتهم، مع التسليم التام بأننا جميعا " لم نتقن سوى مرثية الوطن " وأن الوطن يتطلب شيئا آخر غير المرثية، وحين تتحد المحبوبة والبلاد في الخطاب نحس بأن " الرومنطقية " في شكلها الجديد، تستطيع أن تغلغل إلى أعماق لم تكن تستطيعها في شكلها القديم: رايتك أمس في الميناء مسافرة بلا أهل؟ بلا زاد ركضت إليك كالأيتام أسأل حكمة الأجداد لماذا نسحب البيارة الخضراء إلى سجن، إلى منفى، إلى ميناء وتبقى رغم رحلتها ورغم روائح الأملاح والأشواق تبقى دائما خضراء! وأكتب في مفكرتي: أحب البرتقال واكره الميناء واردف في مفكرتي __________ (1) الأعمال الكاملة: 105 - 114. (1/65) ________________________________________ وقفت وكانت الدنيا يون شتاء وقشر البرتقال لنا، وخلفي كانت الصحراء. وأقول: أنني لم أكتب دراسة تحليلية عن القصيدتين، وإنما أوردتهما على سبيل التمثيل، ولو كان المجال يتسع لوقف الدارس عند كل كلمة، فيهما، لأنها لم تأت عبثا. لماذا الحديث عن حكمة الأجداد؟ ما الدلالة الواقعية في سحب " البيادر " ؟رمز الحضارة الفلسطينية المتطورة - إلى سجن أو منفى أو ميناء؟ وما معنى أن يكون قشر البرتقال ؟دون لبه - لنا؟ وما معنى أن تكون الصحراء هي الإطار الممتد خلف ذلك الكيان؟ هذا نفس " رومنطيقي " ، لا سبيل إلى جحد ذلك، وهو أشد عنفا من رومنطقية نازك أو السياب أو صلاح عبد الصبور أو أبو سنة، وهو أيضا في الوقت نفسه، حلقة الوصل بين الشاعر والجماعة، وهو إذا اعتبرنا الشعر صورة من الصلابة التي لا تلين، شعر مقاوم، يتشبث بالصمود، ورغم تعلقه بالماضي، فان أيما نه بالمستقبل ركين لا يتزعزع، بحيث نجد أن الوتر الرومنطيقي لم يستعبد الشاعر، وإنما سخره الشاعر نفسه لكي ينقل أنقى مشاعر المناضل في حومة المجموع، وفي الوقت نفسه جاء به على هذا النحو ليعبر عن المجموع في أقصى ما يحس به آمال وآلام. وفي هذا اللون من الشعر - وليعذرني النقاد فيما أقول - يظل كل سؤال عن الطريقة الشعرية والبناء الفني، شيئا تاليا لعمق التجربة، ها هنا معادلة صعبة: تتسلط فيها العفوية، ويتدفق فيها المد العاطفي بحيث يكسر كل الحواجز، ويطغى على كل ما حوله، ومع ذلك فمن ذا الذي يستطيع أن يقول أن الشكل العفوي، لا يخلق إطارا فنيا، على خير ما يجب أن يكون عليه ذلك الإطار؟ (1/66) ________________________________________ ليكن شاهدي على ذلك قصيدة لسميح القاسم بعنوان: " تعالي لنرسم معا قوس قزح " (1) ، وهي قصيدة كتبت بعد هزيمة (1167)، فهي مرهونة بهول المناسبة وشدة وقعها، وما أعقبها من شعور بالضياع والخيبة والعذاب، والانكماش والتضاؤل على المستوى الفردي والجماعي، ومع أنها تمتلئ بالتفجرات العاطفية، فإنها استطاعت تتحرك ضمن إطار فني متكامل، وتجئ حركتها في ثلاث دورات أو ثلاثة مناظر: (1)شمول الظلام: في هذا المنظر نجد الشاعر نازلا على " سلم أحزان الهزيمة " وهو يحس أن كيانه يتلاشى " يمتصني موت بطيء " ، وفي حركة النزول توجه إلى قرارة مظلمة، تسيطر فيها العتمة من كل ناحية، مما يجعل الشاعر غير قادر على أن يميز أن كان وحده، أو كان في الجماعة، ولكنه يدرك - في حالة الجمود بين يدي الموت البطيء - أنه لم يكن وحده، بل معه أيضا " ملايين مائة " ، وكان الظلام يلفهم كما يلفه لأن عيونهم كانت مطفأة، وفي هذا الجو من العمى الكلي، الذي رماهم به " العار الجديد " لم يعد ثمة ما يميز القديس بينهم عن المارق، هم جميعا اشباح، فلماذا البحث في الظلام عن أكتاف تتحمل مسؤولية ذلك العار؟! وفي هذا الجو الداجي المطبق يحس الشاعر ؟الذي لم تطفئ عيناه - بحاجة ملحة إلى الضوء، أنه يريد ما ينير له طريقه في تلك الهوة، ولضيقه بالموت البطيء، يريد موتا وحبا، ويقدم نفسه قربانا للحزن، لنار العار كي تحرقه لعله يضيء، فيخرج من حيز الموت البطيء إلى التلاشي المطلق، مقدما نفسه ضوءا أن كانت العيون المطفأة قد تعود إلى الإبصار. __________ (1) ديوان سميح القاسم (في انتظار طائر الرعد: 48 - 54) (1/67)
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|